مصر تتعايش مع مغامرة رفع الدعم عن الوقود دون صخب سياسي وشعبي

غموض حول فاعلية البدائل في التعويض لفائدة المستفيدين من دعم الدولة.
الأحد 2019/07/07
وعود بالانتعاش الاقتصادي

القاهرة - قررت مصر تحرير سعر الطاقة ليتماشى مع الأسعار العالمية رغم المحاذير التي ترافق هذا القرار الصعب لأنه يؤدي آليا إلى رفع الدعم عن أهم المجالات الحياتية للمصريين. وبدت الطبقة السياسية والشارع كما لو أنهما كانا يتوقعان هذه الخطوة التي مرت دون صخب سياسي أو إعلامي.

ولم تستغل المعارضة هذه الخطوة لاستهداف النظام الحاكم، كما جرى في مرات سابقة، ما أدى إلى تأجيلها خوفا من الغضب الشعبي. كما أن شريحة كبيرة من المصريين تجاوبت مع الخطوة للخلاص من كابوس رفع أسعار الوقود الذي بات يطاردهم، مساء الخميس، بسبب مناورات حكومية حول إطلاق ساعة الصفر لتحرير الوقود.

واعتاد المصريون على مدى أربع سنوات اتجاه الحكومة لرفع أسعار المحروقات، ليلة الخميس، على اعتبار أن اليومين التاليين (الجمعة والسبت) إجازة رسمية، وتقل فيهما حركة المواطنين في الشوارع، وتتراجع فيهما احتمالات التظاهر.

يقول حسن عبدالعال، موظف في شركة الكهرباء لـ”العرب”، “ما باليد حيلة وقد تعبنا من الحديث عن الرفع المستمر للدعم عن الوقود، ولنتحمل الزيادة الأخيرة وننتظر الرخاء الذي وعدتنا به الحكومة من خلال مشروعاتها الكبرى”.

واعتمدت القاهرة في تنفيذ مخططها على مجموعة من العوامل التي ساهمت في كبح حالة الرفض الشعبي المتوقع، أهمها المخاوف والذكريات المؤلمة لحالة الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وما تبعها من خراب طال مؤسسات عديدة، وشل مفاصل الاقتصاد، فضلا عن التوترات التي تشهدها بعض دول المنطقة، والخوف من امتداد شبحها إلى مصر.

وعززت هذه الأحداث موقف الحكومة ومنحتها جرأة في عدم التلكؤ لتنفيذ وصايا صندوق النقد، ودفعت المصريين إلى قبول تجرع الدواء المرّ أملا في تحسن أوضاعهم مستقبلا.

وقال قدري أبوإسماعيل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، إن القرارات الصعبة التي تتخذها الحكومة سيكون مردودها جيدا لاحقا على المواطن، الذي أصبحت لديه “حصانة ورد فعل هادئ واعتاد على رفع الأسعار من دون تذمر”.

وأوضح لـ”العرب” أن “الغالبية على يقين بأن الدعم وتقدم الاقتصاد لا يمكن أن يلتقيا، وبلدهم يسير وفق أسس تهدف إلى الأمن والاستقرار، ما يدفعهم إلى استيعاب أي قرارات سياسية أو اقتصادية صعبة”.

وغلّفت الحكومة هذه الخطوة المؤلمة بشعارات تعد بانتعاش اقتصادي، بدءا من موافقة صندوق النقد الدولي على تمويل برنامج الإصلاح الاقتصادي، وما تمثله تلك الخطوة من ثقة مؤسسة دولية بحجم الصندوق في إقراض اقتصاد مريض.

وتعد موافقة الصندوق مؤشرا إيجابيا على أن الاقتصاد المصري قادر على التعافي، والوفاء بالتزامات تصل إلى نحو 12 مليار دولار قيمة قرض مساندة إصلاح اقتصاد البلاد.

Thumbnail

وزاد من ذلك تبني خطط للحماية الاجتماعية، مثل برنامج “تكافل وكرامة” الذي يقدم دعما شهريا لغير القادرين، ومساندتهم في تعليم أبنائهم، فضلا عن مساهمة البنك الدولي في تمويله على اعتبار أنه برنامج يستهدف المعوزين بطريقة تضمن أبعادا تنموية، وكلها من العوامل التي امتصت الغضب الشعبي مبكرا، بعد أن شملت مظلته نحو تسعة ملايين فقير.

وعزز التوسع في منظومة دعم السلع التموينية بشكل غير مباشر بسد حاجة شريحة كبيرة من المواطنين، بما زاد من حالة الرضاء الشعبي، فالمستفيدون من تلك المنظومة تجاوز عددهم 69 مليون مواطن، ورصدت الحكومة لهذه المنظومة ميزانية تقدر بحوالي 5.4 مليار دولار، بجانب تخصيص دعم لرغيف الخبر عبر بطاقات ذكية.

وكان لآلة الإعلام في مصر دور إيجابي إذ ساهمت في تخفيض مستوى الغضب المكتوم ونزعت فتيل الأسلحة التي تلجأ إليها المعارضة عادة، من خلال وعود بفرص عمل مرتقبة في المشروعات القومية.

ومنح تمرير آخر شريحة من دعم الوقود النظام المصري دعما سياسيا في مواجهة معارضين راهنوا على اشتعال الغضب الشعبي بسبب زيادة الأسعار، وجعل الحكومة تمضي في طريقها السياسي والاقتصادي دون توقع قلق أمني أو تظاهرات.

ورغم نجاح معركة تحرير سعر الطاقة في مصر، إلا أن هناك تحديات لا تزال تواجه منظومة الدعم العام الذي بلغ نحو 10.4 مليار دولار، ويستنزف جزءا من موازنة الدولة نتيجة تسرب جانب كبير منه لغير مستحقيه.

وتحتاج بطاقات دعم السلع التموينية والخبز مثلا إلى عملية غربلة دقيقة، فهناك مشكلات تواجهها وتحدّ من تطبيقها بصورة سليمة، وثمة فئوية تحول دون تنقيتها، الأمر الذي يزيد العبء ويضاعف فجوة عجز الموازنة العامة للبلاد. وتسعى لجان تنقية بطاقات الدعم التمويني لإحكام سيطرتها على الثغرات، لكنها لا تزال تمثل جرحا غائرا في جسد الاقتصاد.

وإذا أرادت الحكومة أن تحكم إدارة هذا النزيف عليها سد الطرق السلبية، وغلق المطالب الفئوية التي تريد أن تحصل لأعضائها على مكاسب من خلال إدراجهم ضمن مستحقي ما تبقى من الدعم، والذي من المرجح ترشيده لأقل مدى تمهيدا لرفعه تماما.

1