مصر: انقلاب ديمقراطي أو تصحيح مسار

الأربعاء 2013/10/02

التوصيف الذي ورد في العنوان كان سبباً كافياً لإثارة مخاوف رئيس الوزراء التركي من فكرة تكرار السيناريو المصري في تركيا، ولذلك تعرض صاحب مصطلح «الانقلاب الديمقراطي» البروفيسور أوزان ڤيرول إلى هجوم قوي وحاد من الإعلام التركي ومن أردوغان شخصيا.

هذا أمر يوضح حجم القلق الذي يعيشه رئيس الوزراء التركي وهو ينتفض غضباً في وجه بحث علمي نُشر في دورية هارفارد للقانون الدولي وجاء فيه أن الانقلاب الديمقراطي هو انحياز الجيش للرغبة الشعبية واستلام السلطة وإجراء انتخابات حرة خلال فترة زمنية محددة. ولعل له العذر في هذه الغضبة المصرية بعد خسارته لحليفه في مصر، وقلقه المتزايد من احتمال انحياز الجيش التركي لحالة التذمر السائدة في بلاده ضد حكومته خصوصاً وهو يمارس القمع المتكرر للمظاهرات التي ما إن تهدأ حتى تشتعل مجدداً.

جاء في الدراسة المسحية لڤيرول ثلاثة نماذج انقلابات وصفها بالديمقراطية وهي الانقلاب التركي عام 1960 والذي رأينا من نتائجه في مرحلة لاحقة وصول حزب العدالة والتنمية التركي للسلطة، والانقلاب البرتغالي في 1974 والانقلاب المصري عام 2011. واستطاع من خلال الدراسة المقارنة للانقلابات الثلاث المختارة من بين عدد كبير جداً من الانقلابات عبر التاريخ التوصل إلى سمات وخصائص تجعل هذه النماذج تبتعد كثيراً جداً عن المفهوم المعروف للانقلاب.

ما يميز هذه الانقلابات حسب الدراسة سبع سمات هي: أن يكون الانقلاب ضد سلطة دكتاتورية أو نظام شمولي، وأن يكون انحيازاً لرغبة جماهيرية واسعة ضد النظام القائم، ويكون مصحوباً برفض الحاكم للتنحي وتلبية رغبة الشعب، وأن يكون الجيش يحظى بمحبة واحترام الشعب، وهو المنفذ للانقلاب، وأن يتم إجراء انتخابات حرة بعد فترة زمنية محددة تتراوح من سنة إلى سنتين، وأن ينتهي الأمر بتسليم الحكم لحكومة منتخبة ديمقراطياً.

وحسب الدراسة تتميز الفترة الانتقالية وتأسيس الدستور لهذه النماذج بتدخل عسكري في عمل الدستور الجديد؛ فإما أن يكون إجرائياً بحيث يصبح لصالح العسكر، أو موضوعيا بحيث يحتفظ العسكر ببعض الصلاحيات، أو مؤسساتياً بحيث يكون التمثيل فيه متساوياً ولا تطغى فئة على أخرى فتشكل أغلبية فيه. وهذا التدخل في إنشاء الدستور ناتج عما وصفه الباحث بما يشبه التعاقد بين الشعب والجيش كمكافأة له على انحيازه لصالح الرغبة الشعبية.

ولعل اللافت للنظر أن هذه السمات تكاد تنطبق على الحدث المصري، ولا نبالغ إن قلنا أن ما وصفه الباحث بالانقلاب الديمقراطي على الرئيس مبارك يجعل من التحرك الأخير للجيش المصري أبعد ما يكون عن الانقلاب المتعارف عليه أو حتى الانقلاب الديمقراطي.

أنشأ الجيش في انقلابه الديمقراطي على مبارك مجلساً عسكرياً تولى من خلاله إعادة صياغة أجهزة الدولة حتى الانتخابات الرئاسية التي سلم من خلالها السلطة للرئيس المنتخب مع احتفاظه بحق حماية تلك الأجهزة. هذا الحق هو ما دعا الجيش في مرحلة لاحقة للتدخل والانحياز للشعب. ثم أن تفادى تكوين المجلس العسكري بل وتسليم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية حسب ما يقتضيه نظام الدولة في حالة وجود الفراغ الدستوري هو أمر لا يمكن معه وصف ذلك الحِراك بالانقلاب.

