مصر.. تجربة في حصاد الفشل منذ فقدان البوصلة

الثلاثاء 2017/10/17

عشنا زمنا صعبا نسمع عربا ينادون مصريين “يا أولاد الكامب” بإيقاع لفظي يوحي بسباب مهين، رغم إشارة النداء إلى معاهدة كامب ديفيد التي أنهت الدور العربي لمصر، وأدخلتها مدار التبعية الأميركية. ولا تمنع العودة الخجول إلى الحاضنة العربية من لحظات انفعال لا يتردد فيها الغاضبون في اتهام المصريين بممالأة الصهاينة، كما جرى في نوفمبر 2009 بعد مباراة كرة القدم المؤهلة لكأس العالم 2010 بين مصر والجزائر في السودان، ولم يشفع لمصر انحياز جمال عبدالناصر ولا فيلم يوسف شاهين ولا لحن محمد فوزي للنشيد الوطني.

الرصيد المصري في العالم العربي لم يبتدعه عبدالناصر من العدم، ولا أظن أحدا حمل لقب “شيخ العروبة” بعد أحمد زكي باشا (1867- 1934). وكان جمال حمدان وهو يتغنى بعبقرية مكان مصر يرى أن كامب ديفيد “بداية نهاية مصر عربيا. طردت مصر نهائيا من الشرق الأوسط ببروز إيران وتركيا واقتحامهما للعالم العربي وانحدار مصر بالنسبة إليهما”، كما سجل في أوراقه التي نشرت عام 2010، أن “عبدالناصر هو أول حاكم أو زعيم مصري يكتشف جوهر شخصية مصر السياسية. أول وللأسف آخر حاكم أو زعيم مصري جغرافي، أي عرف وطبق جغرافية مصر السياسية كما ينبغي أن تكون”.

وأثبت السياق الذي جرى فيه التنافس على إدارة اليونسكو تراجع مصر، ليس بخسارة السباق، أو باقتراب المرشح القطري من الفوز، وإنما بالملاسنات وإطلاق الاتهامات، والتدني إلى مستوى لا يليق بدولة تجاور كيانا هو “العدو” ولا أحد آخر، مع تناسي أنه في السنوات العشر الأخيرة لحكم حسني مبارك قتل جيش هذا “العدو” أكثر من 20 منهم 13 ضابطا وجنديا، واستشهد مواطنون في مزارعهم وأطفال في رفح وهم يلعبون أمام بيوتهم. وذات مرة قتل الشرطيان محمد بدوي محمد وأيمن سيد حامد برصاص إسرائيلي، وقام القتلة بسحب الشهيدين إلى داخل الأراضي الفلسطينية؛ للادعاء بأنهما عبرا الحدود. ولم تمنع الجريمة حسني مبارك من استقبال رئيس وزراء العدو إيهود أولمرت، 4 يونيو 2006 (عشية ذكرى هزيمة 1967)، والتقطت الصور المصحوبة بالابتسامة، وسأله صحافي أجنبي إن كان قد ناقش مع أولمرت قضية قتل الجنود داخل الحدود المصرية؟ فقال باستهانة إن أولمرت اعتذر.

أضعف الإيمان أن يرفض مبارك لقاء أولمرت ويلغي الزيارة ويطالب بالتحقيق، تمهيدا لتوقيع عقوبة على الجناة، فلم ننس قضية سليمان خاطر الجندي الذي استنكر أن يتسلل سياح إسرائيليون إلى نقطة حراسته، ويهينوا العلم المصري يوم 5 أكتوبر 1985، فحذرهم من التقدم وتجاهلوه وواصلوا الاقتراب، ففقد أعصابه وأطلق النار وقتل أحدهم وأصيب ستة. وحكم عليه بالسجن المؤبد، ثم عثر عليه ميتا في 7 يناير 1986، إلا أن العدو أصر على أن تدفع مصر مليون دولار تعويضا لأسرة القتيل، ومئة ألف دولار لكل جريح ولو كان جرحه مجرد خدوش.

