مصر تحارب ختان الإناث بالمناهج الدراسية وتوعية الأطفال

أصبحت مصر مضطرة إلى البحث عن آليات وطرق جديدة للقضاء على ظاهرة ختان الإناث، بتوعية الأجيال الجديدة والأطفال، بعدما فقدت الأمل في تغيير هذه الثقافة عند كبار السن من الآباء والأمهات. وأضحى الأمل أيضا في أن يتم دمج مخاطر الختان على المرأة ضمن المناهج المدرسية للتلاميذ، في محاولة لمناهضة تحركات العائلات نحو التوسع في الظاهرة، وتنبيه النشء إلى أن هذه الثقافة تدمر المرأة وتودي بحياة الفتيات، وتجعل من زيجاتهن جحيمًا لا يطاق.
الاثنين 2016/08/01
مكافحة الظاهرة تتم باجتثاثها من جذورها

القاهرة - أطلقت منظمات نسائية في مصر مبادرة تضمين مخاطر ختان الإناث في المناهج المدرسية، واستجابت لها جميع نائبات البرلمان، ومعهن عدد كبير من النواب الرجال، في محاولة لتوعية الطلاب الذين سوف يكونون في المستقبل آباء وأمهات، بحيث تترسخ بداخلهم منذ الصغر فكرة سيئة عن الختان، تجعلهم لا يفكرون في تعريض الفتيات لهذا الفعل مستقبلا.

ولم تمانع وزارة التربية والتعليم المصرية في تضمين مخاطر ختان الإناث في المناهج الدراسية، بعدما انتهى رأي المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية إلى أن هذه الظاهرة “لم يدع إلى اتباعها أي دين سماوي، وتمثل خطورة على حياة الفتاة”.

وحرّمت الظاهرة دار الإفتاء المصرية، ورفضها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ومنعتها تماما الكنيسة. إلا أن هناك معتقدًا قويًا يربط الختان بالدين، جعل مصر ضمن أعلى دول العالم التي تجرى فيها حالات ختان إناث بنسبة 77 بالمئة، رغم نجاح 21 دولة أفريقية في التخلص منها.

ويظل ارتباط الختان بمفاهيم إيجابية في البيئة المصرية، مثل الطهارة والعفة والالتزام بالأخلاق الحميدة والقيم الدينية، أكبر عائق أمام نفاذ القانون الذي يعرّض الأب والأم ومن قام بعملية الختان إلى الحبس، خاصة أن هناك عائلات وصل بها الأمر إلى اعتبار الختان فرضًا، وعدم تنفيذه عارا، وإذا لم تختن الفتاة فقد تنحرف أخلاقيًا عند الكبر.

ويشار إلى حادثة شهيرة وقعت قبل شهرين في مصر ووصلت إلى محكمة الأسرة، حيث قام شاب ووالدته بتقييد زوجته وختانها، بعدما تأكد من عدم ختانها قبل الزواج.

ومن جانبها ترى هدى بدران رئيسة الاتحاد العام لنساء مصر، أن هناك حاجة إلى تغيير المفاهيم والطرق لمكافحة الظاهرة والبحث عن آليات جديدة باستهداف الجيل الجديد، بعدما أدركت جميع المؤسسات أن كل محاولات الإقناع بأن عملية الختان لا تؤدي إلى النتيجة المطلوبة مع الفتيات فشلت، وتحديدًا مع غير المتعلمين، وأصبح الحل في توعية الأطفال الذين سوف يصبحون مسؤولين عن الأسر في المستقبل، وبذلك يتم اجتثاث هذه العادة من جذورها.

وأضافت بدران لـ“العرب” أن المناهج الجديدة سوف تتضمن عدة مفاهيم عن الختان تفيد بأنها عادة “قاتلة ولا علاقة لها بالعفة والشرف، وأنها لا تحمي الفتاة من خطر الانحراف، وهناك الكثير ممن تعرضن لهذه الجريمة انحرفن وشوهن صور أسرهن”.

ومن ثمّ سوف يتم الخروج من دائرة توعية الأسر إلى مرحلة توعية إنتاج الأسر، وهذا التوجه كفيل بإمكانية القضاء على الظاهرة، إذا جرى تغيير ثقافة حديثي السن، بحيث يمكن مع الوقت أن يتولوا مهمة تغيير هذه النوعية من العادات مع أسرهم.

