مصر تبدأ عهدها الجديد بإصلاحات اقتصادية حاسمة

الثلاثاء 2014/07/08
اصلاحات اقتصادية ضرورية رغم حالة السخط التي قد تثيرها زيادات الأسعار

القاهرة – رحب محللون وخبراء بالخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية لخفض العجز في الميزانية وإصلاح منظومة الدعم التي تحمي الفقراء وقد كانت ضرورية لدعم الاقتصاد رغم بعض الاضطرابات وحالة السخط التي قد تثيرها زيادات الأسعار في صفوف المصريين، خاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة المعنية أكثر بمنظومة الدعم.

منذ قيام الثورة والاقتصاد المصري في حالة واضحة من التدهور وزيادة العجز، وتضاؤل احتياطيات النقد الأجنبي، وارتفاع معدلات التضخم، ومع صعود الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم بدأت مصر تتقدم أولى خطواتها في طريق الإصلاح الاقتصادي.

وأثارت القرارات التي اتخذتها الحكومة المصرية، لخفض العجز في الميزانية وإصلاح منظومة الدعم ، الجدل في صفوف عدد من خبراء الاقتصاد، فالبعض يرى أن رفع الدعم ستكون له عواقب كارثية على الطبقات الفقيرة من المجتمع المصري، ولكن آخرين يطالبون بالإصلاح مهما كان حجم المعاناة، لأن الدولة لن تظل تعتمد على المنح والدعم الخليجي، وأن البلاد لم تعد قادرة على تحمل ترف الدعم.

لعبت الإعانات الحكومية دورا هاما في الاقتصاد المصري منذ نظام الرئيس جمال عبد الناصر، ومنذ ذلك الحين يوجد دعم على السلع الحيوية لتهدئة السخط الداخلي، وكانت محاولات إصلاح الدعم في مصر بمثابة لقاء مع العنف. فعلى سبيل المثال أدت محاولة الرئيس أنور السادات عام 1977 لتحريك أسعار الدعم على العديد من السلع الغذائية، إلى احتجاجات واسعة النطاق، حتى خرجت تظاهرات ما يعرف بأحداث 18 و 19 يناير، والبعض يسميها “انتفاضة الخبز".

وفي عام 2004 حاول الرئيس مبارك إطلاق برنامج الإصلاح في محاولة للتخلص تدريجيا من دعم الطاقة بحلول عام 2014، حيث شملت الإصلاحات زيادات حادة في الأسعار المطبقة على البنزين والسولار، وكذلك زيادة تدريجية في أسعار الكهرباء بنسبة 5 بالمئة سنويا، واتخاذ التدابير اللازمة للحد من النفقات الحكومية وتخفيض العجز إلى 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

شملت الإصلاحات زيادات حادة في الأسعار المطبقة على البنزين والسولار، وكذلك زيادة تدريجية في أسعار الكهرباء بنسبة 5 بالمئة سنويا

وبغض النظر عن الزيادات في الأسعار والاستهلاك المحلي، إلا أن حكومة أحمد نظيف وقتها نجحت في إيجاد زيادة مطردة نتيجة تصاعد نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال نفس الفترة، ولذلك لم يشعر المواطن أو يتأثر كثيرا بأي زيادة أو ارتفاع في الأسعار بشكل كبير، بعد ثورة يناير وصعود جماعة الإخوان المسلمين للحكم حرص الرئيس السابق محمد مرسي على بقاء دعم الطاقة ثابتا منعا لتأليب الشعب ضده.


عجز الموازنة


مع صعود الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم في 2014، لم يجد مفرا من تحريك أسعار الدعم واتخاذ قرارات اقتصادية في غاية الصعوبة، بدأها بالتبرع بنصف راتبه ونصف ثروته، وتفعيل الحد الأقصى للأجور، وتقليل نفقات الحكومة، في محاولة لسد عجز الموازنة التي تجاوز تريليوني جنيه.

