مصر بين السعودية وإيران

الأحد 2016/09/25

اجتمع وزير الخارجية المصرية سامح شكري مع نظيره الإيراني، وصرح كذلك بأن مصر تختلف مع السعودية بخصوص مسألة بقاء بشار الأسد على عنق سوريا.

إنني أطلب من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ومن وزير خارجيته التواصل مع جهتين، الجهة الأولى هي الرئيس الأسبق محمد حسني مبـارك والجهة الثـانية هي فريـق رئيـس المخـابرات الراحل عمر سليمان، ويمكن إضافة أمين جامعة الدول العربية الراهن أحمـد أبو الغيـط والسـابق عمـرو مـوسى. ما أتمناه من الرئيس الشرعي هـو سؤال هذه الأطـراف سـؤالا واحـدا فقط: كيـف ترون تجربة مصر قبل ثورة 25 يناير مع بشار الأسد ومع إيران؟ إن كان قادة مصر اليـوم يجهلـون الإجـابة فهـذه مصيبـة واحـدة وإن كـانوا يعلمون فتلك ألف مصيبة.

بعد ثورة 30 يونيو ضد حكم الإخوان، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانا تؤيد فيه الرئيس “الشرعي” محمد مرسي، بينما قامت السعودية بتقديم دعم شامل مفتوح وغير مسبوق للنظام الجديد، والمشكلة التي تواجهني هنا: لماذا يعامل الرئيس السيسي إيران وكأنها من دعّمت ثورة 30 يونيو ولماذا يعامل المملكة كأنها من دعّمت محمد مرسي؟ فليفعل الرئيس السيسي في مصر ما يشاء، لكن المستغرب هو تـركيز جهـوده ضد المملكـة في غير دولـة عربية على رأسها سوريا ولبنان وغيرهما.

بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، قام صحافي لبناني مرموق بزيارة بشار الأسد، وحين تحدث عن الخلاف بين الأسد وبين مصر، قال بشار “لا يمكن أن أكون في صف واحد مع نظام كامب ديفيد”، والصحافي المقصود تعرفه المخابرات المصرية جيدا، والسؤال: هل تخلت مصر السيسي عن اتفاقية كامب ديفيد من دون علم أحد؟ لا أظن!

بشار الأسد وإيران وما يسمى بحزب الله عبّروا عن عدائهم لمصر بالأفعال لا بالأقوال، والدليل على ذلك قضية سامي شهاب (أحد قياديي حزب الله) التي قال القضاء المصري فيها كلمته عام 2009 بإدانة شهاب و27 متهما معه بالسجن 15 سنة. لكن شهاب هرب خلال أحداث ثورة 25 يناير. وفي فبراير الماضي استقبل مسؤول رفيع في المخابرات المصرية وفدا من حزب الله (محمد عفيف وعلي المقداد وحسن عزالدين).

ولست أدري إن كان مسؤول المخابرات قد طالب الوفد الزائر بتسليم شهاب أم لا وهو المدان بالتخطيط لهجمات إرهابية داخل الأراضي المصرية مستهدفة المواطنين والسياح عبر تفجيرات انتحارية وسيارات ملغّمة وعبوات ناسفة في سيناء خصوصا.

وفي اعترافات شهاب للسلطات المصرية التي بثها الإعلام المصري قال نصا “العمليات كلها كانت تستهدف الوضع الداخلي في مصر ولا علاقة لها بمساعدة التنظيمات الفلسطينية في غزة”.

وقضية شهاب مجرد مثال لمواقف بشار وإيران وحزب الله ضد مصر، أقول مصر ولا أقول حسني مبارك عمدا، ومن المحمود هنا التنبيه بأن إيران سمّت شارعا باسم قاتل الرئيس محمد أنور السادات، وهي أيضا أهم ممول لخصوم الرئيس السيسي من السياسيين ومن الإعلاميين.

مع كل احترامي لأصحاب القرار في مصر اليوم، إلا أن سياساتهم في سوريا وفي لبنان تنم عن انعزال كلي عن الواقع. وما يؤسف حقا أن السياسات المصرية في لبنان وفي سوريا لا تسيء لغير مصر، أما تأثيرها فهو صفر مكعب.

