مصر تتخلى عن السرية في علاقتها بسوريا بعد حدوث تغييرات إقليمية

أول لقاء سياسي يكسر جمود العلاقات المصرية - السورية جمع وزير خارجية مصر سامح شكري ونظيره السوري فيصل المقداد.
الأحد 2021/09/26
شكري يدشن التعامل العلني مع دمشق

القاهرة - تخلت مصر عن السرية التي صبغت علاقتها مع النظام السوري في السنوات الماضية عقب حدوث تغيرات نسبية في المشهد الإقليمي، وكانت العلاقات ذات طابع أمني ولم تكن تفاصيلها معروفة، وتم تدشين أول لقاء سياسي علني بينهما الجمعة بعقد اجتماع بين وزير خارجيتها سامح شكري ونظيره السوري فيصل المقداد.

ويؤكد المكان والزمان والتعليقات الرسمية أن الحذر السياسي لا يزال مستمرا، وبدا الاجتماع كأنه رسالة لجس النبض حيال التعامل مع النظام السوري، فانعقاده في مقر البعثة المصرية في نيويورك يوحي بأن القاهرة مستعدة للانفتاح على دمشق.

ويشير حدوثه على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك إلى التخفيف من وقع تداعياته السياسية السلبية، حيث يحمل معنى ضمنيا بعدم التخلي عن الضوابط الدولية وأن أي انفتاح على دمشق لا يعني تطبيعا كاملا للعلاقات معها.

وخلت وسائل الإعلام المصرية من الإشارة إلى اللقاء عقب حدوثه، والذي عقد بعد عشر سنوات من القطيعة السياسية التي تلت الثورة على النظام السوري، ما يؤكد أن هناك رسالة مصرية من عدم التركيز عليه، أو رغبة في عدم تضخيمه حاليا.

وقال المتحدث باسم الخارجية المصرية أحمد حافظ في تغريدة على تويتر الجمعة “إن الوزيرين بحثا على هامش مشاركتهما في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبل إنهاء الأزمة في سوريا”، من دون تقديم تفاصيل.

وجرى تفسير هذه الصيغة بأن القاهرة لا ترمي من عقد اللقاء إلى تطوير علاقاتها على المستوى الثاني مع دمشق، وكل ما يهمها المساهمة في حل أزمة إقليمية مستعصية.

واتبعت دمشق المنهج المقتضب نفسه ما يعني أن هناك اتفاقا بين الجانبين على خفض منسوب المحتوى السياسي الذي يرشد إليه لقاء نيويورك، إذ أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) بأن المقداد “أكد على أهمية العلاقات بين البلدين الشقيقين وخاصة في ظل الروابط التاريخية التي تجمعهما”.

وأضافت أن المقداد “عرض التطورات المتصلة بالأزمة في سوريا وأهمية تضافر كل الجهود لحلها واحترام سيادة سوريا ووحدة وسلامة أراضيها”.

ويعبر اللقاء عن فهم مصري لما يجري من تغيرات في المشهد الإقليمي، فلم يعد النظام السوري منبوذا من قوى عديدة، ولم تعد ورقة المعارضة رائجة، ويكاد الضجيج حولها يختفي، وعدلت بعض الدول العربية مواقفها السياسية من دمشق، بما جعل القاهرة تتخلى عن توازناتها السابقة التي فضلت أن تظل علاقتها بالنظام السوري أمنية وفي نطاق محكم من السرية، ولم تغلق أبوابها أمام قوى في المعارضة.

مصطفى السعيد: توصيل الغاز المصري إلى لبنان يغري الجانبين بتدشين علاقات علنية

ويقول مراقبون إن مصر لم تكن بعيدة عن الأزمة السورية ولديها مواقف وتصريحات ثابتة للحفاظ على وحدة الدولة ولم تتخل عن ذلك في أحلك الفترات صعوبة، لكن ظروفها الصعبة حالت دون قيامها بدور مؤثر، حيث تزامن التدهور في سوريا مع تحديات داخلية وخارجية كبيرة في مصر فرضت عليها الإنزواء.

ويشير المراقبون إلى أن التقارب الحاصل بين مصر وتركيا يمكن أن يكون أحد العناصر التي تجعل الأولى قاسما مشتركا للبحث عن تفاهمات مع سوريا، فقد نزعت القاهرة في منتصف التسعينات فتيل واحدة من الأزمات بين أنقرة ودمشق التي كادت تتطور إلى حرب بينهما.

وبدأت القاهرة تختبر طبيعة التراجع الحاصل في الدور الأميركي في أزمات المنطقة على أنه إشارة إلى عدم التشبث بمواقف واشنطن الصارمة من النظام السوري، وأن ضبط العلاقة مع دمشق ربما يحدث توازنا في الهيمة الإيرانية عليها، الأمر الذي يمنح مصر دعما سياسيا في الفترة المقبلة، خاصة أن الرئيس الأميركي جو بايدن بحاجة إلى وكيل مثل القاهرة في المنطقة، والرئيس بشار الأسد بحاجة إلى تعويم عربي.

وكشفت مصادر سياسية لـ”العرب” أن اللقاء جرى وفقًا لتفاهمات أجرتها مصر مع كل من الولايات المتحدة والسعودية للتنسيق والتشاور بشأن الحلول القابلة للنجاح على الأرض حيث فشل مشروع تفكيك الدولة السورية، وبعد أن تعرضت أطراف عديدة لخسائر كبيرة، ما يعني أن اللقاء حظي بمباركة أطراف فاعلة أبدت تفهما لتكون مصر طرفًا يمكن أن يسهم في التمهيد لحلحلة الأزمة السورية لاحقا.

وبدأ الحديث يتزايد في بعض الأروقة السياسية حول عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية، وأن الممانعات الأميركية والعربية السابقة تراجعت كثيرا في حدتها، بما يجعل طريق طرح فكرة العودة بجدية أقرب من أي وقت مضى.

لقاء شكري والمقداد يعبر عن فهم مصري لما يجري من تغيرات في المشهد الإقليمي تجاه سوريا

وكان اللقاء الرباعي لوزراء الطاقة في مصر والأردن وسوريا ولبنان الذي عقد بعمّان في الثامن من سبتمبر لتصدير الغاز إلى لبنان عبر الأراضي السورية إشارة إقليمية ودولية مهمة على قبول التعامل مع دمشق، حوت الكثير من المعاني الإيجابية الدالة على إمكانية انخراط النظام السوري في مشروعات عربية جديدة.

وراعت الصيغة التي اقترحت لتطوير العلاقات بين دول ما يسمى “الشام الجديد” المكونة من مصر والأردن والعراق عدم استبعاد أن تنخرط سوريا في هذه المنظومة مستقبلا، وهي منظومة وجدت دعما أميركيا أيضا، وبدا أن أحد أهدافها محاولة تقويض السيطرة الإيرانية على مفاتيح الحل والعقد في العراق والمنطقة.

وأوضح المحلل السياسي المصري مصطفى السعيد أن لقاء شكري والمقداد يؤكد وجود خطوات متقدمة لدى القاهرة بأهمية القيام بدور كبير في حل الأزمة السورية، وتحظى بترحيب نظام بشار الأسد الذي يثق في حرصها على وحدة واستقرار سوريا.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن توصيل الغاز المصري إلى لبنان وعدم استبعاد انضمام دمشق للشام الجديد يغري الجانبين على تدشين علاقات سياسية علنية من بوابة الاقتصاد، وأن التوجه العام نحو تفكيك أزمات المنطقة يجعل الوقت مناسبًا لذلك.

3