مصر بين إصلاحين

الاثنين 2016/08/08

للإصلاح أنواع مختلفة، وخطوات متعددة، وإجراءات محددة، إذا جرى اتباعها يمكن أن تأتي بنتائج إيجابية، ويستلزم الإصلاح الشامل جملة من التحركات والتنازلات ومواجهة مجموعة كبيرة من التحديات.

في الحالة المصرية تبدو هناك نوايا جيدة من قبل النظام الحاكم للإصلاح، واستعدادات للوصول إلى نقلة حضارية ذات وجوه متباينة، لكن الممارسات الحقيقية، يصعب أن تصل إلى طفرات عاجلة، حيث لا تزال هناك ثغرات يمكن أن تعطل التصورات والتصرفات حتى لو كانت العزيمة صادقة. ولأن حديث الإصلاح متنوع المجالات، سيتم التركيز على الشقين الاقتصادي والسياسي، ففي الأول يسعى الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى تحقيق إنجازات، بينما ثمة بطء لا تخطئه العين في الثاني.

الأولوية التي يحظى بها الإصلاح الاقتصادي لها مبررات مفهومة، حيث أرخت الأزمات المتراكمة بظلال سلبية على الكثير من مناحي الحياة، وتركت تأثيرات سيئة على أحوال قطاعات كبيرة من المواطنين، بما يمكن أن يؤدي إلى نتائج قاتمة على النظام الحاكم، الذي وعد منذ وصوله إلى السلطة بحياة معيشية أفضل، ودخل في مشروعات تنموية أملا في تحسين مستوى أكثر من نصف المصريين الذين يقبعون تحت خط الفقر.

المشكلة التي تواجه النظام الحاكم هي أن الحصول على نتائج اقتصادية متفائلة يتطلب وقتا طويلا، لأن معظم المشروعات المعلن عنها لن تؤتي ثمارها قبل سنوات، في حين تبدو الحاجة إلى حل الأزمات الاقتصادية ملحة، وهو ما وضع السلطة بين فكي رحى؛ مشروعات طموحة واعدة لكن ثمارها مؤجلة، ومواطنون ينتظرون الوفاء بوعود قدمت لهم، ويريدون رؤية ما ستتمخض عنه لتأكيد اقتناعهم بمواصلة دعم السلطة الحاكمة.

حيال هذه المعضلة، وجد النظام الحاكم نفسه أمام مفارقات عديدة، أهمها التصالح مع رجال أعمال من بقايا نظام حسني مبارك، كانوا متهمين بالفساد والاستيلاء على أموال الدولة، وعدم المساس بالكثير من المزايا التي حصلوا عليها من قبل. في المقابل يتم عصر قطاع كبير من الفقراء وتحميلهم أعباء باهظة، مثل الزيادة الراهنة في أسعار العديد من السلع والخدمات، واتساع نسبة البطالة، وتصاعد الضرائب، وهو ما كشف عن نفاد قدر كبير من الصبر وقوة التحمل لدى المواطنين، الذين تيقنوا أن الإصلاح الاقتصادي لن تصلح معه المسكنات التي يستعملها النظام.

المبررات الاقتصادية التي تستخدمها دوائر محسوبة على النظام الحاكم، لتفسير الانسداد الحاصل في البعض من الجوانب السياسية، أخذت تفقد جزءا من منطقيتها، وسط عجز عن تحقيق إصلاحات تعود بفوائدها على الناس واستمرار الأزمات على حالها بل ربما تفاقمت مقارنة بما كانت عليه.

لم يعد أمام هذه الدوائر سوى العزف على وتر الاستهداف الخارجي، والمحاولات الجارية لمعاقبة الدولة المصرية على صمودها أمام سيناريوهات التفتيت التي تعم المنطقة، لتهدئة خواطر الناس وكل من زاد ضيقه من تردي الأوضاع الاقتصادية، وتذكيرهم بأن الصبر على الأزمات مسألة مصيرية، لمواجهة مخاطر طوفان لا يزال شبحه يحيق بمصر.

هذا الاعتقاد جعل النظام المصري يعطي أولوية مبكرة للقضايا الاقتصادية مقارنة بنظيرتها السياسية، انطلاقا من أن تحقيق إنجازات على الصعيد الأول سوف يوفر غطاء شعبيا للنظام، كما أن الشروع في إدخال إصلاحات سياسية في وقت يبدو فيه المجتمع والقوى الحزبية غير ناضجين بصورة كافية، يمكن أن يفتح الباب لقوى مناهضة للسيطرة على المفاصل الرئيسية في المشهد الحزبي.

في ظل مشكلات اقتصادية عميقة، وعدم دراية بحجم التحديات، وتقاعس النخب السياسية وعقم غالبيتها، والقوة والحنكة التنظيميتين اللتين تتمتع بهما قوى مناهضة للنظام الحاكم، سواء أكانوا إخوانا مسلمين أم اشتراكيين ثوريين أم فلول الحزب الوطني المنحل، قد يواجه الرئيس السيسي تكتلا متماسكا، يمكن أن ينخر الكتلة الحرجة التي تمثل الرديف الشعبي له. لذلك ربما يمثل تركيزه على الملف الاقتصادي أيضا، مبررا لعدم الاهتمام بالملف السياسي، الذي يمكن أن ينفذ منه البعض من القوى المعارضة، ويستطيع توظيف الترهل الذي أصيبت به أحزاب وقوى سياسية مختلفة لصالحه. من هنا جاء دخول البعض من الأجهزة الأمنية إلى الحلبة السياسية على نطاق واسع، ومحاولة الإمساك بخيوطها من وراء ستار حتى لا ينفلت العقال، وتتمكن قوى معروفة بمعارضة النظام من العودة إلى المشهد.

اللافت أن لعبة توزيع الأدوار في ملف الإصلاحات، الاقتصادية أو السياسية، قد تجد تفهما مؤقتا لدى البعض، لكن حصيلتها ربما تكون وخيمة، بطريقة تؤدي إلى المزيد من الإحباط، فمهما كانت التفسيرات التي تقدم لفهم الدوافع التي تؤجل الإصلاح السياسي، فإن عدم تحقيق طفرة مادية واضحة، لن يحول دون الاقتناع بأهمية أن يلمس الناس تقدما على الصعيد السياسي، وتتأسس هذه النتيجة على محددين.

المحدد الأول هو أن السيسي في معظم أحاديثه كان يركز على الأبعاد الاقتصادية، وغابت الجوانب السياسية تقريبا، ولم يعد المواطنين بإصلاحات تسمح بالمضي قدما على طريق الديمقراطية، ما يعني أنها غير ذات أولوية في برنامجه، ومع ذلك يواجه انتقادات في الداخل والخارج بما يمكن أن يقلل من أي إنجاز اقتصادي سوف يحققه.

والثاني أن القوى الحزبية لم تتوان عن توجيه نداءات بتكوين جبهة سياسية تمنحها قوة لمواجهة تغول طبقة قريبة من النظام نجحت في القبض على زمام أمور كثيرة.

وما لم يسرع النظام المصري بالسير في طريق يجمع بين الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، فإن العقبات التي تواجهه سوف تتزايد، بما يضاعف من صعوبة ردم الهوة بينه وبين شريحة عريضة من المواطنين.

كاتب مصري

9