مصر تؤرخ أحداثها السياسية والاجتماعية بالكاريكاتير

مليون قصاصة صحافية رقمية من 24 صحيفة مصرية تستعيد وقائع 40 عاما من بطش السلطة والفساد الحكومي.
الاثنين 2018/06/18
الصحافة المصرية انخفض صوتها مؤخرا

القاهرة - رصد معرض “الأحداث المصرية في عيون رسامي الكاريكاتير” الذي نظم في العاصمة المصرية القاهرة من 10 إلى 14 يونيو، أبرز الوقائع المؤثرة التي شهدها المجتمع المصري على مدار أربعين عاما، في إطار مشروع توثيقي رقمي كبير يكشف كنوز أرشيف الصحف.

وينفرد فن الكاريكاتير بقدرته الاستثنائية على تسجيل الأحداث التاريخية الفارقة في سائر المجالات، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والرياضية وغيرها.

من يمعن النظر في لوحات المعرض يتأكد من انخفاض مستوى الحرية في الوقت الراهن، فكثير من الرسومات التي جرى نشرها تحمل رؤى متباينة لقضايا حيوية، ونقدا قاسيا لمؤسسات الدولة الرسمية، بما يعجز رسامو الكاريكاتير حاليا على تكراره.

وتقدم أعمال المعرض في “بيت السناري” الأثري بالقاهرة، قراءة بصرية تشريحية لأحوال المجتمع المصري على مدار أربعة عقود، تبدأ بالأشهر الأخيرة في حياة الرئيس جمال عبدالناصر، وتنتهي بآخر مراحل حكم الرئيس حسني مبارك قبيل ثورة 25 يناير 2011.

ويأتي المعرض ضمن مشروع إطلاق أرشيف مجموعة الصحافة المصرية بمركز الدراسات والوثائق الاقتصادية القانونية والاجتماعية الفرنسي “سيداج” (CEDEJ)، الذي قامت مكتبة الإسكندرية بـ”رقمنته” انطلاقا من دورهما في توثيق وحفظ التراث وإتاحته عبر بوابة إلكترونية.

بدأ “سيداج” تكوين هذا الأرشيف منذ عام 1976، ويتضمن المشروع الإلكتروني رقمنة مليون قصاصة صحافية ورسم كاريكاتيري من 24 صحيفة مصرية، مع إتاحة أداة بحث ذكية للجمهور لعرض القصاصات مرتبة بحسب الموضوع.

ويتبع “بيت السناري” التاريخي، الذي يستضيف المعرض، مكتبة الإسكندرية، وهو قصر فخم بناه الرجل الثري إبراهيم كتخدا السناري في العام 1794، ويقع في حي الناصرية بالسيدة زينب في وسط القاهرة.

تأريخ كاريكاتوري
تأريخ كاريكاتوري

وثمة أهمية مزدوجة يكتسبها المعرض، فهو يحفل بإبداعات عشرات الفنانين من أجيال وتيارات مختلفة، يمثلون مدارس متنوعة لفن الكاريكاتير، وينتمون إلى مؤسسات صحافية متفاوتة الاتجاهات بين الشعبية والمحافظة، والقومية والحزبية.

ويقدم المعرض بانوراما شاملة للأحداث المصرية، بما يجعله تأريخا بكاميرا الفن لما جرى على أرض المحروسة خلال هذه الفترة الحافلة بالفوضى والتقلبات السياسية وقضايا الفساد وتوتر العلاقات المصرية العربية والتحولات الاقتصادية من الاشتراكية إلى الانفتاح، وظهور موجات العنف والإرهاب، وتفاقم المشكلات الاجتماعية.

في إحدى لوحات المعرض التي تعود إلى العام 1982، يسخر الفنان صلاح جاهين من سياسات وزارة الزراعة المصرية، متهكما على تجارب زراعة الدخان محليّا بطريقة تعكس فشل الأداء الوزاري عموما في تلك المرحلة.

ويصور الفنان مصطفى حسين بريشته وأفكار أحمد رجب مواجهة مصر ظاهرة الإرهاب في العام 1997، فالأم المكلومة لا تصدق أن المتطرفين القتلة هم أبناؤها. وكانت أكثر من حادثة عنف وتفجير قد خلفت ضحايا في ذلك التوقيت.

ويرصد الثناني حسين ورجب فضيحة نوم النواب في جلسات مجلس الشعب (البرلمان) في تسعينات القرن الماضي في عهد الرئيس مبارك، كما يسخران في أعمال أخرى من الأوضاع السياسية بالبلاد مستحضرين عبارة سعد زغلول الشهيرة “مفيش فايدة”، ويتندران على برامج المرشحين السياسيين في الانتخابات البرلمانية، وكانت عادة برامج وهمية.

أما القضية التي هزت البلاد في العام 1997، فهي قضية “عبدة الشيطان”، ربطها الفنان محسن بفساد المناصب، في حين ربطها ماهر داوود بشكل مباشر بالإرهاب الديني وظهور الجماعات المتطرفة التي كان لها حضور قوي في الشارع آنذاك.

يلتقط الفنان عمرو عكاشة قضايا فساد المسؤولين الحكوميين ومهربي الأموال إلى الخارج من رؤساء البنوك وشركات القطاع العام، كما يسخر الفنان ذاته من إصدار الحكومة قوانين وتمريرها في غيبة تامة إلى مجلس الشعب، في أواخر تسعينات القرن الماضي، حيث كان الدور التشريعي للمجلس وهميّا صوريّا.

بدوره، ينتقد الفنان جمعة في عمل كاريكاتيري في العام 1993 الإسراف الحكومي كقضية شغلت الرأي العام وقتها، فيما يتوقف أكثر من فنان عند المشكلة السكانية في مصر، بوصفها أم المشكلات الاجتماعية، ومنهم الفنان صلاح جاهين في 1979، متندرا على ما ذكره البعض من أن تقدم الطب هو سبب تفاقم المشكلة.

بمطالعة بقية رسوم معرض الأحداث المصرية، تتشكل لدى المشاهد خارطة كاملة مؤرخة لمعاناة الشعب على مدار أربعين عاما من بطش السلطة والفساد الحكومي والروتين الإداري والقوانين الظالمة وغيرها من المشكلات العاصفة التي يحاول الفنانون التغلب عليها أو التخفيف من وطأتها بالمفارقة والسخرية.

تعكس لوحات المعرض شكل مصر الحقيقي، بلا مبالغة، وإن كان هذا الفن ذو الطبيعة الخاصة ينبني على المبالغة.

18