في هذا الشأن يقول حمدي عبد العظيم، الخبير الاقتصادي، إن إصلاح الدعم على المحروقات يأتي في طليعة الإصلاح الاقتصادي في مصر، لكنه يرى أن الحكومة أخطأت في توقيت إصدار وتنفيذ هذه القرارات، خاصة وأن شهر رمضان يزيد من أعباء الأسرة في المصروفات، وبالتالي فإن ميزانية الأسرة لا تتحمل زيادة أسعار المواد الغذائية ورفع أسعار الطاقة خلال هذا الشهر.

ويؤكد عبد العظيم أن مصر تنتج حوالي 47 مليون طن من كميات النفط والغاز الطبيعي في السنة، لكن الاستهلاك حوالي 77 مليون طن، مما يؤدي إلى عجز قدره 30 مليون طن، يتم استيراده من الخارج، وتابع، هناك زيادة سنوية في الاستهلاك المحلي نحو منتجات الطاقة، تنقسم إلى وجود زيادة بنسبة 10 بالمئة في استهلاك غاز البترول المسال، وزيادة قدرها 13 بالمئة في استهلاك البنزين، وزيادة بنسبة 6 بالمئة و8 بالمئة في الغاز والوقود على التوالي، ومع الاستهلاك المتزايد لم تعد الدولة في وضع يمكّنها من تلبية الاحتياجات الداخلية، ولن تستطيع مواصلة الاعتماد على الواردات مع تراجع احتياطي النقد الأجنبي وانخفاض قيمة العملة المحلية. ويصف الخبير الاقتصادي أن تحريك أسعار الطاقة “شر لابد منه”، وأمر ضروري لمواجهة الاستهلاك المتزايد في استخدام الطاقة، وتوفير أموال الدعم لإنفاقها على التعليم والصحة وزيادة مرتبات العاملين في الدولة.

تحريك أسعار الطاقة أمر ضروري لمواجهة الاستهلاك المتزايد في استخدام الطاقة، وتوفير أموال الدعم لإنفاقها على التعليم والصحة


دعم الطاقة


يشير رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، إلى أن القطاعات الكهربائية والصناعية هما أكبر مستهلكي الطاقة، على سبيل المثال تستهلك الصناعات كثيفة الطاقة مثل الأسمدة والأسمنت والبتروكيماويات نحو 40 مليون طن سنويا، وبطبيعة الحال هذه المصانع لا يمكن إدراجها ضمن منظومة الدعم، بل يجب رفع الدعم عنها تدريجيا، مع أهمية وضع حوافز اقتصادية أو مالية للحفاظ على ثبات الأسعار، لأن رفع الدعم عن هذه الصناعات تقابله زيادة في الأسعار بشكل مطرد، ويوضح أن استمرار دعم الطاقة أمر معيب، ووفقا للبنك الأفريقي للتنمية في موازنة 2005/2006، كان دعم المنتجات البترولية يكلف الدولة 40 مليار جنيه، بما يعادل 7.2 مليار دولار أميركي، وفي موازنة 2009/2010، ارتفع هذا الرقم إلى 69 مليار جنيه أو 11.9 مليار دولار أميركي، وفي عام 2011/ 2012 بلغ الإنفاق على دعم الطاقة إلى 112 مليار جنيه أو 16 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 40 بالمــئة عن العام المالي الســابق.

وحاليا تتجاوز تكلفة دعم الوقود أكثر من 150 مليار جنيه، مما يكلف الحكومة عبئا ماليا يؤثر على القطاع الخدمي مثل الصحة والتعليم. ويؤكد أن تحرير التجارة أو الأسعار في مصر أمر لا يمكن تحمله، لأن التكلفة الاجتماعية والسياسية المترتبة تصيب الشارع بالسخط ضد الحكومة، لعدم وجود عدالة في التوزيع، وكثيرا ما يقال إن الدعم لا يصل لمستحقيه الفقراء الذين يمثلون 80 بالمئة، في حين أن الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المتبقية لديهم قوة مالية للحصول على السلع الاستهلاكية، ولا تتأثر ميزانيتهم برفع الدعم عن الطاقة أو حتى زيادة الأسعار.

يضيف إبراهيم الشاذلي، الخبير الاقتصادي، أن الأموال التي وفرتها الحكومة جراء تحريك أسعار الطاقة يمكن أن تساهم في مساعدة الفقراء، بشرط إعادة تخصيص هذه الأموال نحو الإنفاق العام، أو إنفاقها على الموارد التي تدر دخلا على الدولة بما يساهم في زيادة النمو على المدى الطويل.

