مصر تجفف منابع قوة السلفيين في المساجد بحظر التبرعات

الحكومة تتقارب مع الفقراء وتحجّم الأهداف السياسية المشبوهة للمتشددين
الجمعة 2021/11/12
الوازع الديني سلاح التنظيمات المتشددة لجمع التبرعات

أدركت السلطات المصرية أنّ الخلاص من الفكر المتشدّد يستوجب سياسة حكيمة تقصقص أجنحة الإخوان والسلفيين على حدّ سواء، وتقف سدا منيعا أمام توغلهم في الشارع المصري واستغلالهم المساجد كغطاء شرعي لجمع التمويل وتقوية النفوذ الاقتصادي، فكلهم مستفيدون من جمع التبرعات وتوظيف العمل الخيري لمصالحهم السياسية الضيّقة. وفي المقابل يتم توجيه هذه التمويلات التي تبلغ التريليونات من الجنيهات إلى العمل التنموي الذي يساعد في تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية للبلاد.

القاهرة - دخل قرار مختار جمعة وزير الأوقاف المصري بحظر صناديق التبرعات في المساجد حيز التنفيذ الأحد، حيث قامت مجالس إداراتها بفتح الصناديق وحصر أموالها، والبدء في إيداعها بالمخازن كخطوة أولى نحو تجفيف منابع الدعم المالي التي كان يستثمرها السلفيون للنفاذ إلى قلب المجتمع في مصر.

وقررت السلطات استبدال صناديق التبرعات بحسابات مصرفية لكل مسجد، ويقوم المتبرع بإيداع الأموال به للحيلولة دون أن تذهب الأموال إلى جماعات وتيارات لها أهداف سياسية مشبوهة، توظفها في تحركاتها المناوئة للحكومة، بتجييش البسطاء لدعمهم عبر بوابة العمل الخيري.

تمويل مشروع

عمرو هاشم ربيع: السيطرة على التبرعات ضربة لشريحة مهمة في جسم السلفيين

تمثل صناديق التبرعات في المساجد المصرية لتيارات الإسلام السياسي أحد أهم مصادر التمويل المشروعة بعد سلسلة القرارات التي اتخذتها الحكومة سابقا وتسببت في ضرب قواعدهم المالية في المساجد، من خلال غلق الجمعيات الشرعية وإحكام السيطرة على ما يصلها من تبرعات داخلية وخارجية.

ويستحوذ السلفيون على النسبة الأكبر من أموال التبرعات التي تصل للمساجد، بمبالغ ضخمة، وغالبا ما يتم جمعها تحت مبررات كثيرة، بينها صيانة دور العبادة وشراء احتياجاتها، وتزويج أبناء البسطاء والتكفل برعاية المحتاجين وشراء الأغذية للفقراء.

وكانت صناديق التبرعات آخر حبال العلاقة بين السلفيين والمساجد بعدما أقصتهم وزارة الأوقاف من المشهد الدعوي، وحرمتهم من الإمامة والخطابة، وحظرت عليهم الاستئثار بتقديم الدروس الدينية لإصرارهم على تبني خطاب يحض على التطرف.

وعكست الهجمة التي قادها منتمون لجماعات الإسلام السياسي، من إخوان وسلفيين، ضد القرار حجم استفادة هؤلاء من الأموال التي كانت تصل للمساجد دون رقابة من جهات رسمية، ليتم إنفاقها بطريقة تعود بالنفع عليهم.

وأظهرت ردود الفعل على شبكات التواصل الاجتماعي على قرار وزير الأوقاف حجم التأثير الذي زرعه التيار الإسلامي في أذهان الناس بشأن تبرعات المساجد، لدرجة أن البعض زعم أنها “حرب ضد إسلامية الدولة واستهداف للتكافل المجتمعي”.

وقال مؤيدون للخطوة إنها ضربة موجعة للتنظيمات الإسلامية التي لا تزال تعمل في الخفاء داخل المجتمع، وتتعامل مع أموال الزكاة والتبرعات باعتبارها السبيل الأمثل لاستمالة فئات بعينها تدين بالولاء لهذه التنظيمات لأنها تقدم لهم يد العون والمساعدة.

غلق الباب أمام التبرعات النقدية والعينية بالمساجد
غلق الباب أمام التبرعات النقدية والعينية بالمساجد

ونفى مسؤولون بوزارة الأوقاف أن تكون هناك نية لمنع الأعمال الخيرية، لكن قرار حظر التبرعات النقدية والعينية بالمساجد يستهدف منع استخدامها في أعمال غير إنسانية، مع إعادة النظر في الأموال التي تم جمعها وتحديد وجهتها.

ويرى مراقبون أن قرار الأوقاف يعكس تمسك الحكومة بأن تكون وحدها المهيمنة على المساجد وإبعادها عن التوظيف المشبوه في تحقيق مكاسب سياسية من أيّ نوع، تحت غطاء ديني، وتدرك أن المعركة مع التيار الإسلامي ممتدة وتحتاج لنفس طويل.

