مصر تتحدث عن "فلول الوطني"

الاثنين 2014/08/18

المراقب لما يجري في مصر هذه الأيام سيلاحظ، على الفور، أن هناك عملية غسيل سياسي تتم لرموز الحزب الوطنى (المنحل)، الذي حكم البلاد أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك، تبدأ من قاعة المحكمة التي يحاكم أمامها مبارك نفسه وعدد من أبرز المسؤولين في عصره، إلى الفضائيات التي يتعمد بعضها بث لقطات مؤثرة وخطب رنانة، ومرورا بتحركات سياسية واقتصادية على الأرض، هدفها إعادة الاعتبار لمبارك ومعاونيه.

المدخل الذي استخدمه هؤلاء في عملية الغسيل السياسي هو كيل الاتهامات لثورة 25 يناير 2011 وما تلاها من تطورات درامية أفضت إلى إجبار مبارك على التنحي وترك منصبه، وتصويرها على أنها مؤامرة من صنع الإخوان والأميركان، وإذا كان ما حدث بمثابة “مؤامرة مكتملة” فعلام يحاسب مبارك وبعض معاونيه وولديه؟

الدراما التي حفلت بها قاعة محكمة الجنايات التي يقف أمامها مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي وستة من مساعديه، بتهمة قتل المتظاهرين، أحدثت ردود فعل قوية في الشارع المصري، وأصابت قطاعات كبيرة فيه بالدوار، وجعلت الجميع يتساءلون، هل 25 يناير ثورة أم مؤامرة؟

مع أن أوراقا رسمية في الدولة، مثل الدستور ووثيقة تسليم السلطة، ناهيك عن كلمات حاسمة صدرت عن الرئيس عبدالفتاح السيسي، حسمت الأمر وأكدت أنها ثورة، إلا أن حيل المحامي فريد الديب، والكلمات الجيّاشة التي خرجت من مبارك والعادلي تحديدا، أدت إلى تشكيك كثيرين في هذه المسألة، ودفعت بعضهم إلى مراجعة مواقفهم، بل والميل ناحية الاقتناع بأنها مؤامرة.

وبصرف النظر عمّا يحمله هذا الاستنتاج من تناقض واضح مع الوثائق والتصريحات الرسمية، فإنه أصاب الهدف، حيث أفضى إلى أن يتحدث المصريون عن فلول الحزب الوطني بقدر من المظلومية المشوبة بالاحترام.

التأثير الإيجابي السابق أشعل الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، وبدأت فئات مختلفة من المصريين تقاومه بالصوت والصورة والكلمات المكتوبة، وجرى بث مشاهد، وإعادة نشر موضوعات سلبية، تؤكد حجم الفساد الذي ارتكبه عدد كبير من فلول الحزب الوطني، وتذكّر بالجرائم السياسية والاقتصادية والجنائية التي جرت في عصر مبارك، وتكرار اعترافات لمسؤولين كبار تشير إلى أن ثورة يناير ثورة بامتياز، لكن خطفها الإخوان، لأن الجماعة كانت سياسيا أكثر جاهزية.

الحملة المنظمة التي بدأت في المحكمة لتبرئة مبارك ومساعديه، انتقلت بسرعة خارجها، ووجدت لها مؤيدين سياسيين، وتلقفها البعض كأنها حبل إنقاذ، وبدلا من أن يتحدث الناس عن وباء الإخوان، الذي عاد يظهر في شكل قطع طرق وحرق إطارات سيارات وطلقات رصاص عشوائية، بدأوا يتحدثون عن مهرجان البراءة المتوقع لفلول الوطني، خاصة وأن هذا التطور تزامن (الأسبوع الماضي) مع الإفراج عن واحد من أهم رموز الوطني المنحل، وهو المهندس أحمد عز، أمين التنظيم السابق في الحزب.

البسطاء من المصريين تأثروا عاطفيا بما دار في قاعة المحكمة، وعزفت كتيبة إعلامية، لا تزال تدور في فلك مبارك وأعوانه، مقطوعة جنائزية، عمادها أن الرئيس الأسبق قدم تضحيات كبيرة لمصر، في حين يحاول الإخوان تدمير وتخريب البلد، بالتالي يجب التركيز على الجماعة كعدو والتعامل مع الفلول كوطنيين حقيقيين، بعد أن تكبدوا خسائر لا تقدر بثمن، بسبب مؤامرة إخوانية، وأقل شيء يقدم لهم أن يعاد الاعتبار لرئيسهم، وحصوله على براءة شعبية، قد تكون مقدمة منطقية لنيل براءة قانونية، وفي هذه الحالة يتم تبييض وجه نظام مبارك وفلوله، وخطورة هذه المعركة التي أضحت تشغل بال المصريين، تكمن في ثلاث زوايا رئيسية:

الأولى، تزيد الانقسام والتفسخ داخل المجتمع المصري، وتجعل فلول الوطني رقما مهما في المعادلة السياسية الراهنة، بعد أن تواروا من الذاكرة على مدار أكثر من ثلاث سنوات، وانحصرت المعركة مع الإخوان والمتشدّدين، وظهور هؤلاء كطرف في هذا التوقيت يمنح الجماعة ورقة سياسية تحارب بها النظام، لكن وضع الفلول في مواجهة الإخوان، والعكس، قد يفضي في النهاية إلى القضاء عليهما معا، وهذا هو السبب الوحيد الذي يفسر صبر الحكومة المصرية على تحمل الخطاب المتغطرس للفلول.

الثانية، احتدام المعركة بصورة تثير الالتباس، يفرض على الرئيس عبدالفتاح السيسي التحرك عمليا لتأكيد كلامه أنه «لا عودة لما قبل 25 يناير 2011»، فعليه أن يتخذ إجراءات تثبت أن الفلول لن يعودوا مرة أخرى لاحتلال مواقعهم السابقة، فقد أدى تجاهل انتشارهم إعلاميا ورواجهم سياسيا إلى إثارة المزيد من الشكوك في نوايا الرئيس نفسه، لذلك أعتقد أن الأيام المقبلة سوف تكون حاسمة، لجهة كبح جماح الفلول.

الثالثة، نتيجة الحكم على “مبارك” في قضية قتل المتظاهرين، الشهر المقبل، فالبراءة ستتحول إلى صك لمزيد من تقدم الفلول نحو صدارة المشهد السياسي، خاصة أن هناك عددا كبيرا من رموز الحزب الوطني السابقين يعتبرون الانتخابات البرلمانية القادمة معركة مصيرية، والإدانة قضائيا يمكن أن تقضي على الحجج التي قدمت بأن 25 يناير مؤامرة، وتعيد رموز الوطني إلى جحورهم مرة أخرى، وسوف يواصل المصريون حديثهم عن الفلول، ليلا نهارا، كأنقياء وأشرار، حتى موعد النطق بالحكم على الرئيس الأسبق حسني مبارك.


كاتب مصري

9