مصر القادرة على تحويل قوة الكم إلى قوة النوع

الاثنين 2014/05/26

تتجه الأنظار الإقليمية والدولية صوب أرض الكنانة وانتخاباتها الجديدة وربما المصيرية، إذ يمكن لهذه الانتخابات والمرحلة التي تليها أن تحددا ملامح عصر ومرحلة جديدين أو تقذف البلاد إلى المجهول.

فمصر تواجه تحديات كبيرة تمتد من توفير الأمن والاستقرار ومكافحة الفقر والفساد المستشري وارتفاع معدلات الأمية والتضخم والبطالة، لتتمكن من استعادة مكانتها الإقليمية والدولية، بعد عقود من انعدام التخطيط وترقيع وترحيل المشاكل والتحديات.

ليست هناك دولة عربية تستحق دورا كبيرا مثل مصر، كما ليست هناك دولة تبحث عن هذا الدور مثل مصر. غير أن الحق في الحصول على الدور والسعي إليه لا يكفيان وحدهما للتمتع بالدور، لأن العامل الحيوي الثالث سيكون توضيح الدور وحجمه ومداه، يتبعه تحديد الأولويات بدقة وبناء مؤسسات قادرة على حمله وممارسته.

لن تستطيع مصر أن تلعب دورا مؤثرا بدون اشتراطات تتصل بنوع الرسالة ومستوى الأداء وليس الشعور أو الرغبة بأن لها حقا في لعب الدور. فالأدوار التاريخية ليست وظائف، وإنما واجبات، وليست إرثا وإنما مسؤولية. فمصر كانت مهمة وكان لها دور في زمن محمد علي الكبير وفي زمن جمال عبدالناصر. كما كانت مهمة في زمن أنور السادات وأيضا في الفترة التي أعقبت غزو العراق للكويت.

وكان يمكن أن تكون مهمة ومؤثرة في مرحلة ما بعد تحرير الكويت لو أنها وضعت أولويات لأهدافها بما يتناسب مع قدراتها الفعلية والكامنة لتكون قلعة للعلم والاقتصاد والإنتاج. كان يمكن أن تكون نموذجا لو سمحت بدرجة معقولة من المشاركة الشعبية في صنع القرار وتحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعيين. لكن من الطبيعي في ظل الأهداف والأوليات الضائعة أن ينحسر الدور ويتضاءل. وهذا ما حصل فعلا.

فمصر التي خاضت التحولات الكبرى في الخمسينات، وصمدت في معركة تأميم قناة السويس، وواجهت العدوان الثلاثي عام 1956 وقدمت معونة سنوية للأردن لتعويضها عن المعونة البريطانية التي توقفت بعد طرد الجنرال البريطاني كلوب باشا وأنجزت وحدة مع سوريا في عام 1958، وأرسلت طائراتها للدفاع عن العراق بعد ثورة تموز من نفس السنة وذهبت إلى اليمن لحماية ثورتها في عام 1962 وأبقت مدافعها موجهة ضد اسرائيل وأطماعها، سرعان ما تغيرت أولوياتها وسياساتها، وبدأت تبحث عن مهام جديدة بعد اتفاقات السلام مع اسرائيل.

بعد تلك الاتفاقية وجدت نفسها في تصادم عسكري مع ليبيا في عهد السادات. وبعد إرسال الأسلحة والخبراء والطيارين لمساعدة العراق ضد إيران، تم تحويل المدافع المصرية ضد العراق في عام 1991 فكانت تلك بداية النهاية لأي دور مصري مؤثر في المنطقة.

مدافعها بقيت أيضا متربصة ضد السودان، ووقفت مع انفصال اليمن الجنوبي في عام 1994. كما وقفت متفرجة، إن لم تكن محرضة ومساهمة في الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وأخيرا وقفت مع المعارضات السورية المسلحة في سوريا. باختصار غيرت المدافع المصرية مواقعها عدة مرات في اتجاهات مختلفة ومتعارضة خلال العقود الخمسة الماضية. فهل ترجع من حيث بدأت؟

جوهر المشكلة في مصر ودورها، أنها ضيعت فرصا ثمينة لبناء قاعدتها العلمية والاقتصادية، بل تراجعت تلك القدرات وتعاظمت مشاكلها الداخلية وجعلتها في موقف حرج، وهو لب مشاكلها اليوم. جوهر المشكلة لم يكن ماليا أو في كيفية توافر الأموال، بل في عدم تحديث دواليب الإنتاج وتحديث الأطر التعليمية والإنتاجية والاقتصادية.