ويعتقد هؤلاء المراقبون أن الحكومة تضع السلفيين مع الإخوان في خانة واحدة، باعتبار أن أهدافهم متقاربة، ويتطلب الخلاص من الفكر المتشدد سياسة حكيمة لتغلغلهم في الشارع المصري أكثر من الإخوان حاليا، لكونهم نجحوا في تكوين قواعد شعبية بالعمل الخيري والإمامة والخطابة.

وبعد أن انتزعت منهم الدولة سلطة العمل الدعوي، كانت بحاجة لإقصائهم من المشهد كليّا بتجفيف منابع الدعم الشعبي المقدم إليهم من خلال العمل الخيري، لأن مخاطر ذلك تكاد تكون أكبر، فالسلفيون اعتادوا التركيز على البسطاء، وهم الشريحة الأكثر عددا في المجتمع، ليكونوا تحت أجنحتهم ويوظفونهم وقتما وكيفما يشاءون.

إعادة توجيه

Thumbnail

أطلقت الحكومة سلسلة مبادرات للحماية الاجتماعية تستهدف تحسين المستوى المعيشي للطبقات الدنيا، لأنها تعتقد أن السلفيين ينافسونها في ذلك لمآرب سياسية عبر زيادة قواعدهم الشعبية ليكونوا حصانة لهم ضد أيّ إقصاء نهائي مستقبلي، أو حمايتهم من أيّ استهداف قد يلحق بهم كما حصل مع الإخوان.

ولم تكن الحكومة غير مستريحة لوجود منافس لها في علاقتها مع البسطاء، وتعمل لتكون وحدها التي تقدم لهم يد العون كجزء من المسؤولية الواقعة عليها، بحيث تستطيع توظيف ذلك لاحقا في كونها نجحت في المهمة دون مساعدة من أيّ فصيل إسلامي، يمكن أن يطلب منها لاحقا مكافأة أو مزايا أو دفع فواتير سياسية.

الحكومة تتمسك بأن تكون وحدها المهيمنة على المساجد وإبعادها عن التوظيف المشبوه في تحقيق مكاسب سياسية

وأكد عمرو هاشم ربيع نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة أن السيطرة الحكومية على تبرعات المساجد ضربة لشريحة مهمة في جسم السلفيين الذين دأبوا على توظيفها لأغراض سياسية والاستمرار في المشهد كقوة دينية فاعلة بحصانة شعبية من البسطاء تحت غطاء المساعدات والكفالة.

وقال لـ”العرب” إن الكثير من الدوائر السياسية أصبحت ممتعضة من استمرار السلفيين في تقديم أنفسهم قوة موازية للحكومة اجتماعيا، ولديهم الوفرة المالية لتحسين مستوى بسطاء تستهدفهم الحكومة بمشروعاتها، في تكرار لما كان يفعله الإخوان، وهي الزاوية الخطيرة التي عجلت بوزارة الأوقاف لتجفيف منابعهم.

ويصعب فصل حظر وزارة الأوقاف صناديق التبرعات بالمساجد ليكون بديلها حسابات بنكية، عن مساعي الحكومة لتحقيق أكبر استفادة من أموال العمل الخيري، ويظهر ذلك في سيل الفتاوى التي صارت تصدر من مؤسسات دينية مختلفة قريبة من الحكومة تدعو للتبرع للمشروعات التنموية ومبادرات تحسين أحوال الفقراء.

وحالما وصلت تبرعات رواد المساجد إلى البنوك تحت مسمى العمل الخيري، فإنها ستكون تحت يد الحكومة تتصرف فيها كما تشاء، سواء على مشروعات تنموية أو مبادرات تستهدف تحسين معيشة البسطاء، طالما أن المؤسسات الدينية وفرت لها الغطاء الشرعي الذي يتيح لها توظيف أموال التبرعات لأهداف تنموية.

القرار ضربة موجعة للتنظيمات الإسلامية التي لا تزال تعمل في الخفاء داخل المجتمع عبر جمع التبرعات من المساجد

ودأبت الحكومة مؤخرا على تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الأموال التي لها علاقة بالأوقاف والأعمال الخيرية لتوجيهها ناحية العمل التنموي، مثل صناديق الزكاة، إذ تتخطى المحفظة المالية للوقف الإسلامي نحو تريليون و40 مليار جنيه، وهو مبلغ ضخم مقارنة بالأزمة الاقتصادية التي تواجهها الدولة.

وقد تكون السيطرة على صناديق التبرعات بالمساجد مقدمة أو رسالة ضمنية بأن صندوق الزكاة والصدقات التابع لمؤسسة الأزهر ويجمع سنويا أموالا ضخمة ربما لن ينجو من المقصلة، لإدراك الحكومة أن قصقصة أجنحة أيّ جهة دينية وتحجيم نفوذها يُفترض أن يبدأ من الاستحواذ على الإمبراطورية الاقتصادية لها.

وحذر متابعون من احتمال أن تؤدي سيطرة الحكومة على التبرعات إلى انخفاضها لعدم الثقة الكاملة من قبل شريحة من المواطنين في إمكانية أن تذهب أموال الصناديق إلى مستحقيها عن طريق الآليات التي وضعتها جهات رسمية.

7