مصر تتقبل المعنى السياسي دون العسكري في رسالة ترامب لإثيوبيا

القاهرة تبتعد عن الخشونة مع سد النهضة تجنبا للمواجهة العسكرية.
الأحد 2020/10/25
القاهرة تنتهج سياسة الحذر في ملف سد النهضة

المصريون ينظرون إلى تصريحات دونالد ترامب بشأن سد النهضة بأنها فخ قد يقودهم إلى مواجهة عسكرية ليسوا مستعدين لها، كما أنها ليست خيارا للرئيس عبدالفتاح السيسي في الوقت الحاضر. وكما للرئيس الأميركي حساباته الخاصة وهو في الأمتار الأخيرة من حملته الانتخابية، فإن للقاهرة حساباتها أيضا بالرغم من المكسب السياسي لتلك التصريحات المنحازة لمصر وحقها في حماية ثروتها المائية.

أحدثت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن سد النهضة، الجمعة، ردود فعل متباينة، حيث أشار الرجل إلى أنه لا يمكن لأحد إلقاء اللوم على مصر بسبب غضبها من تجاوزات إثيوبيا، وأن القاهرة هددت بتفجير السد، وقد اعتبر البعض الخطوة تأييدا أميركيا لتوجيه ضربة عسكرية، بينما اعتبرها آخرون فخا سياسيا.

وبدا آبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا، السبت، متحديا المعنى الذي ينطوي عليه حديث ترامب، عندما قال “النهضة سد إثيوبيا، والإثيوبيون سيكملون هذا العمل لا محالة، ولا توجد قوة يمكنها أن تمنعنا من تحقيق أهدافنا التي خططنا لها، لم يستعمرنا أحد من قبل، ولن يحكمنا أحد في المستقبل”.

تعامل فريق من المصريين مع كلام ترامب، على أن تفجير السد هو الحل الوحيد للخروج من أزمة التعنت الإثيوبي، فقد أخفقت كل الأدوات الدبلوماسية في ثني أديس أبابا على الرضوخ لنتائج المفاوضات، التي توقفت منذ نهاية أغسطس الماضي، ولم تعد متصدرة للواجهة كما كانت طوال الأشهر الماضية، وخفت الضجيج الذي أحاط بها، وكأن النسيان قد طواها، إلى أن جاءت تصريحات ترامب لتعيدها إلى الواجهة.

حاول هؤلاء الدفع نحو الخيار العسكري للخروج من المأزق، الذي لا تعرف القاهرة وسيلة للخروج منه حتى الآن، فالوعود والعهود الأفريقية غير صالحة، والوقت يمر والخسائر المائية سوف تتزايد، خاصة مع مرحلة الملء الثاني للسد العام المقبل.

استيعاب دروس الماضي

مصر حرصت على التوصل لتفاهم حتى النفس الأخير
مصر حرصت على التوصل لتفاهم حتى النفس الأخير

رفض فريق آخر التعامل مع الأزمة بهذه الخشونة، خوفا من التداعيات السلبية على مصر، التي لم تعلن رسميا في أي مرحلة سابقة اللجوء إلى هذا الخيار، وأكدت عدم التخلي عن الطريق الدبلوماسي، بل الحرص على التوصل لتفاهم حتى النفس الأخير.

واستحضر أنصار الفريق الثاني، ما يوصف بـ”الفخ” الذي نصبته السفيرة الأميركية في العراق أبريل غلاسبي، قبيل غزو الكويت في 2 أغسطس 1990، عندما أوضحت للرئيس الراحل صدام حسين أنها لا تملك رأيا في خلاف العراق الحدودي مع الكويت، ما فهم منه أن بلادها لن تتدخل، بعد أن أرسلت الخارجية الأميركية تأكيدا بأن واشنطن ليس لديها التزامات دفاعية أو أمنية خاصة تجاه الكويت، وبعدها جرى ما جرى.

وتحرص القيادة السياسية في القاهرة على استيعاب دروس الماضي، مصريا وعربيا، بشكل مبالغ فيه، ولا تعتبر امتلاك قوة عسكرية كبيرة دعوة لاستخدامها ضد الخصوم، لكنها وسيلة ردع في المقام الأول، ولا يميل الرئيس عبدالفتاح السيسي شخصيا إلى المنهج الأول، وفي كل تحذيراته حرص على إظهار جانب الدفاع، وفي المرة الوحيدة التي أشار فيها إلى الهجوم العسكري في الأزمة الليبية وضع شرطا لم يتم تجاوزه.

ورغم العلاقة الوثيقة بين القاهرة وواشنطن، غير أن الأولى محملة بالهواجس حيال الرئيس دونالد ترامب، وثقتها في إدارته يشوبها الحذر، وعانت من ارتباكات وتناقضات السياسة الأميركية في ليبيا، وتحميلها القاهرة جزءا كبيرا مما وصلت إليه الأزمة، ومنحت الضوء الأخضر لتركيا لتتمادى في تدخلها وترسل الآلاف من المرتزقة.

كما أن كلام الرئيس ترامب بشأن سد النهضة جاء في خضم حملة انتخابية لها طقوسها وحساباتها الأميركية، بما يتجاوز حدود الدعم المادي والمعنوي الظاهر لمصر، لأن مضمون الرسالة التي بعث بها ترامب لأديس أبابا يبدو متأخرا جدا، فالوساطة التي قامت بها واشنطن بالتعاون مع البنك الدولي، أعلن فشلها منذ فبراير الماضي.

