مصر تتجاوز عقدة سد النهضة وتعترف به أمرا واقعا

أثارت تصريحات رسمية مصرية بخصوص سد النهضة استغراب المتابعين، المصريين والدوليين، فقد جاءت مناقضة لما كان يسوّق من رفض قاطع لبناء السد الذي يشكل تهديدات جديّة للأمن المائي والقومي المصري، في خطوة يقول خبراء إنها تعكس توجه مصر نحو التسليم بسياسة الأمر الواقع في خلافها مع إثيوبيا حول سد النهضة وضرورة التعامل مع آثاره بواقعية، وهي السياسة الأصح في هذا الملف وفي ظل الظروف الراهنة.
الجمعة 2016/08/05
أمر واقع

أديس أبابا - يتطلب الوصول من القاهرة إلى موقع بناء سد النهضة الإثيوبي أو سد “هداسي جاديب” كما يحب السكان المحليون أن يطلقوا عليه في منطقة جوبا في محافظة بني شنقول الحدودية مع السودان، عشر ساعات كاملة، منها خمس بالطائرة إلى أديس أبابا، وخمس أخرى بسيارات الدفع الرباعي للوصول إلى الموقع، وهي الفترة الزمنية التي قضاها أول وفد إعلامي مصري يزور موقع سد النهضة دون خطوط حمراء.

تأتي الزيارة ضمن دورة نظمها المعهد السويدي للمياه التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للتنمية. وسمح فيها بالتقاط الصور والفيديوهات ولقاء المسؤولين في السد والحديث مع العاملين الذين يجيد بعضهم العربية والإنكليزية.

وسمح أيضا بالمبيت لليلة واحدة وتناول الطعام في مطعم العمال والمهندسين أمام السد، بما يعدّ تغيرا كبيرا في الموقف الإثيوبي تجاه مصر والثقة في الإعلام كإحدى أدوات نقل الصورة كاملة.

وتجوّلت “العرب” في موقع السد وبحيرة التخزين، (الخزان الرئيسي) والسد التكميلي (المفيض) بعد أن وصل حجم الإنشاءات إلى ما يقارب 55 بالمئة، وحاولت نقل الانطباعات والتقديرات والحوارات. ويستمر العمل في الموقع على مدار 24 ساعة. ويشارك حوالي 11 ألف عامل في أعمال التنفيذ، إضافة إلى 300 خبير ومهندس.

وقال سمانيو بكالا، مدير مشروع سد النهضة الإثيوبي، إنه تم حتى الآن استخدام 10.2 مليون متر مكعب من الخرسانة في بناء جسم السد. وأكد في تصريحاته لـ “العرب” أن إثيوبيا لا يمكنها أن تحتفظ بمياه نهر النيل خلف السد، لأن أي كمية تزيد على الخزان – بشكل طبيعي- سوف تغطي جسم السد، كما أن الاحتفاظ بالمياه غير مجد اقتصاديا.

ونفى المسؤول الإثيوبي وجود تصريحات لمسؤولين إثيوبيين حول الاحتفاظ بالمياه خلف السد أو بدء أعمال التخزين بالبحيرة خلال موسم الفيضان الحالي، مؤكدا أن توربينات توليد الكهرباء في السد لن تستهلك مياه النيل، ولن تحول دون تدفقها لدولتي المصب مصر والسودان.

وأوضح أن تصميمات السد ليست قائمة على فكرة استهلاك المياه، مطالبا الإعلاميين بتحري الدقة واستقاء المعلومة من المتخصصين عند تناول قضايا المياه، حتى ينقلوا الصورة الصحيحة ويشرحوا ما يتم حقيقة في موقع البناء.

وقال إن الطبيعة الطبوغرافية حول جسم السد كلها مناطق جبلية ويصعب زراعتها بمياه السد أو القيام بأي نشاط آخر يستهلك المياه، وبلاده قامت بتنفيذ توصيات اللجنة الدولية لسد النهضة والالتزام بالمعايير الفنية الخاصة التي جاءت بالدراسات، لبناء الثقة بين الحكومات والفائدة من السد سوف تعود أيضا على دولتي المصب.