التدفقات انهالت على مصر لتشجيعها على سلك الطريق الوعر الذي سلكته، لأن الجهات المانحة كانت قلقة على ثبات مواقفها المؤثرة على المنطقة كلها. وكان مدهشا أن بعض العرب لم يساعدوها بالقدر الكافي وهي تحارب إسرائيل، بل حين بدأت تتقارب معها. تلك المساعدات أظهرت نموا في متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ولكنها كانت أرقاما خادعة. فمتوسط دخل الفرد في أي بلد ليس كافيا لتصوير الحقائق الاقتصادية والاجتماعية، إذ لا بد أن يدخل في الحساب كيفية توزيع الدخل على ضآلته؟ ومن المفارقات أنه في الوقت الذي كان الفقير يزداد فقرا، كانت تستورد أكبر نسبة من سيارات المرسيدس في العالم، بالقياس إلى عدد سكانها.

أصبح الإحساس العام بهذه الصورة المزعجة للحقائق الاقتصادية والاجتماعية واضحا، وأصبحت مصر أمام وضع مخيف لأن النار أصبحت قريبة من الحطب أكثر مما تحتمله الأوضاع فيها.

وفيما كان المتوسط الحقيقي لدخل الفرد المصري ينخفض، كانت الأسعار ترتفع بزيادة الضرائب والرسوم. وارتفعت البطالة لمستويات مخيفة خاصة بطالة المتعلمين، وهي بطالة مدركة وواعية وقابلة للتحول إلى غضب عارم. وسبّب التناقض الحاد بين الفقر والغنى شعورا بالاستفزاز يصعب تجاهله، خاصة حين بدا أن تركز الغنى غير مبرر وغير مشروع، وبدا أيضا أن حصار الفقر هو الآخر غير مبرر وغير شرعي.

أخطر النتائج أن الطبقة المتوسطة في مصر، وهي مستودع الحيوية الاجتماعية ومخزن طاقتها القادر باستمرار على دفع موجات التقدم والحفاظ على الاستقرار، أصبحت مضغوطة ومحاصرة. وسرعان ما تخطى الإحباط المتراكم حاجز الخيبة ليتحول إلى سخط عام، لينفجر الغضب الذي مازالت شظاياه منتشرة إلى يومنا هذا.

لن يحمل دور مصر إلى العالم العربي، الجسم الضخم، بل تحمله الرسالة التي ستنشرها القاهرة. فقد كان دورا كبيرا في مرحلة التنوير العربي بين منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وكان كبيرا في زمن عبدالناصر ورسالته.

ولكن هذا الدور تبعثر وتقيّد ليس بسبب اتفاقيات السلام وتحولات الظروف الدولية فقط، بل بسبب إن مصر تراجعت وانكفأت وبقيت جثة كبيرة بدون قلب قادر على تحريكها بفعالية.

لن تستطع مصر أن تلعب دورا مؤثرا بدون اشتراطات تتعلق بنوع الرسالة ومستوى الأداء وليس الشعور بأن لها حقا في لعب دور. فالأدوار التاريخية تقاس بأدائها وليس بأي مقياس آخر، مهما قال التاريخ عن الماضي ومهما قالت الكبرياء عن الحاضر والمستقبل.

هناك كم مصري قادر على إشغال المكان ولكن بشروط. فعدد سكان مصر البالغ 86 مليونا هو الأكبر بين البلدان العربية، وهو عنصر قوة وعنصر ضعف. وهذا العنصر يتحول إلى قوة إذا استطاعت مصر تحويل قوة “الكم” إلى قوة «النوع».

سيتطلب الأمر احتواء الحركات المسلحة في الداخل وتفريغها من العنف بالحلول السياسية والأدوات الاقتصادية والتعليمية وليس بالحلول الأمنية والمؤقتة، بترشيق الأداء السياسي والفكري والإداري والإنتاجي، والتحرر من البيروقراطية والفساد الإداري وإعادة الأولويات للسياسة المصرية، والحذر من التحالفات غير المستقرة مع الأطراف الإقليمية والدولية، وعدم الاتكال عليها أكثر من الاتكال على الإصلاح الداخلي الشامل، واستكمال مشروع مصري للنهضة بدأ قبل أكثر من قرن ونصف، ونشر رسالة التسامح الديني في محيط مزقه التعصب والتطرف، والأخذ بعين الاعتبار أن الدولة يجب أن تكون أداة لسيادة القانون وليس للانتقام.

رغم الأزمة وحمولتها الثقيلة، ورغم النفايات المسمومة المبعثرة على تخومها، ما زالت مصر تمتلك طاقات وموارد معنوية ومادية ضخمة ومؤهلة للتغيير والتجديد، وتملك ملايين المتعلمين والمدركين لمتطلبات العصر والمستعدين لمسؤوليات التحضير والتخطيط والإدارة والتنفيذ.

هناك عناصر مستنيرة داخل مصر وفي المهجر تقع على عاتقها مهمة التقدم إلى دور الفاعل وليس دور المراقب، وإلى دور المؤثر وليس دور المهتم. ما تحتاجه مصر هو بناء دولة فتية تحمل الإرث الضخم لتتولى دور التسامح الديني والنهضة والتنوير الذي يليق بها.


كاتب من سلطنة عُمان

8