مصر المُقسَّمة اجتماعيا.. قواقع تفصل الأغنياء عن الفقراء

الجدل يتجدد حول انتشار المجتمعات المغلقة أو المنتجعات السكنية "الكومباوند"، بمعناه الثقافي والاجتماعي، مع الإعلان عن حجز أول الأحياء السكنية في العاصمة الإدارية الجديدة في مصر.
السبت 2018/08/04
المجتمعات المفتوحة انغلقت

القاهرة – باتت المجتمعات المغلقة أو المنتجعات السكنية “الكومباوند” في مصر العنصر المشترك في معظم المشروعات الجديدة، بصرف النظر عن حالة الانقسام المجتمعي بين ساكنيها ومن هم خارجها.

لا تخلو الكثير من الطرق المصرية السريعة حاليا من إعلانات ضخمة لفيلات أو شقق فاخرة، غالبيتها تحمل أسماء أجنبية، وتقدم مبررات تسويقية لجذب الجمهور، أهمها الرفاهية والأمن والمدارس الدولية والأندية الصحية والرياضية ومراكز التسوق والخدمات الفندقية والترفيهية والشوارع الواسعة النظيفة والمراقبة بالكاميرات والصالحة للجري وركوب الدراجات.

 

تنقسم المدن المصرية الجديدة إلى مجتمعين كبيرين، أحدهما يتكون من منازل شعبية معتادة احتوت غالبية المصريين، والآخر يتكون من مجتمعات منعزلة ذات أسوار ضخمة وأبواب حديدية مصفحة وحراسة مؤمنة وحمامات سباحة رائقة. وشكلت تلك المنتجعات مدنا فاضلة بشر بها المطورون العقاريون ورسخوا أسسها، حتى بات المجتمع المصري مقسمًا إلى قواقع صغيرة لا يعرف أغلب قاطنيها بعضهم البعض.

تجدد الجدل حول انتشار الكومباوند، بمعناه الثقافي والاجتماعي، مع الإعلان عن حجز أول الأحياء السكنية في العاصمة الإدارية الجديدة الذي يضم نحو 25 ألف وحدة سكنية، تم طرحها بطريقة “المجتمعات المغلقة”. الوحدات التي يفترض توجيهها للطبقة المتوسطة، سعر الحد الأدنى للوحدة 140 ألف دولار، هذا فضلا عن المصروفات الإدارية، ما يجعلها مقتصرة على الأغنياء وما يملكونه من ثقافة وعادات وتقاليد، تبدو بعيدة عن الشريحة العريضة من البسطاء.

انزوت مصر الحضارية التي ظلت طوال تاريخها تتميز بـ“الكوزموبوليتانية”، أي التنوع الثقافي، وامتزاج الأغنياء بالفقراء في بيئة واحدة؛ حي المهندسين والدقي الراقيان في الجيزة يتداخلان مع حي بولاق الشعبي، ومدينة نصر تجاور العباسية، وحي الزمالك الأرستقراطي يقبع أمامه حي بولاق أبوالعلا الشعبي، قبل أن تتغير الأمور وترفض قصور الأثرياء الاختلاط بالمقاهي والحارات، وتهجر أفخر السيارات الشوارع التي تسير فيها أنواع أرخص، في اعتزاز معنوي بالقيمة الاجتماعية.

يوتوبيا جديدة

مع الغزو السريع لثقافة اقتناء العقار كوسيط لحفظ القيمة، بدلاً من الجنيه المتدهور وملاحقة حاملي العملات الصعبة، وجد الأثرياء ضالتهم في “اليوتوبيا الجديدة”؛ حجبوا أنفسهم عن الطبقات الأقل عبر سلوكيات مجتمعية شائكة، وأسوار ضخمة تتجاوز الخمسة أمتار، ومؤمنة بشركات أمنية مدججة بالسلاح والكلاب المدربة.

يخشي البعض أن يتحول المجتمع حاليًا إلى الصورة التي تخيلها الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق لمصر عام 2023 في روايته “يوتوبيا” التي اعتبر فيها أن الأغنياء سيعزلون أنفسهم في كومباوند تحت حراسة “مارينز” متقاعدين يقتلون المتسللين إلى الداخل بعد ملاحقتهم بالمروحيات، ليكونوا عبرة لغيرهم من الذين يعيشون في الخارج على الكفاف والغارقين في الجهل، والتغييب والتهميش، وفق الرواية.