جرت أشهر عديدة على الفشل، وظل ترامب صامتا، ولم يدافع عن وساطة بلاده أو يتخذ موقفا صارما ممن عطُل دوره، واكتفى متأخرا بخصم جزء من المساعدات الأميركية الموجهة إلى إثيوبيا، ولو أراد حضها على الرضوخ لفعل مبكرا، ما فهمته أديس أبابا على أنه نوع من التوازنات الأميركية في العلاقات مع الحلفاء في المنطقة.

ولم يردع الخفض الأميركي للمساعدات الحكومة الإثيوبية، بل منحها قوة في التحدي آنذاك، وهو ما فعله آبي أحمد عقب تصريح ترامب الجديد بشأن إدانته لموقف أديس أبابا، وخرج بتصريحات مناهضة تؤكد عدم التنازل، والمضي قدما في الطريق المرسوم، ولذلك وضع ترامب الزيت على النار بدلا من أن يطفئها.

حسابات سياسية معقدة

أزمة السد تصل إلى مفترق طرق
أزمة السد تصل إلى مفترق طرق

تبدو الإدارة الأميركية بطة عرجاء في هذا التوقيت، ولن تستطيع اتخاذ مواقف حاسمة على مدار الثلاثة أشهر المقبلة، تجاه إثيوبيا أو غيرها، ولن تتمكن من تقديم غطاء سياسي لمصر، إذا فكرت في ضرب سد النهضة، وهو ما يدركه الطرفان جيدا.

وتتحسب القاهرة من سقوط ترامب، وفوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، وبالتالي الاستعداد للدخول في مناوشات سياسية حادة، إذا أقدمت على ضرب سد النهضة، حيث تمثل هذه فرصة لتصفية حسابات قديمة ومعلقة.

تواصل أديس أبابا التحدي، وهي مطمئنة أن واشنطن لن تمارس ضغوطا حقيقية عليها، وتواصل القاهرة سياسة الحذر، لأنها تعي أن الرئيس ترامب في موقف داخلي حرج، لن يمكنه، حتى لو أراد، أن يكون داعما لمصر في مواجهة إثيوبيا التي تعد حليفا استراتيجيا مهما للولايات المتحدة في شرق أفريقيا.

وسط هذا الخضم، يتخذ كل طرف احتياطيات عسكرية غير مباشرة، توحي بالضرب والصد، فمصر تتفاخر بقوتها العسكرية الكبيرة، وتؤكد دوما أنها لن تعدم الحلول في أزمة سد النهضة، مع أن المنافذ الدبلوماسية والقانونية تبدو ضيقة حتى الآن، بما يفهم منه أن الخيار العسكري ليس مستبعدا تماما.

كلام ترامب بشأن سد النهضة جاء في خضم حملة انتخابية لها طقوسها وحساباتها الأميركية، بما يتجاوز حدود الدعم المادي والمعنوي الظاهر لمصر

في المقابل، تتوقع إثيوبيا اللجوء إلى الخيار العسكري في أي لحظة، وتظهر امتلاكها لأدوات الردع، وتتعمد من حين إلى آخر التأكيد على وجود صواريخ حول سد النهضة قادرة على صد أي هجوم، وأوحت من خلال حظر الطيران فوق السد مؤخرا لأسباب أمنية أنه مهدد فعلا، ولا تريد مرور طائرات فوقه تتمكن من تصوير ما يجري أسفلها من عمليات بناء أو تجهيزات عسكرية.

ويجد رئيس الوزراء الإثيوبي في سد النهضة وسيلة مهمة لتخفيف حدة المشكلات التي تواجهه في الداخل، ويرى أنه المشروع القومي الذي يستحق الالتفاف حوله في الوقت الراهن، لأنه يتعلق بمصير الأمة الإثيوبية.

وصلت الأزمة إلى مفترق طرق، وأصبح الحل العسكري أقرب من أي وقت مضى، وربما هو الحل الوحيد المتاح أمام مصر لتجاوز الأزمة، غير أن أسلوب الإدارة المصرية الراهنة بعيد عن اعتماد هذا الخيار، ولن تجد رسالة ترامب استجابة عسكرية في القاهرة، وسيتم التعامل مع المعاني والخلفيات السياسية التي تحملها، لأن السياق الذي جاءت فيه، وهو الإعلان عن التطبيع بين السودان وإسرائيل، ما يفهم منه الاعتراف بالدور المصري في تسهيل هذه الخطوة.

وترى مصر أن أهمية الرسالة في الإدانة الأميركية الصريحة للموقف الإثيوبي، وأن استمرارها على هذا النهج سوف تكون له عواقب وخيمة، لأن ما تقوم به تصرف يضر بمصر، ويندرج ضمن حجب المياه، وبالتالي ليس هناك طريق سوى العودة إلى وثيقة واشنطن التي توصلت إلى حلول متوازنة لنحو 90 في المئة من الخلافات.

وتعتقد أن الرسالة تقلل من حجج إثيوبيا حول رغبة مصر في الاستحواذ على مياه النيل، أو التعنت في المفاوضات، وتظهر أن أديس أبابا هي التي تتنصل من التوصل إلى اتفاق ملزم لحل الأزمة، ولذلك ستبقى المعاني السياسية في كلام ترامب دون غيرها من التلميحات العسكرية.

2