مصر تتصدى لتخطيط غربي يهدف إلى تقسيم المنطقة عبر الإخوان

الجمعة 2014/03/28
خرج المصريون بالملايين في ثورة 30 يونيو للدفاع عن أهداف الثورة وحفظ مكانة مصر الدولية

القاهرة - لم تتوقف سياسة الولايات المتحدة الأميركية تُجاه قضايا الشرق العربي عن التّعاطي بازدواجية معايير موغلة في البراغماتية. المربك في هذه السياسة، هو استعداد أميركا للتخلي عن حلفائها الإستراتيجيين بشكل سريع، خدمة لمصالحها المباشرة. فتعاوُنها مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ودعوتها إلى الإفراج عن محمد مرسي دون احترام قرارات القضاء المصري “يهدّدان بخسارة أميركا لمصر، إذا بقيت على منهاج دعم الإخوان”، حسب خبراء سياسيّين.

يتنامى شعور بالغضب لدى المصريين تجاه السياسة الأميركية المعتمدة في التعامل مع مصر بشكل متواتر، خاصة بعد التصريحات الأخيرة لجون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة، القائلة بأنّ “الإخوان لا يمثلون خطرا على أميركا حتى يتم إدراجهم في لائحة المنظمات الإرهابية”. وهو تعبير واضح عن عدم قبول الأميركان بقرار السلطات المصرية القاضي بتصنيف تنظيم الإخوان كـ”تنظيم إرهابي”، وما نتج عنه من قرارات مماثلة إتّخذتها كلّ من المملكة العربية السعودية والإمارات، من خلال إدراج هذا التنظيم ضمن لائحة الإرهاب.

كما ردّت الولايات المتحدة على تدخل الجيش بعزل مرسي، بعد ثورة الـ 30 من يونيو، بأَنْ أجَّلَ البنتاغون تسليم طائرات مقاتلة من نوع “آف 16” للجيش المصري، ومراجعة البيت الأبيض للمساعدات المالية المخصّصة لمصر.

وبالعودة إلى تصريحات سابقة للرئيس باراك أوباما، فإن مسألة احتجاز الرئيس المخلوع حسني مبارك وتقديمه إلى المحاكمة “تعتبر مسألة قانونية مصرية داخلية”، حسب قوله. لكن الخارجية الأميركيّة الآن تعكس موقفها من سيادة القضاء المصري بدعوتها إلى “الإفراج عن مرسي” رغم القضايا المتعلقة به، والمتمثلة في التحريض على قتل المدنيين وإفشاء أسرار سيادية إلى دولة أجنبية.


أفق دولي آخر


وفي هذا السياق يعلّق الأستاذ بالجامعة الأميركيّة عمرو الشلقاني، على العلاقات المصرية الأميركية، بقوله إنّ “جفاء وازدواجية أوباما مع تطوّرات الأحداث في مصر، قد قادا النظام المؤقت إلى تحويل وجهته نحو الصين وروسيا، وهذا الانخراط مع بكين وموسكو نمّى مشاعر العداء نحو واشنطن.

فمنذ أن تم عزل مرسي، والجمهور المصري وكذلك وسائل الإعلام تهاجم سياسة الولايات المتحدة بشراسة. وهو ما جعل من ردّة الفعل الأميركيّة سلبية”. لافتاً إلى أنّ نتيجة هذا الموقف، ستكون في اتّجاه تآكل النّفوذ الأميركي في المنطقة، لا سيما أنّ واشنطن تعوّل أساسا على القاهرة لتمرير سياساتها المتعلقة بالشّرق الأوسط، وبالتّالي سوف يصب هذا الإبتعاد الأميركي في مجال تزايد النفوذ الإقتصادي لكلّ من موسكو وبكين، ممّا قد يُطوّر مصالحهما بشكل سريع وجيد للغاية مع القاهرة في المستقبل القريب.

جفاء وازدواجية أوباما مع تطورات الأحداث في مصر، قادا النظام المؤقت إلى تحويل وجهته نحو الصين وروسيا

وبعد قرار الكونغرس الأخير المتعلق بمصر، والقاضي بتجميد المنحة السنوية المقدرة بـ1.3 مليار دولار، أضحت المؤسسة العسكرية المصرية جديا تحت ضغط شعبي كبير، وذلك لدفع الجيش إلى فتح قنوات متعددة أخرى لتشمل دول عربية شقيقة، وبعض الأصدقاء الذين يتعاونون دون شروط أو تحالفات داخلية مع أطراف سياسية في مصر، مثل تعامل أميركا مع الإخوان. وهو ما يطرح إشكال إعادة النظر في السيادة المصرية على نفسها وثرواتها وإرادة شعبها.

وفي هذا الإطار يصرح الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية عماد جاد، أنه “لسنوات عديدة يتوسل نشطاء حقوق الإنسان في مصر إلى إدارة أوباما لكي تجعل المساعدات لمصر مشروطة باحترام حقوق الإنسان لجميع المصريّين، بما في ذلك الأقليات المسيحية. وبدلاً من ذلك كان نهج الإدارة الأميركية يعمد إلى تجاهل محنة المسيحيين في مصر، وهو ما جعل إدارة أوباما سيئة السمعة في جميع أنحاء العالم”.


