مصر بعيدة عن "داعش"

الاثنين 2014/11/17

غالبية القوى الاستعمارية كانت السيطرة على مصر واحدة من أحلامها الرئيسة، وكل القوى العظمى راودتها فكرة الهيمنة على مصر والاقتراب منها، ومن أفلح، في الوصول إلى هدفه، سواء من أولئك أو هؤلاء، عاد وهزم وخرج منها مذموما مدحورا، عسكريا أو سياسيا.

المشكلة أن تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي (داعش) يحسب نفسه ضمنيا على الجانبين، بعد أن صورته طريقة تعامل بعض القوى الدولية كأنه “غول” سوف يجتاح العالم، وبدأ يتطلع إلى غزو دول عدة، بينها مصر، وقد استثمر مبايعة إعلامية له، أطلقها مؤخرا تنظيم “أنصار بيت المقدس” الناشط في سيناء، والذي أعلن مسؤوليته عن عمليات إرهابية كثيرة وقعت في بر مصر، للإيحاء بأن له رجلا في هذا البلد الكبير، ثم قام التنظيم باستغلال هذه الخطوة، وبث معلومات تؤكد اقتراب غزوه، عبر حركات متشددة متناثرة داخل مصر وخارجها، فأصيب بعض المواطنين بالذعر، وبدأ آخرون ينتظرون اليوم الذي يرون فيه وجه أنصار أبي بكر البغدادي في شوارع القاهرة، أو البغدادي نفسه، إذا كان حيا.

من خدعتهم، في مصر وخارجها، رسائل العشق والغرام بين “بيت المقدس” و“داعش”، وقعوا تحت تأثير الكثير عن تعقيدات الموقف الإقليمي والدولي، فإذا كان “داعش” ضخم مبايعته، ورد على تحية “بيت المقدس” له بأفضل منها، فإنه بعث برسالة مفادها أن مصر لن تكون بعيدة على مرمى التنظيم الإرهابي، المستهدف من قبل قوى كبرى، ومصر التي تلح على مطالبة الولايات المتحدة بالتعامل برؤية شاملة مع التنظيمات المتشددة، قد تصبح هدفا، وفقا لما يتردد حول وصول فلول “داعش” إليها، وغير مستبعد أن يتم توظيف هذه المبايعة لمضايقة القاهرة، والضغط عليها للانخراط في التحالف الدولي، حسب الرؤية المطروحة حاليا، وتوالي العمليات الإرهابية، خلال فترة وجيزة، منح الحديث عن “داعش” في مصر قدرا من الصدقية الإقليمية.

لكن من توهم صواب الربط واستنتاجاته السلبية، لم تصله أنباء جيدة عن قوة جهاز الأمن المصري، بفرعيه (المؤسسة العسكرية والمؤسسة الشرطية)، وخبرته العريقة في التعامل مع هذه النوعية من الملابسات، وقدرته على إجهاض المحاولات التي تريد النيل من البلاد، والدليل الإنهاك الذي أصاب جميع فرق المتطرفين في مصر كلها، لاسيما من نشطوا في سيناء، والذي اضطرهم إلى اللجوء خلال الأيام الماضية إلى عمليات أقرب إلى العشوائية، تفتقد إلى التنظيم الجيد والهدف المحدد، وترمي إلى نشر الذعر بين الناس، ومحاولة هز ثقتهم في جهاز الأمن المصري.

الخبرة العريقة والجاهزية الكبيرة والحنكة المتراكمة، هي التي مكنت الأمن من دحر المتطرفين في عقد التسعينات من القرن الماضي، وهي التي جعلته صامدا أمام محاولات الإخوان، خلال فترة حكمهم، وأبعدته عن التصفية، التي كانت الجماعة تضعها نصب أعينها لإحكام سيطرة ميلشياتها على مصر، وعندما أزيحت الجماعة عن الحكم، فوجئنا أن البيانات والأوراق التي قيل إنها ضاعت أو أحرقت، لا تزال في حوزة الأمن المصري، ولم تمس بأي سوء.

أضف إلى ذلك، النجاح الكبير في اختراق الحركات المتطرفة، وتجنيد عملاء من داخلهم، وهو ما ساعد الأمن على تخريب الكثير من العمليات قبل وصولها إلى الأراضي المصرية، واعتقال العشرات من العناصر الخطرة، وقد جعلت الثقة التي يمنحها المواطنون لجهازهم الأمني، أحدهم وهو صحفي معروف، يرفض توصيل رسالة سرية من مسؤول إيراني إلى مرشد الإخوان، عقب ثورة يناير 2011، والسبب أنه خشي أن يكون صاحب الرسالة (الإيراني) يعمل لصالح الأمن المصري، فالرجل – الصحفي على قناعة أن الأمن في بلده لديه قدرة فائقة على الاختراق خارج الحدود.

إذا كانت التعقيدات الخارجية معروفة ومفهومة، والإمكانيات والمواصفات والمؤهلات التي يتمتع بها الأمن المصري مرتفعة، فهل من الممكن أن يكون لتنظيم “داعش” نفوذ حقيقي في مصر.

الإجابة المنطقية لا، إذن لماذا تأثر البعض بخطابات الغزل المتبادل بين “بيت المقدس” و“داعش”، وجرى الشك في احتمال أن تصل عناصر هذا التنظيم إلى القاهرة.

ببساطة شديدة، لأن العالم كله تقريبا تجتاحه فوبيا “داعش”، فمن لم تصله فلوله، تم تجنيد عناصر من عنده، أو بعث متشددون مبايعات إليه، أو تلقى دعما، ماديا ومعنويا، من جماعات في الحكم وخارجه، وهكذا أصبح هذا التنظيم يلاحق الكثير من الدول، بالليل والنهار.

من يدقق في الوجود الفعلي لـ“داعش” يضع يده بسهولة على مجموعة من الملاحظات الهامة، تجعل من احتمال وصوله إلى مصر ونشاطه على أرضها، في حكم المستحيل، أهمها أن القوة الصلبة لهذا التنظيم توجد في دول مثل العراق وسوريا، تعرضت وتتعرض لتدخلات خارجية، وهناك تواصل جغرافي، يساعد على سرعة الحركة والتمدد، ومليئة بالاحتقانات الطائفية والمذهبية، بحيث يستفيد من التناقضات الكامنة في هذه الخصال، كما أن الدول التي أعلنت فيها بعض الحركات الإسلامية مبايعات لـ “داعش” لم نر نشاطا أو تغيرا يضفي عليها البريق الظاهر المعروف في العراق أو سوريا، لأن دوره يظهر في الدول أو المناطق شبه المفككة، والتي تكون فيها قبضة الأمن ضعيفة.

الشاهد أن تنظيم “القاعدة” في أوج إزدهاره لم يفلح في أن تطأ أقدامه بكثافة مصر، وكل ما وصل إليها منه حفنة محدودة ومتفرقة، تمت ملاحقتها وإلقاء القبض عليها، أو عادت إلى صوابها بعد مراجعات فكرية ناجحة، ولهذه الأسباب سوف تظل مصر بعيدة عن أحلام “داعش”.


كاتب مصري

8