مصر تتجند لمنع زحف الغش الإلكتروني في الامتحانات

مع بدء العد التنازلي لامتحانات نهاية العام الدراسي قرّرت وزارة التعليم المصرية مواجهة ظاهرة الغش الإلكتروني التي انتشرت بقوة في السنوات الأخيرة، عبر تطبيق نصيحة الشاعر العباسي أبونواس “وداوها بالتي كانت هي الداء”، حيث تعاقدت الوزارة مع شركة متخصصة في التكنولوجيا للمساعدة في مكافحة استخدام الطلبة للوسائل الإلكترونية في الغش خلال الامتحانات.
الجمعة 2015/05/15
وزارة التربية والتعليم وجدت نفسها عاجزة أمام مسايرة التطور المطرد في عالم الغش

ظاهرة الغش من أكثر الظواهر السلبية التي تخيم بظلالها الرمادية على المناخ التعليمي في مصر، خاصة بعد أن امتدت من امتحانات الثانوية العامة إلى الأطفال في المرحلة الابتدائية، وأصبحت تهدد بالتحوّل إلى ثقافة لدى الأجيال الجديدة.

وتمثل الظاهرة مصدرا لقلق المعلمين والتربويين، بسبب التطوّر الذي تشهده بشكل متسارع، فبعد انتشار ظاهرة تسريب الامتحانات قبل موعدها، ثم اقتحام أولياء أمور اللجان لتسهيل غش أبنائهم، خاصة في محافظات الصعيد البعيدة عن الرقابة نسبيا، وصل قطار الغش إلى استخدام الطلبة لوسائل التكنولوجيا الحديثة داخل لجان الامتحـانات.

وفي إجراء يعتبر الأول من نوعه في تاريخ العملية التعليمية بمصر، تعاقدت وزارة التعليم مع إحدى أكبر شركات التكنولوجيا الصينية، لوقف استخدام الطلاب للتكنولوجيا داخل اللجان، وأهمها الهاتف المحمول الذي يستخدمه الطالب لتصوير ورقة الأسئلة، ثم إرسالها إلى آخرين خارج اللجنة، عبر “واتس آب” أو “تويتر” أو “فيسبوك” لإعداد الإجابات النموذجية عليها ثم إعادة إرسالها للطالب عبر قنوات التواصل نفسها.

محب الرافعي، وزير التربية والتعليم المصري، اعترف في تصريح خاص لـ”العرب”، أن إنهاء المشكلة بنسبة 100 بالمئة أمر صعب، مبررا ذلك بالقول "طرق الغش كثيرة، وكل يوم نكتشف وسيلة جديدة في ظل التقدم التكنولوجي، لكننا نحاول تقليل حدة الغش بقدر المستطاع".

بعض الطلبة في مصر يستخدمون طرقا متعددة للغش، أهمها الهاتف المحمول وسماعات الأذن متناهية الصغر بلون الجسد، والحاسبات الآلية الصغيرة المستخدمة في حلّ مسائل الرياضيات، والكتابة بحبر سري لا يظهر إلا بعد وضع قليل من الماء عليها، وهناك أيضا طباعة المعلومات على ورق شفاف وملفوف يوضع في أقلام مخصصة، بحيث يمكن فتح الورقة الملفوفة بسحبها من باطن القلم بطريقة مبتكرة.

نظارات التجسس أحدث صيحات عالم الغش، والمطالبة بإغلاق مواقع التواصل خلال الامتحانات تواجه الخوف من التعويضات

كما ظهرت طريقة مبتكرة للغش مؤخرا، وهي عبارة عن نظارات طبية يستخدمها البعض للغش في الامتحانات، تتكوّن من عدسات في منتصفها كاميرا فيديو لا يمكن رؤيتها بسهولة، وفي نهاية النظارة قرب الأذن توجد سماعة لاسلكية متناهية الصغر، وعندما يقرأ الطالب السؤال تنقل الكاميرا ما يقرأه إلى شخص خارج لجنة الامتحان، فيقوم بالبحث عن إجابة الأسئلة، ثمّ يلقنها للطالب عبر سماعة الأذن المثبتة في النظارة.