وقال سامح شكري وزير الخارجية المصري في تصريح أدلى به مؤخرا،”لا يمكن أن ندفن رؤوسنا في الرمال وننكر وجود سد النهضة، وعلينا أن نتعامل معه ونتجنب أضراره”.

ويؤيد مراقبون فكرة أنه بات على القاهرة أن تتبع سياسة مختلفة تجاه سد النهضة، بعد أن أصبح أمرا واقعا، خاصة أن القضية أكبر من إثيوبيا، وما يتعلق بالبواطن لا يخص دولة واحدة، وما يحدث في سياسة مياه النيل يقع خارج حدود دوله.

سامح شكري: لا يمكن أن ندفن رؤوسنا في الرمال وننكر وجود سد النهضة

نهضة إثيوبيا

يعتبر الإثيوبيون سد النهضة حجر زاوية رئيسي في نهضة بلدهم، وليس فقط لتوليد الكهرباء، لكنه أحد العوامل الرئيسية في استعادة اصطفاف البلاد حول هدف واحد لم يحدث منذ زمن بعيد؛ وهو إعادة مجد إمبراطورية الحبشة القديمة من خلال نهضة اقتصادية حديثة، ولهذا يدعمه الشعب، ماليا ودبلوماسيا ومعنويا في سائر أنحاء البلاد وخارجها، وقد يرجع إليه الفضل في وقف هروب الآلاف من البلاد كل عام عبر الحدود نحو مصير مجهول، أو طلبا للجوء إلى أوروبا وأميركا.

ويرى زيرهون ميجريسا جيما، الدبلوماسي في وزارة الخارجية الإثيوبية، أن بلاده نجت في بناء السد من خلال اتباع طريقة العدّائين الإثيوبيين في سباقات المسافات الطويلة، وخاصة يوفتر أحد أشهر العدائين الأولمبيين باعتبار أنه كان يلجأ إلى أسلوب تغيير خطواته خلال السباق حين يفاجئ منافسيه بالانطلاق مرة واحدة ثم يصل إلى خط النهاية ويحصد الميداليات، وهو ما فعلته أديس أبابا مع القاهرة. بمعنى أنها سابقت الزمن للانتهاء من السد ولم تلتفت إلى نداءات القاهرة لوقف البناء، بل إنها بدأت أيضا في إيصال شبكات توليد الكهرباء إلى الشبكة الرئيسية الإثيوبية لتصدير الكهرباء خارج البلاد.

وأكد الدبلوماسي الإثيوبي أن “سد النهضة العظيم” كما يصفه الشعب الإثيوبي غيّر قواعد اللعبة في السياسة المائية في حوض النيل، واتبعت أديس أبابا تكتيكا ناجحا في بناء السد، وهو ما دفع مصر -وقبلها السودان- إلى تغيير سياستها تجاه السد وتجاه العلاقات مع إثيوبيا، وهو ما أدى إلى إعلان المبادئ العشرة في مارس 2015.

الإخطار المسبق

اعترض المهندس جيدوبن أصفاو، رئيس اللجنة الفنية الوطنية الإثيوبية لبناء سد النهضة، على فكرة الإخطار المسبق لتشييد السدود، الموجودة في الاتفاقيات التي وقعت عليها إثيوبيا مع كل من مصر والسودان.