أميركا تدعم الإخوان


وبالتوازي مع هذه السياسة التي يعتبرها الكثير من المحللين سلبية وغير عادلة، يؤكد عماد جاد “أن قيادات التنظيم الدولي للإخوان، أثناء زيارتهم لواشنطن، لا يخضعون لإجراءات التفتيش من قبل الجمارك والحدود الأميركيّة عند دخول البلاد، ولم يتضح كيف حصلت قيادات الجماعة على هذه الامتيازات الخاصة التي لا تتاح حتّى للأميركيّين أنفسهم، ولكنّ إدارة أوباما تعتقد أنّ معاملة كبار شخصيّات الإخوان بلياقة سوف تجعل هذه الجماعة بين أيديها وتحت إمرتها، وتناست واشنطن أن الإخوان لديهم مشروع توسعي مثل الجهاد والخلافة الإسلامية، إلى جانب التحالف مع حماس الفلسطينية.

مسألة دعم الإدارة الأميركية للإخوان المسلمين، تهدف إلى الترويج للتوجه الإسلامي المعتدل الذي يخدم مصالحها

ورغم أنّ أميركا تعرف أن تاريخ الإخوان مثير للقلق. ومع ذلك، ظهرت إدارة أوباما في صورة المتحمّس للمشروع الإخواني في المنطقة”. ويعيد البعض من مراقبي الشأن السياسي المصري مسألة دعم الإدارة الأميركية للإخوان المسلمين، إلى ترويج الإدارة لـ”التوجه الإسلامي المعتدل الذي يخدم مصالحها”، حسب قول رفعت سيد أحمد الخبير الإستراتيجي بمركز الأهرام.

ومن ناحية أخرى تدعم الإخوان الذين يمثّلون مصدر إلهام للجماعات الإرهابية الّتي تحاربها أميركا، بل إن الإسلاميين قد احتضنوا كبار الإرهابيين العالميين مثل أيمن الظواهري الذي كان إخوانيا في السابق”.

وبالعودة إلى تقارير استخبارية أميركية نشرت سابقا، عن معاهد البحوث ودوائر التفكير الإستراتيجي بالولايات المتحدة، فإن مسؤولي الحكومة الأميركية يعرفون جيداً أهداف الإخوان على مدى عقود، وهناك وثيقة تم نشرها عام 1991 كدليل من قبل النيابة العامة الفيدرالية، تتهم بعض قيادات التنظيم الدولي بالدعوة داخل الولايات الأميركية إلى قيام نظام إسلامي داخلها، وهذا نوع من الجهاد الدّعوي للجماعة يهدفُ إلى تدمير الحضارة الغربية من الداخل وإقامة الخلافة على أنقاضها.

وقد أصبحت جماعة الإخوان المسلمين، منذ تولي باراك أوباما السلطة، تحظى بدعم أميركي غير مسبوق، ما يؤكد تحولا جذريا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية التي عملت طيلة عقود على تجنب العمل مع الجماعات الإسلامية والمتطرفين الإسلاميين.


الإخوان حماية لإسرائيل


إذ تعتبر مواقف الأميركان الأخيرة من الإخوان دفعا للحركات الإسلامية إلى تولي مقاليد السلطة في الدول العربية بعد “الربيع العربي”، بغض النظر عن القضايا الخلافية بين الأميركان والإخوان (كالحريات، وحقوق المرأة…)، وذلك في حالة الإبقاء على العلاقات “النفعية” المتبادلة مع الغرب.

ويصف جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، ما حصل من تعاون أميركي مع الإخوان بأنه “احتضان غربي مبني على اتفاقات مسبقة، حيث يعتقد أوباما أن تعاونه مع الإسلاميين سيعزز الأمن داخل منطقة الشرق الأوسط وتأمين إسرائيل من كل المخاطر، وعندما تم قطع المساعدات الأميركية وإلغاء المناورات العسكرية (النجم الساطع) مع الجيش المصري، لم يهتم الجنرالات المصريون كثيراً بردة الفعل الأميركية، حيث تحوّلت التدريبات إلى مكان آخر”.

وواصل جهاد عودة حديثة عن استعمالات الإخوان لتنفيذ سياسة أميركا في المنطقة، قائلا: “الانقلاب الجذري في سياسة أميركا تجاه القاهرة يطرح سؤالاً مهماً: لماذا يقتصر هذا الدّعم الأميركي للإسلام السياسي فقط على مصر؟” ويجيب ببساطة: “لأنّ السيطرة على مصر ستؤدي إلى تفكيك أحد أقوى الجيوش في المنطقة، ومن ثم السيطرة على جميع الدول العربية”. وهو التخطيط الذي بدأ مع الإسلاميين منذ تخلُّص أميركا من بعض القوى الإقليمية التي تهددها مثل العراق.

13