ويؤكد أن الإصلاح الاقتصادي رغم أنه قاس على الفقراء ومحدودي الدخل، إلا أنه يمكن أن يكون مفيدا للأشخاص طالما تنفذ الحكومة برامج طموحة على القطاع الخدمي. وتخوّف الخبير الاقتصادي من ضعف رؤية الحكومة في إطلاق برامج يمكن الاعتماد عليها، لخلق فعالية شبكة الأمان الاجتماعي، لأن الخيارات الأخرى غالبا ما تكون معقدة جدا. وغالبا ما تفتقر الاقتصادات النامية إلى الاستجابة لارتفاع الأسعار، أو استغلال الأموال التي وفرتها الدولة جراء تحريك الأسعار، وبالتالي من المتوقع أن تخرج طوائف الشعب تطالب بزيادة الأجور، واستهلاك هذه الأموال دون فائدة حقيقية على الاقتصاد أو القطاع الخدمي، ولذلك فإن الدولة المصرية سوف تعيش دوامة من التوقعات والاجتماعية السلبية بعد تحريك أسعار الطاقة.

أكبر العوائق التي تحول دون إصلاح الدعم هو عدم استعداد المواطنين لتقبل مثل هذه الإجراءات


إصلاح منظومة الدعم


ما يحدث حاليا من تحريك أسعار الدعم يؤكد، وفق الخبير الاقتصادي ابراهيم الشاذلي، صحة مطالب العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، بضرورة إصلاح منظومة الدعم في مصر؛ لكن الحكومات المتعاقبة منذ يناير 2011 كانت تتخوّف من ردة فعل الشارع، واتخاذ بعض الإصلاحات الرامية إلى الحد من دعم الطاقة، هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تخفيض الدعم، ويجب أن يتم ذلك تدريجيا على مدى السنين وليس الشهور، في نفس الوقت، إذا ما سمحت الحكومة للتجّار بزيادة أسعار السلع الاستهلاكية، عليها أن تسمح بإعادة هيكلة الأجور بصورة مماثلة.

في سياق متصل يؤكد هاني سري الدين، الخبير الاقتصادي، أن أكبر العوائق التي تحول دون إصلاح الدعم، هو عدم استعداد المواطنين لتقبل مثل هذه الإجراءات، لذلك يجب أن تتضمن أية خطة الإصلاح الاقتصادي اتخاذ تدابير بناء الثقة مع الشعب، مع ضرورة تقاسم فوائد الإصلاح.

وشدد على ضرورة أن تكون الحكومة شفافة ولديها سياسة التواصل الجيد، والتفكير مرتين قبل أن تعلن أي قرار، وتدرسه جيدا في تحليل التكاليف والفوائد، وهذا ما يعطي الجمهور شعورا بالمشاركة والملكية.

ويطالب سري الدين الحكومة بتجاهل الاستقطاب السياسي المحتمل بالنسبة إلى الإدارة الحالية، والسير في طريق الإصلاح الاقتصادي، لأنه لا مجال للقروض الدولية أو استمرار المنح الخارجية، أو مواصلة عجز الموازنة، خاصة وأن مصر تنفق أكثر من 4 مليارات دولار سنويا على دعم الغذاء.

ويطالب السيسي بالدخول في حقبة جديدة في تاريخ الدولة المصرية من خلال إطلاق المشاريع الوطنية الكبرى، وبناء اقتصاد عملاق يستند على الصناعات الثقيلة كثيفة العمالة، بما يؤدي إلى استيعاب عدد كبير من الشباب العاطل عن العمل، في هذه المصانع، وبما يعود بالنفع على الإنتاج وعلى تدفق الاستثمارات الخارجية.

ويشير إلى أن تحريك أسعار الدعم تعطي صورة للمستثمر الخارجي أن الدولة في طريقها نحو الإصلاح الاقتصادي، وهو ما يعطي أفضلية أمام السيسي باتخاذ تدابير جيدة لإنفاق الأموال التي وفرتها الحكومة على تطوير المنظومة الخدمية.

6