يحكي أحمد الشيخ، مراسل لإحدى الفضائيات، تجربته حينما أراد زيارة صديق له يقيم في أفخم وأشهر الكومباوندات بالقاهرة الجديدة، حاول أن يقنع الأمن مرارا بأن الكاميرا الصغيرة التي يحملها من صميم عمله، لكن دون محاولة عرض تركها بالخارج، وتم رفض طلبه، ووصل الأمر إلى استدعاء الشرطة المدنية له.

الشيخ، الذي يعيش في منطقة شعبية، يقول لـ“العرب”، إنه اعتبر الأمر تجسيدا لمصر المُقسَّمة اجتماعيا بين الوطن الذي يعاني من أعباء الإصلاح الاقتصادي والأوضاع المعيشية الصعبة، وآخر يجني فيه سكانه الثمار ويعيشون الحياة المترفة، ليستدرك ساخرًا “أصبحنا شعبين في دولة واحدة”.

حال المراسل الذي يبدو على ملامحه قدومه من منطقة شعبية، بشعره ولحيته الطويلة، شبيهة بحال الملايين من الناس الذين لا يستطيعون دخول أي مجتمع مغلق في مصر، إن لم يكونوا من ضمن الملاك أو لهم أقارب أو معهم تصريح مسبق للدخول، أو يدخل مع أحد القاطنين ممن يحملون بطاقات هوية خاصة.

وأوضح الشيخ لـ“العرب”، “أصبحت في مصر عدة مناطق خضراء، فإذا كان العراق يملك منطقة خضراء واحدة محصنة ويقطن فيها علية القوم من دبلوماسيين ووزراء ومسؤولين وقادة أحزاب وطوائف، فلدينا مثلها الكثير، ومنها ما هو أشد تحصينا”.

حالة التقوقع التي خلقها الأغنياء، نتجت عنها حالة غضب ورفض وحقد من قبل الفقراء

لم تشهد مصر، قبل التسعينات من القرن الماضي، طبقية اجتماعية سكانية أو “انقساما طبوغرافيا” كبيرا، على عكس العواصم الغربية، ففيها كان الشعب يتجانس بكل فئاته في مكان واحد، وحتى الاحتلال الإنكليزي لم يستطع تحقيق ذلك العزل الطبقي، وفشل في التحايل عليه بإنشاء ضواح خاصة مثل المعادي في جنوب القاهرة، بعدما غزا المصريون جوانبها بأحياء جديدة واختلطوا بسكانها من الأجانب، فلم تعد المعادي ذلك الحي الهادئ القديم.

تغيرت عقلية المصريين من الأغنياء مع استفحال الفقر واتساع الفجوة بين الطبقة الفقيرة والأخرى الغنية وظهور تداعيات سلبية لعصر الانفتاح الذي بدأ في منتصف السبعينات من القرن الماضي، وضرب عصب الطبقة الوسطى ليجعل الكثير من أصحاب رؤوس الأموال يهربون سريعا داخل قواقع عازلة.

بدأ الأغنياء عزل أنفسهم داخل قصور مترامية الأطراف خارج القاهرة، حتى ظهرت ثقافة “المجتمعات المغلقة” على استحياء عبر قرى صغيرة بنيت على الساحل الشمالي المطل على البحر المتوسط، كمجتمع ساحلي متكامل للأغنياء يصلح للإقامة طوال العام، يستقبل الزوار الأثرياء من الخارج، لقضاء إجازاتهم بشرط قدرتهم المالية على الدفع.

انتقلت التجربة إلى القاهرة بمنتجع فاخر قطنه بعض الوزراء الهاربين من الاحتكاك المباشر بالجمهور في المدن التقليدية، وتترسخ الصور الذهنية عن المجتمعات الفاخرة، بأنها أماكن يعيش فيها المسؤولون وذوو النفوذ “المحجوبون”، وتتكرر التجربة على أطراف المدن وزاد عددها حاليًا عن مئة منتجع على مساحة 55 مليون متر مربع.

تطرح ظاهرة المنتجعات السكانية الكثير من الأسباب التي جعلت صعودها أمرا مرغوبا فيه وأحيانا محمودا؛ ففي كتابه “عشش وقصور.. كم أنفق المصريون على المنتجعات السكنية؟”، يقول الخبير الاقتصادي عبدالخالق فاروق إن الكومباوند انتشر في مصر لأسباب نفعية بحتة، فالمطورون العقاريون وجدوه وسيلة للهروب من سداد التزاماتهم تجاه الدولة بالحصول على أراض رخيصة بدعوى تطويرها ثم إعادة بيعها بمبالغ ضخمة دون دفع نسبة الضرائب الحقيقية أيضًا.