لا ينفصل التهاون في القضايا الكبرى، ومنها حق الشهداء ضحايا إسرائيل، عن إلهاء الرأي العام بمعارك صغيرة والعجز عن استيعاب المحيط العربي، وهو ما أرسته مصر منذ وعيها بأهمية دورها حتى لو كان حاكمها لا يتكلم العربية. ففي عهد الملك فؤاد أقيم أول مؤتمر للموسيقى العربية، بالأمر الملكي رقم 9 لسنة 1932، وإضافة إلى المصريين والأجانب شارك 41 عربيا يمثلون العراق وسوريا ولبنان والجزائر والمغرب وتونس. ومن فائض ثماره أن يكتب المشاركون يوميات “الرحلة إلى الديار المصرية”. وكان العرب حاضرين دائما، ففي كلمة مصطفى رضا بك رئيس معهد فؤاد الأول للموسيقى مساء الأربعاء 22 أبريل 1942 بمحطة الإذاعة المصرية أن “رجال الفن في مصر وبعض الفنيين من الأقطار العربية” شاركوا في الأعمال التنظيمية والتحضيرية للمؤتمر الأول للموسيقى قبل انعقاده، “لتحضير وإعداد ما يحتاجه المؤتمر من البحوث والدراسات الفنية والتجارب”، وينبه إلى أن “النشء في بلاد اللغة العربية الذين يتلقون الصولفيج وفقا للأسلوب الموسيقي الأوروبي لن يصبحوا أبدا موسيقيين ماهرين”.

لخسارة المرشحة المصرية لمنصب مدير اليونسكو علاقة بتلوث النيل وفوضى المرور وفساد البعض من رجاله، وانحطاط الذوق العام، وانتشار الزبالة في الشوارع، وفقدان الثقة في التعليم الجامعي وما قبله، وهو ما أوجزه شكري عياد (1921-1999) بمقولة “مدارس بلا تعليم، وتعليم بلا مدارس”، حيث يقتصر دورها على تجهيز تلميذ لا يفقه لتجاوز الامتحان بنسبة 99 بالمئة، ولا تقارن معارفه بما كان يدرّس حين كان في مصر تعليم، أقصد كتاب “تاريخ الأدب العربي” لأحمد حسن الزيات (1885-1968) وكان مقررا بالمدارس الثانوية والعليا، ويضمن تكوينا عقليا وأدبيا لطالب لديه إلمام بالأدب العربي وأعلامه وأقطاره، فيتجاور الأئمة الأربعة مع ابن سينا وابن رشد. والمنفلوطي مع الشدياق وناصيف وإبراهيم اليازجي وبطرس البستاني. ومن العراق جميل صدقي الزهاوي مع الباردوي وشوقي وحافظ إبراهيم. وبعد 45 عاما على الطبعة الأولى، كتب الزيات مقدمة ذكر فيها أن هذا الكتاب “إنما كتبناه لناشئة الأدب لا لفحوله.. كلمتنا للمتعلم، إذا استوعاه بالدرس.. ألا يقف في الطلب عنده، وألا يقصر عليه جهده”، باعتباره عجالة لهفان، راجيا أن يكون في الطبعة الجديدة “بعض الغناء لشباب العرب في العراق ولبنان وشرق الأردن والسعودية واليمن والجمهورية العربية المتحدة والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب”.

في دراستي الثانوية أدركت بقايا تلك الروح بدراسة كتاب “الأدب والنصوص” وقد وضعه أربعة منهم حسين نصار وعزالدين إسماعيل، وفيه إحاطة بمجمل الأعلام العرب: الكواكبي، جبران، خليل مطران، إيليا أبوماضي، أبوالقاسم الشابي، أمين الريحاني، سلمى الخضراء الجيوسي، عمر أبوريشة، عبدالعزيز المقالح ومحمد الفيتوري.

والآن في وجود استعلاء زائف لا يدعمه إنجاز، ما الذي يربط طالبا مصريا بالعالم العـربي؟ أخشى أن تكـون الإجابة طرح السؤال معكوسا، فتتألم روح أحمد حسن الزيات وشيخ العروبة وكل الحالمين بها قبل هبوب ريح الكـامب وتقتلع الخيام وتتركنا في العراء.

روائي مصري

8