وقالت بدران “مع توعية الصغار من خلال المناهج والمدرسة، تكون هناك توعية إضافية لهم من خلال الجانب الثقافي في المجتمع، وقد جرى الاتفاق مع وزارتي الثقافة والشباب والرياضة على استخدام أساليب جديدة من التوعية عن طريق الفن والمسرح والسينما والتصوير والقصص القصيرة والراديو لإيصال الرسائل المطلوبة”.

التوعية عن طريق الفن والمسرح والسينما والتصوير والقصص القصيرة والراديو لإيصال الرسائل المطلوبة

ويبدو أن مصر اعتقدت بأن قسوة العقوبات هي السلاح القوي للتعامل مع أرباب الأسر أنفسهم وركنت توعيتهم جانبًا، فقررت نائبات البرلمان بالتعاون مع المنظمات النسائية، إعداد تشريع جديد يستهدف تغليب القانون وحده، بحيث تضمن التشريعات عقوبات رادعة تغلظ عقوبة ختان الإناث، بإضافة مادة إلى قانون العقوبات تعفي أهالي وشركاء الأهالي، غير الفاعل الأصلي، من العقاب في حالات الإبلاغ، ومد المسؤولية القانونية لتشمل -فضلا عن الأسرة- القائمين على المؤسسات الطبية في حال علمهم بالجريمة وتقصيرهم في التوصيف الصحيح للجرائم المرتبطة بالختان.

وفقا لتقديرات الجهاز المركزي المصري للإحصاء، فإن عدد النساء اللاتي تعرضن للختان في مصر يبلغ 27.2 مليون امرأة، وأن 92 بالمئة من النساء اللاتي سبق لهن الزواج في الفئة العمرية ما بين 15 و45 سنة خضعن للختان وأكثر من نصفهن تم ختانهن بين عمر 7 و10 سنوات، ونصف النساء اللاتي سبق لهن الزواج يعتقدن أن الزوج يفضل أن تكون زوجته مختونة وأقل من النصف يعتقدن أن ممارسة الختان تمنع الزنا بنسبة 46 بالمئة.

وفي السياق ذاته قال مصدر مسؤول بوزارة التعليم لـ“العرب” إن توعية صغار السن هي السبيل الأمثل للقضاء على الظاهرة، وأن الوزارة توافق المنظمات النسائية ونواب البرلمان في ما ذهبوا إليه من ضرورة توعية التلاميذ في سن مبكرة نسبيّا لتستمر معهم هذه التوعية مدى الحياة، على أن توضع أسس هذه التوعية في المناهج الجديدة التي يجري تحديثها خلال الفترة الحالية، بحيث يشارك في إعداد الدروس الخاصة بالختان أساتذة قانون ومؤسسات دينية ومنظمات حقوقية ونسائية، للوصول إلى الهدف المنشود.

وتواجه مصر مشكلة أكثر تعقيدًا من مشكلة إزاحة الأفكار المتوارثة المتعلقة بختان الفتاة، حيث يوجد عدد من الشيوخ ومصدري الفتاوى يؤيدون هذه العادة ويدافعون عنها ويتهمون الأسر التي ترفض ختان الفتاة بأنها “ضد تعاليم الإسلام”.

ومن جانبه أكد أشرف بيومي، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة الإسكندرية، أن مواجهة هؤلاء ومنعهم من الظهور في أي وسيلة إعلامية ومحاسبتهم كما يحاسب الطبيب المذنب أو رب الأسرة، تمثل أداة مهمة للقضاء على الظاهرة. وأضاف لـ”العرب” أنه لا يمكن إقناع الجيل الجديد بخطورة الختان وعدم جدواه، ومعاقبة الأب والأم على الختان، وهناك من يحث على إجرائه، ويتخذ الدين ذريعة لترهيب المعادين له.

ولفت إلى أن القانون وحده غير كافٍ لإزالة هذه العادة من عقول الناس، إذ يجب تضمين قضية الختان في المناهج وتغليظ العقوبة وإبعاد شيوخ التطرف الديني عن المشهد، فذلك يمثل الحل الأمثل لنبذ هذه الممارسة.

21