ويحذر خبراء في علم الاجتماع من أن انتشار ثقافة الكومباوند تخلق نوعين من البشر، لكل منهما حياته وتعليمه وقيمه وعالمه الخاص، تفرز صنفين من الفكر والحياة لن تجدا مساحة واحدة للاتفاق بينهما، فمنع الاختلاط بين قاطني الكومباوند ومن خارجه، يجعل التواصل بينهما عبر الوسائل الافتراضية فقط.

تبدو تحذيرات الخبراء مواكبة لما عبرت عنه ميريهان محمود -طالبة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، ولدت وتربت داخل كومباوند- من صدام حضاري، قائلة إن حياتها ظلت مرتبطة حتى انتهاء الثانوية العامة بالمنطقة التي أقامت فيها، حيث مراكز التسوق والترفيه، وحتى قضاء الإجازة الصيفية كان يتم عبر طريق سريعة قريبة تربط مدينتها المغلقة بالساحل الشمالي.

وأضافت “تعرضت لأزمة حينما التحقت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، الواقعة في نطاق محافظة الجيزة، وقاومت رغبة أسرتي في الالتحاق بالجامعة الأميركية، فطوال عمري اعتدت ارتداء ملابس قصيرة دون التعرض لمضايقات داخل مدينتي وممارسة رياضة ركوب الدراجات، وحينما قصدت لأول مرة الجيزة لدخول الكلية، فوجئت بكم كبير من التحرش والمضايقات”.

ما يزيد في استفحال الأزمة أن معظم المجتمعات المغلفة تحاول فرض حالة من الانعزال التام، فحتى العالم الافتراضي لم يسلم منها، فجميع صفحاتها على فيسبوك مغلقة إلا على القاطنين فقط، مانعة أي محاولات خارجية للاستكشاف، وترك الباب مفتوحًا أمام الخيال لتوقع نمط الحياة الذي يعيشونه، كل يتوقع وفقا لمداركه.

وأوضحت ميريهان، لـ“العرب”، أنها فوجئت بكم التلوث السمعي والبصري، أكوام القمامة في كل مكان، والسيارات لا تلتزم بالحارات، والمرور عشوائي، حتى الحرم الجامعي لا يخلو من مضايقات، وبعد أسبوع واحد فقط من العام الدراسي، قررت تغيير دراستها إلى الجامعة الأميركية الموجودة في منطقة القاهرة الجديدة، التي تغلب عليها ثقافة الكومباوند.

تبدو الأزمة مستفحلة في ظل حالة التقوقع التي خلقها الأغنياء، ونتجت عنها حالة غضب ورفض وحقد من قبل فقراء رأوا في تلك الأسوار العالية استعلاء غير مبرر، وانعكس ذلك على معدل الجرائم الذي ارتفع مؤخرا واستهدف ساكني المنتجعات المغلقة.

شهد كومباوند شهير في القاهرة الجديدة أخيرًا مقتل رجل أعمال وأفراد أسرته الأربعة وتم اكتشاف الحادث بعد خمسة أيام، بعدما فاحت رائحة الجثث، وقبلها شهدت أماكن مشابهة حوادث لمشاهير من بينهم نيفين لطفي، الرئيس التنفيذي بمصرف أبوظبي الإسلامي في مصر، وابنة الفنانة المغربية ليلى غفران وصديقتها في مدينة 6 أكتوبر، في جنوب غرب القاهرة.

فضاءات مغلقة تزيد الفجوة بين الطبقات
فضاءات مغلقة تزيد الفجوة بين الطبقات

وفقًا لخبراء الاجتماع، فإن الحوادث التي شهدتها تلك المجتمعات المصطنعة تظهر انعدام العلاقات الاجتماعية بين السكان في المكان الواحد، فلا يعرفون أسماء جيرانهم المباشرين، ولا يختلطون بهم إلا في أضيق الحدود.

تفاخر شكلي

يرى عادل محرم، مسؤول إدارة جودة الحياة التابعة لوزارة الإسكان وعميد معهد الدراسات والبحوث البيئية سابقًا، إن الكومباوند السكني من أكبر المساوئ في المجتمع المصري حاليا، لما يترتب عليه من فصل وتمييز فئات عن أخرى، ومنع حدوث تواصل اجتماعي قائم على الاحترام المتبادل المباشر بين جميع الفئات.