وقال إن اتفاقيات حوض النيل لم يكن واردا فيها بند يلزم إثيوبيا بالإخطار المسبق، ولا يمكن لدولة تقوم ببناء سد داخل حدودها أن تخطر دولة أخرى بما تفعل لأن هذا حق أصيل من حقوق السيادة الوطنية، مؤكدا أنه لا يمكن الحصول على إذن من مصر لبناء سد إثيوبي، وتساءل هل القاهرة أخطرت أديس أبابا عندما قامت ببناء السد العالي؟

على القاهرة أن تتبع سياسة مختلفة تجاه سد النهضة خاصة أن القضية أكبر من إثيوبيا

وأضاف أن إعلان المبادئ العشرة في الخرطوم الذي وقع العام الماضي غير ملزم قانونيا، لكن توقيع الزعماء (رئيس كل من مصر والسودان ورئيس وزراء إثيوبيا) عليه أضاف إليه صبغة إلزامية، وليتحول إعلان المبادئ إلى معاهدة ملزمة لابد للبرلمانات في الدول الثلاث أن تقر به وتصدق عليه كل دولة على حدة، وهو ما يستغرق وقتا طويلا نتيجة الإجراءات المحلية للتصديق.

لكن أبوبكر حفني، السفير المصري في إثيوبيا، أكد أن توقيع مصر وإثيوبيا والسودان على إعلان المبادئ في الخرطوم في مارس 2015 مهد الطريق أمام بداية جديدة من التعاون، إذ لم يعد نهر النيل مصدرا للنزاع، بل صار دافعا لإعلاء مصالح المواطنين نحو آفاق جديدة.

وأوضح جيدوبن أصفاو أن هناك تغيرا كبيرا في موقف مصر الحالي من بناء السد، مؤكدا أن الأمر يحتاج إلى القليل من الوقت لشرح حقيقة السد للشعوب في حوض النيل الشرقي وتوضيح ما الذي يحدث على الأرض، مشيرا إلى أن هناك اتفاقا بين الدول الثلاث على التعاون والتواصل باعتبارهما الخيار الاستراتيجي الوحيد للخروج من أي خلاف.

وقالت عزيب أسناك، رئيسة هيئة كهرباء إثيوبيا، إنه قد تم الانتهاء من تركيبات محولات توزيع الطاقة في منطقة السد، من بينها تركيب خط تحويل الـ 500 كيلو فولت والممتد من السد حتى محطتي داديسا وهوليتا، وينقل الكهرباء إلى الشبكة القومية للكهرباء الإثيوبية وبتكلفة مليار و200 مليون دولار بدعم من بنك الحكومة الصينية، ويمتد هذا الخط بطول 619 كم.

وتخطط الحكومة الإثيوبية لربط جميع أنحاء البلاد بالشبكة الكهربائية قبل الانتهاء من بناء السد وبعدها ربط كهرباء السد بدولتي السودان وجنوب السودان. وأكدت عزيب أن مياه نهر النيل بدأت تمر عبر القنوات الأربع تحت بناء السد من ديسمبر الماضي – فتحة المجرى الأصلي- إلى حين اكتمال بناء السد.

وكشف سيف الدين عبدالله، رئيس اللجنة الفنية الوطنية السوداني خلال جلسة نقاشية، أن المكتب الفني قد ينهي دراساته بعد 11 شهرا من توقيع العقد، حيث أن 55 بالمئة من الإنشاءات اكتملت، ومن المحتمل أن ينتهي البناء في نهاية 2017 أو قبل هذا الموعد، لكن تركيب التوربينات قد يتطلّب بعض الوقت.

وَأوضح سيف الدين، وهو وزير الموارد المائية والري الأسبق ورئيس الوفد السوداني في مفاوضات السد، أن موقف بلاده من تأييد إقامة السد جاء بعد إجراء العديد من الدراسات المحلية والتي وضعت في الاعتبار الآلاف من السيناريوهات، وبعد مراجعة دقيقة للمستجدات والبيانات والتصميمات والأبعاد ومدى تأثيرها على بلاده بعد 25 عاما.

رغم إشارة العديد من الأوساط السياسية ومعاهد الأبحاث الإستراتيجية ووسائل الإعلام إلى عدم استبعاد قيام حرب بين مصر وإثيوبيا، بسبب النزاع على مياه النيل، فإن مصادر مصرية استبعدت هذا الاحتمال، وأكدت أن مصلحة القاهرة تكمن في التعاون مع أديس أبابا، ومصر تريد العودة إلى أفريقيا بقوة باعتبارها حديقتها الخلفية.

7