والمدخل الذي قد يحاول البعض من خلاله التشويش على الحراك العسكري هو الزعم بأن حكومة الإخوان كانت منتخبة ديمقراطياً، مما يعني أنها لم تكن ذات طابع شمولي دكتاتوري وبالتالي فإن أول وأهم سمات الانقلاب الديمقراطي لا تنطبق على الحدث. هذا ما يبدو ظاهرياً. وسنفترض جدلاً أن الرئيس المعزول لم يكن محكوماً هارباً لم تتم تبرئته قضائياً، وسنفترض أن جميع الدساتير أو بعضها تجيز لمن لم تتم تبرئته قضائياً تولي أعلى منصب في الدولة، وسنفترض أن الانتخابات كانت نزيهة ولم تتعرض للتزوير، ثم لننظر في صحة هذا الزعم مع أن أياً مما سبق ينزع شرعية الرئيس ومشروعية استمراره.

لست هنا بمعرض سرد أخطاء الرئيس المعزول التي أدت إلى انتفاء الشرعية والمشروعية عنه، والتي أُشبعت بحثاً وكتابة من قِبَل الكثيرين، بقدر ما أريد أن أوضح أنه عَمِل بشكل واضح للعيان على تحويل الدولة المصرية من دولة تسعى للديمقراطية إلى دولة شمولية تأتمر بأمر مرشد الجماعة الذي لا رادَّ لأمره. وحاول كذلك إعادتها إلى منهج السلطة المطلقة للفرد التي تربط إرادة وإدارة الدولة بإرادته، على اعتبار أنه المالك الوحيد للسلطات وليس مجرد ممثل لها كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية في العالم.

وبما أن الدستور هو أسمى وأرفع قانون في الدولة التي تستند أجهزتها وممثليها إليه، وما أن يتم انتهاكه بتصرفات أو نشاطات كالإعلان الدستوري الذي يحصن قرارات الرئيس، أو إهانة القضاء بإعادة مجلس الشعب المنحل بحكم قضائي، أو تثبيت جمعية الدستور التأسيسية وعدم الاعتراف بأحكام المحكمة الدستورية، بل وغض الطرف عن جريمة تعطيل عملها بمحاصرتها لمدة شهر في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ، إضافة إلى استعداء كافة الأجهزة الحكومية، وتقسيم الشعب المصري إلى فسطاطين، وارتهانه للمرشد وفريقه في التنظيم ممن لا يملكون أي صفة قانونية في الدولة، فإن مجرد حدوث أيٍ من ذلك يُفْقِدُ الرئيس شرعيته الرئاسية. هذه المؤشرات تدل على التوجه الذي سار عليه الرئيس المعزول لتأسيس الحكم الشمولي وبناء مؤسسات الدولة على غير الوجه الذي أراده الجيش الذي أتى بسببه وبواسطته للسلطة والذي يعتبر نفسه الحامي لتلك المؤسسات. ومع تصاعد السخط الشعبي كان لابد للجيش أن يتدخل لصالح الأغلبية. هذا التدخل تبعته حكومة مدنية انتقالية برئيس مدني هو رئيس المحكمة الدستورية الذي يخوله القانون لتولي رئاسة الدولة. التكليف القانوني بحد ذاته هو ما يميز الحدث ويجعله يقترب كثيراً من تنفيذ أجندة ثورة 25 يناير على الوجه الصحيح حسب رغبة الناخب التي لم ينفذها الرئيس المعزول. ولأن الحدث المصري شكَّل بذلك نوعاً فريداً مستقلاً بذاته عن المفاهيم المعروفة أو تلك التي أسماها الباحث البروفيسور أوزان ڤيرول بالانقلابات الديمقراطية فسأتقدم خطوة للأمام في هذا وأجزم أنه يتفق مع ما وصفه الجيش بتصحيح للمسار الديمقراطي وأن مصطلح «الانقلابيون» والذي يستخدمه فلول الرئيس المعزول، ليس أكثر من مغالطة متعمدة تعتمد على ظاهر الفعل لا على حقيقته.


كاتب سعودي

9