وإن كان لها تأثير فهو ينحصر في إزعاج حلفاء مصر المخلصين والدائمين. ولنضرب أمثلة على ذلك، حرص مصر على الجيش السوري والدولة السورية جميل نظريا لكن الواقع العملي لا يشير إلى وجودهما أو تأثيرهما مطلقا.

واعتبار مصر أن بشار الأسد عدوّ للإسلام السياسي في غير محلّه، فأبرز حلفائه هما الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحركة حماس في غزة وحزب الله وجماعة فتح الإسلام في لبنان.

ولا أظن هذه الجهات منتمية إلى الوجودية أو إلى الماركسية. ولم نتطرق هنا إلى دور الأسد في دعم تنظيم القاعدة في العراق. ومن أخطاء مصر أنها تظن الأسد رمزا لسوريا وهو في حقيقته موظف إيراني لا أكثر.

لو قام العاهل السعودي باستقبال وفد من جماعة الإخوان أو أعلن تأييده للرئيس المعزول محمد مرسي لقامت الدنيا ولم تقعد في مصر.

وما يجب أن يدركه صناع القرار المصريون أن نظرة السعودية لبشار وإيران وحزب الله تساوي تماما نظرتهم للإخوان ولحماس وتركيا وقطر. وحين كانت مصر في أزمة قامت السعودية بتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية. وما زال هذا قائما إلى اليوم.

وقامت السعودية كذلك بسحب سفيرها من قطر بجوار الإمارات والبحرين. والسؤال البسيط هنا، في ظل مواجهة مصر للإخوان ومن خلفهم قدمت السعودية لمصر كل شيء، فماذا قدمت مصر للسعودية في مواجهتها لبشار وإيران وحزب الله؟ لا شيء مطلقا.

لا يمكن أن يكون لمصر دور إقليمي من دون متانة وضعها الداخلي وسلامته، أما التهرب من المشاكل الداخلية بمحاولات التمايز الخارجي لن يؤدي إلى مكان، والسؤال هنا: كيف يمكن أن تؤدي مصر دورا إقليميا يقوم على معاداة السنة؟ وهنا ملاحظة طفيفة: زمن الحرب الباردة والأيديولوجيات انتهى لمصلحة النفط والمال والطوائف، كما أن جمال عبدالناصر انتقل إلى جوار ربه.

وأهمية هذه الملاحظة هو تذكير صناع القرار في مصر أن بلادهم لن تتمكن من لعب دور إقليمي إلا إذا كانت ممثلة لإجماع عربي. وفي حال غياب الإجماع فمصر ستضيع وقتها ووقتنا كما يجري اليوم. والأهم من ذلك، وهو يزعج أصدقاءنا المصريين، حقيقة أن مركز القرار العربي انتقل من مصر إلى الخليج بعد انتقال الاهتمام الدولي من قناة السويس إلى الخليج العربي، وتلك سنّة الحياة، في يوم أنت مؤثر وفي يوم أنت متأثر، وهذا لا يستثني أحدا بما في ذلك مصر والخليج.

من وجهة نظري، يجب أن لا نغضب من أيّ تقارب مصري- إيراني، فأصحاب هذا الخيار لن يفلتوا من عقاب الشعب المصري، فلتفرح النخبة المصرية بميليشيا “مقاومة” في سيناء تستهدف الدولة المصرية وجيشها بذريعة محاربة إسرائيل، ولتفرح بـ”مراكز ثقافية” تنشر الفتنة المذهبية تحت راية التشييع، إيران ليست غاضبة من كامب ديفيد إنما تغار منها، كما أنها ليست حريصة على مصر إنما حريصة على التهامها، أعان الله المصريين على خصوم مصر وعلى نخبتها.

بعض المسؤولين السعوديين استاؤوا بأن المملكة دعمت لبنان مرارا لكنه لم يتضامن معها في أزمتها الدبلوماسية مع إيران، ونقول لأصدقائنا بأن ما قدمتموه لمصر بعد ثورة 30 يونيو فاق ما قدمتموه للبنان بعد اغتيال الشهيد الحريري خمسة أضعاف على الأقل، واليوم بعض مصر يقف ضدنا في غير مكان كل يوم، تحيا مصر وعشتم وعاش لبنان.

صحافي سعودي

3