جاءت تصريحات المسؤول ضمن لقاء كان مخصصًا للحديث عن الإنجازات التي حققها الرئيس عبدالفتاح السيسي في مشروعات الإسكان، لكنه تطرق لمعايير جودة الحياة التي تتضمن 52 نقطة تتخطى حصول المواطن على الخدمات الضرورية إلى الرفاهية في مجالات التعليم والإسكان والصحة، والشعور بالانتماء إلى بيئة طبيعية صحية.

ويتخوّف الخبراء من التحول إلى مجتمع “أوليغاركي” تتركز فيه مقدرات الأمور بيد أقلية صغيرة تتميز بالمال واتساع الملكية أو ما يمكن تسميته بالأندية الاقتصادية، فالفارق بين المجتمعين حاجز نفسي أكثر منه سورا مرتفعا يثير ضغائن الغالبية العظمى من قاطني العشوائيات البالغ عددهم وفقا للإحصائيات الرسمية 10.2 مليون مواطن محروم من معظم الخدمات.

تجسدت الصورة التي يخشاها الجميع في فيلم “نوارة”، الذي صور عمق الصراع النفسي لخادمة تقوم بدورها الفنانة منة شلبي تعمل في قصر لمسؤول كبير نهارا، وتعود لبيئتها الشعبية شديدة الفقر ليلا، وهنا يتجلى الصراع المجتمعي بكل معانيه.

أشارت سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس بالقاهرة، إلى أن انتشار ثقافة الكومباوند يتزامن مع ظاهرة التفاخر المظهري التي طرأت على المجتمع، ووصلت إلى درجة مقارنة قاطني هذه الأماكن ببعضها البعض، أيها أغلى وأكثر رفاهية؟ واعتبار ذلك الدليل القوي على الوجاهة، وكذلك الحال مع المدارس الدولية، وأنواع السيارات والملابس.

انتقل الصراع إلى الدراما، والسينما الحائرة حاليًا بين أعمال تتناول أحياء مغلقة كل مشكلات سكانها شخصية في الكثير من الأحيان، وأخرى تركز على قضايا المهمشين في المناطق الشعبية التي تتمحور حول الفقر والبطالة في معظم الأحيان.

لفتت خضر لـ”العرب”، إلى أن القضية لها أبعاد تتجاوز فكرة تقسيم المجتمع إلى الجانب النفسي المتعلق بالشعور بالرضا والحساسية الطبقية التي كانت لها صور في كل العصور والمجتمعات، وتجلت بصورة واضحة في العهد الملكي (قبل ثورة 23 يوليو 1952) حينما كانت أحياء كاملة قاصرة على الأغنياء فقط مثل “جاردن سيتي” في وسط القاهرة، لكن الزيادة الكبيرة في هذه الثقافة توحي بزيادة نسبة الانفصام المجتمعي.

وتفتقر المنتجعات الجديدة إلى الجانب الثقافي، فغالبيتها دون مكتبات أو مسارح أو أنشطة إبداعية، ومناهج مدارسها أجنبية، ما يخلق أجيالاً ذات طابع فوقي لغتها الأولى مغايرة للوطن الأم، وتكرس عزلة القاطنين، حتى عن ثقافة المجتمع، والارتماء أكثر في أحضان الأفكار الغربية دون إدراك لحقيقة معانيها الإيجابية، فهم يأخذون منها قشورها فقط.

تبدو تجربة الكومباوند في مصر بنسختها المحلية مخالفة للخارج الذي يشهد أيضًا انتشار ذلك النمط من الإسكان، إلا أن الاختلاف في التطبيق على الأرض، فلا يوجد مانع للاختلاط بالأسوار والحواجز، بل على العكس يشجعه الساكنون باعتباره ثمارا لمرحلة العولمة، ويبقى الأمر مجرد استحداث أحياء جديدة تتسم بخصوصية وجودة أعلى في الحياة.

لم يبق في النهاية سوى اختفاء الصورة النمطية التي غرستها الدراما في السابق، وأشهرها مسلسل “ليالي الحلمية” للكاتب أسامة أنور عكاشة؛ لأن سليم باشا البدري، الذي جسده الفنان يحيى الفخراني، لم يعد صديقًا لزينهم السماحي أو الفنان سيد عبدالكريم، صاحب المقهى الشعبي وصاحب النشاط السياسي والثوري، أصبح لكل منهما مجتمعه المنعزل، وطريقة تفكيره المغايرة.

20