أوضح الرافعي لـذات المصدر أنّ الوزارة قرّرت منع دخول الهواتف المحمولة بشكل نهائي مع الطلاب أو مراقبي اللجان، وفي حال عدم التزام الطالب سيتم إلغاء الامتحان فورا، مع منع استخدام الحاسبات الآلية أو ارتداء النظارات غير الطبية، والتشديد على الإجابة بأقلام معينة، لكن المشكلة أن بعض الطلبة يقوم بتسليم الهاتف المحمول للمراقب قبل بدء الامتحان، ونكتشف فيما بعد أنه يخفي ثلاثة أو أربعة هواتف أخرى داخل ملابسه.

وزير التربية والتعليم لا يبدو أنه ينوي الاستسلام في معركته مع الغش، فقد كشف لـ”العرب” أنه أمر باستيراد عصا إلكترونية تشبه تلك التي تستخدمها الأجهزة الأمنية للتعرّف على المعادن، وذلك لكشف الهواتف المحمولة في ملابس الطلبة قبل دخول لجان الامتحانات، وسيتم تمرير العصا على جسد الطالب لكشف وجود هواتف محمولة أو وسائل للغش أم لا.

في المقابل قام الغشاشون بتصعيد تحديهم لإجراءات الوزارة، فهدد بعضهم عبر عدد من أشهر صفحات الغش مثل “شاومينج للغش”، “برضه هنغش”، “غشاشون فدائيون”، “غشاشون ضدّ الحكومة”، على مواقع التواصل الاجتماعي بتسريب الامتحانات قبل موعدها مهما اتخذت الحكومة من إجراءات احترازية، متعهّدين بمساعدة الطلبة وتسهيل إرسال الإجابات إليهم داخل اللجان.

محب الرافعي لـ"العرب": التقدم التكنولوجي جعل من الصعب القضاء على الغش

التعاون بين مشرفي هذه الصفحات وآلاف الطلبة المشتركين فيها يتم خلال الامتحانات ذاتها، فيقوم الطالب الراغب في الغش بتصوير ورقة الأسئلة وإرسالها للصفحة التي تقوم بدورها بحل الامتحان ونشر الإجابة ليستفيد منها باقي المشتركين، بعد نجاحهم في تمرير الهواتف المحمولة داخل ملابسهم، وقد شهد الموسم الدراسي الماضي حالات كثيرة استدعت لجوء البعض إلى القضاء، لا سيما الطلبة الملتزمون الذين تضرّروا من الغش وحصول آخرين على مجاميع لا يستحقّونها ودون مجهود طيلة العام الدراسي.

محمد سعد، مدير عام الامتحانات بوزارة التربية والتعليم، قال لـ”العرب”: مع اقتراب موعد الامتحانات لجأت الوزارة إلى عقد تحالف ثنائي مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بهدف غلق جميع صفحات الغش على مواقع التواصل الاجتماعي، وتسهيل ضبط الطلبة حاملي الهواتف المحمولة داخل اللجان، وتكليف جهاز مكافحة جرائم الإنترنت بوزارة الداخلية لسرعة غلق صفحات الغش على الإنترنت وضبط أصحابها.

وأضاف سعد أن أي إجابات متشابهة ومتطابقة لأكثر من طالب سيتم إلغاؤها، لأنها بالتأكيد جاءت عن طريق الغش، مؤكدا أن الوزارة أجبرت أولياء أمور الطلبة على منع أبنائهم من اصطحاب وسائل تكنولوجية في الامتحان، وتم إبلاغهم بأن عدم تنفيذ هذه التعليمات يعني إلغاء الامتحان.

ووفقا للإحصائيات الرسمية، فإن 19 مليون طالب يستعدون الآن لأداء امتحانات آخر العام في مختلف مراحل التعليم ما قبل الجامعي، من بينهم خمسمائة ألف طالب في الثانوية العامة.

وفيما خرجت آراء تطالب بإصدار قرار حكومي لغلق مواقع التواصل الاجتماعي أثناء توقيت الامتحان (من الساعة التاسعة صباحا إلى الثانية عشرة ظهرا)، استبعد اللواء عمرو الدسوقي، مدير أمن وزارة التعليم، لـ”العرب” هذا الإجراء حتى لا تلجأ مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بتعويض مادي ضخم من الحكومة المصرية.

وتبنت وزارة التعليم حملة موسعة للتعريف بمخاطر الغش في الامتحان، ولجأت إلى دار الإفتاء المصرية، التي أقرت بأن الغش في الامتحانات محرم بل من كبائر الذنوب، لا سيما أنه تترتب عليه أشياء في المستقبل، أهمها فساد الراتب والمَرْتبة وغير ذلك مما هو مقرون بالنجاح عبر الغش.

20