مصر تتجرع الدواء الاقتصادي المر في قرض صندوق النقد

لا يزال الجدل يتصاعد في مصر بشأن قرض صندوق النقد الدولي، الذي أصبح طوق النجاة الأخير من الإفلاس المالي في محاولة للحصول على شهادة ثقة لطمأنة المستثمرين. ويتمحور الجدل حول كون القرض سيلزم القاهرة على المضي في طريق الإصلاح تحت رقابة صارمة لإصلاح الخلل الهيكلي في موازنة البلاد.
الخميس 2016/08/18
ركود مطبق

القاهرة - يجمع الخبراء على أن قرض صندوق النقد الدولي، يمثل مرحلة جديدة في تاريخ مصر، لأنه يمثل رضوخا لإملاءات الرقيب الدولي على سياسات إصلاح الاقتصاد، بعد اقتراب البلاد من الإفلاس نتيجة الخلل المتواصل في الموازنة العامة للدولة.

وتفاقمت الأزمة خلال العقود الماضية بسبب إحجام الحكومات عن إصلاح الخلل خوفا من تصاعد الغضب الشعبي، وتكرار الانتفاضات، التي تذكر بما حدث في ثورة الخبز عام 1977 حين طبقت الحكومة توصيات صندوق النقد، ورفعت أسعار السلع الأساسية.

وقد تراجع حينها الرئيس أنور السادات عن تلك القرارات بعد تفجر احتجاجات عارمة. وبدأ الدعم يثقل كاهل الموازنة العامة للدولة منذ ذلك الحين، لتتراكم التشوهات على الهياكل المالية للاقتصاد، حيث يذهب معظم الدعم إلى غير مستحقيه من الأغنياء.

وتفاقمت موازنات الدعم الحكومي على مدى عقود لتبلغ نحو 24 مليار دولار في موازنة العام الحالي، ما يعادل 22.5 بالمئة من حجم الإنفاق الكلي. ووصلت التشوهات إلى تهريب الكثير من السلع المدعومة إلى الخارج.

وأدى الدعم الكبير للطاقة خلال العقدين الماضيين، إلى إقبال الشركات العالمية على إنشاء المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة بمصر، مثل الأسمنت والأسمدة، وهو ما مثل نزيفا في موازنات دعم الطاقة.

48 مليار دولار ديون مصر الخارجية حاليا وهي يمكن أن تتضاعف في الأشهر المقبلة

ويرى خبراء أن موافقة صندوق النقد على القرض، يمكن أن يكون بمثابة طوق نجاه حقيقي لإنقاذ الاقتصاد من ذلك الخلل المزمن، لأنه يضع الاقتصاد تحت مراقبة دورية صارمة لإصلاح الخلل المالي في موازنتها.

وكان كريس جارفيس رئيس بعثة الصندوق قد أكد لـ”العرب” في مقر الصندوق بواشنطن أن الصندوق “لم يمل أي شروط على مصر، وإن القاهرة تسعى لإصلاح الخلل المالي في موازنتها”.

ويهدف البرنامج المصري إلى تحسين عمل أسواق النقد الأجنبي، وتخفيض عجز الموازنة والديون، وزيادة معدل النمو، ويتضمن، ويمثل الحماية الاجتماعية لمحدودي الدخل حجر زاوية في هذا البرنامج.

وتبلغ قيمة القرض 12 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات. ورجح الصندوق أن ينخفض الدين العام خلالها من 98 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 88 بالمئة.

وقال شريف دلاور، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا بالإسكندرية، إن ثورة يناير 2011 كانت ترفع شعار “عيش..حرية.. عدالة اجتماعية”، أي أنها تتعلق بالاقتصاد الذي كان يسير في اتجاه سيء وأن ثمار النمو كانت للأغنياء فقط.

وأوضح لـ”العرب” أن مصر شهدت مثل هذا الوضع عام 1991، ولولا الثمن الذي حصلت عليه مقابل مشاركتها في حرب تحرير الكويت، مثل إسقاط أغلب ديونها، لكانت قد أعلنت إفلاسها.

شريف دلاور: قطاع الصناعة استهلاكي وهش وثورة 25 يناير كشفت عورات الاقتصاد المصري

وتصل ديون مصر الخارجية حاليا إلى نحو 48 مليار دولار، ويمكن أن تصل إلى 100 مليار دولار، بإضافة القروض الأخرى وقرض الصندوق وتمويل محطة الضبعة النووية بنحو 25 مليار دولار، إلى جانب السندات الدولارية التي ستطرحها خلال الأشهر المقبلة.

وأضاف شريف دلاور أن عورة الاقتصاد المصري انكشفت بعد ثورة يناير 2011، لأنه اقتصاد استهلاكي جاذب للصناعات الهشة مثل مصانع الشيكولاتة ورقائق البطاطس، وليس قائما على قواعد صناعية رصينة تعزز نموه وتعمل على توليد وظائف للشباب.

وأنقذت المساعدات الخليجية الاقتصاد المصري من الوقوع في خندق الإفلاس ووصل إجمالي حجم المساعدات لمصر منذ 2011 إلى نحو 23 مليار دولار. ووجهت للإنفاق الاستهلاكي وتمويل الواردات، وهو ما قلل من تأثيرها.

ومع أن برنامج الإصلاح، الذي شهد له صندوق النقد، يستهدف خفض عجز الموازنة عبر زيادة الإيرادات وترشيد الإنفاق ومنح الأولوية للقطاعات الحيوية، مثل البنية التحتية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، إلا أن هناك من يعارضه.

وأعلن جودة عبدالخالق، وزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، ورئيس اللجنة الاقتصادية بحزب التجمع اليساري رفضه التام لقرض الصندوق.

وقال لـ”العرب” إن مشكلة الاقتصاد تتلخص في الصدمات الخارجية التي تلقاها مؤخرا، من انخفاض إيرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وتباطؤ النمو، ونتيجة لسوء إدارة الحكومة للاقتصاد.

وطرح برنامجا بديلا للتمويل الذاتي، يبدأ من إعلان حالة اقتصاد حرب يتزامن معه برنامج للتقشف، وإعادة النظر في المشروعات الكبرى مثل العاصمة الإدارية الجديدة المزمع إقامتها على تخوم القاهرة.

وتضمنت رؤيته إعادة النظر في الإنفاق الحكومي وسفر المسؤولين وتشغيل المصانع المعطلة، وتطبيق الضريبة التصاعدية، بدلا من ضريبة القيمة المضافة، ومحاربة الفساد ووضع سقف معلن للدين العام.

10