مصر تحارب ختان الإناث بطرق الأبواب وجلسات الفضفضة

الاستعانة بمتخصصين نفسيين واجتماعيين تسهل عملية إقناع الأسر بمساوئ الظاهرة.
السبت 2020/12/05
الاحتكاك المباشر بالأهالي أكثر نجاعة من الحملات التحسيسية

أدى قصور القوانين والحملات الإعلامية عن ردع العديد من الأسر المصرية وخصوصا تلك المقيمة بالأرياف، عن ختان بناتها إلى ضرورة النزول إلى أرض الميدان للاحتكاك المباشر بالأهالي لإقناعهم بعدم جدوى هذه العادة في الحفاظ على شرف العائلات حسب اعتقادهم، وتفسير المخاطر الصحية التي تعود على الفتاة من ورائها.

القاهرة - يبدو أن الحكومة المصرية أدركت عدم فائدة أية عقوبات أو حملات إعلامية لإقناع الأسر بالعدول عن ختان الإناث وأضراره على الفتيات، فقررت النزول إلى أرض الميدان والاحتكاك المباشر مع الأهالي، كبداية لتغيير معتقدات مجتمعية.

وبدأت المؤسسات المعنية بشؤون المرأة في مصر التعامل بواقعية مع ظاهرة ختان الإناث، من خلال تحديد المناطق التي تنتشر فيها هذه العادة الخاطئة والنزول إليها وعقد لقاءات مع سكانها، خاصة الآباء والأجداد، لتغيير مفهوم الختان.

ويشارك في الجولات الميدانية ممثلو المجلس القومي للمرأة في مختلف المحافظات المصرية، والرائدات الريفيات، وأعضاء المنظمات النسائية ونخبة من المتخصصين النفسيين والاجتماعيين، ومجموعة من الواعظات اللاتي يتمتعن بفكر معتدل وثقة عند الناس.

وتنقسم الخطة إلى محورين، الأول يقوم على طرق الأبواب والتحاور المباشر مع الأهالي داخل وأمام بيوتهم في جلسات فضفضة لتحديد الأسباب التي تدفعهم إلى ختان الفتاة، ومحاولة ضرب المعتقدات بأسلوب علمي وديني بسيط يتناسب مع مستوى تعليمهم وظروفهم الاجتماعية.

ويقوم المحور الثاني على عقد لقاءات جماهيرية داخل كل منطقة، وسماع وجهة نظر الآباء والأمهات والأجداد، ثم الرد عليها بطريقة تدفعهم إلى الاقتناع بأن الختان بعيد عن الدين، وعادة خاطئة تلحق أضرارا نفسية وجسدية بالبنت، مع تقديم أدلة تثبت ذلك.

وما يميز التحرك أنه تتمّ فيه الاستعانة بشخصيات موثوق بها في المنطقة المستهدفة، مثل كبار العائلات والشيوخ المعتدلين فكريا ودينيا، وأصحاب العقليات المتزنة المشهود لهم بالمصداقية، حيث تتلقى الأسر المستهدفة كل معلومة من أفراد الحملة بثقة.

ويشارك معلمون ومعلمات في المهمة مع المتخصصين، باعتبارهم أكثر فئة مقربة من شريحة المراهقين والشباب (الطلاب)، كما أنهم يمثلون لأهالي المناطق البسيطة والمهمشة القدوة الحسنة، وبإمكانهم التأثير في قناعات أولياء أمور تلاميذهم.

وقالت هالة محمد، وهي رائدة ريفية بإحدى قرى محافظة البحيرة شمال القاهرة، إن ما يلفت الانتباه هو عدم دراية الفئة المستهدفة بوجود قانون يجرم الختان، وعدم معرفتهم عن الفعل سوى أنه يحصن الفتاة من الضعف وإقامة علاقة جنسية خارج إطار زواج.

الموقف الواضح والمعلن من المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية بتحريم الختان ونفي علاقته بالأديان السماوية لم يفلح في تغيير العقليات

وأضافت لـ”العرب”، أن الكثير من أرباب الأسر اقتنعوا بحرمانية الختان وخطورته على حياة الفتاة، حيث تستهدف الحملة ضرب الموروث الثقافي والعرفي عند الآباء والأمهات والأجداد، وكل واحد يبرر موقفه بأنه تربى على ذلك دون أن يجد من يرشده ويصحح مفاهيمه.

وأشارت إلى أنه يتم تثقيف الناس على أن التربية الصحيحة من جانب الأسرة هي التي تحمي الفتاة من الانحراف وليس الختان، بدليل أن أغلب المشاركات في الحملة لم يتعرضن لهذا الفعل في الصغر، ولم يسلكن طرقا مشبوهة، في حين أن هناك منحرفات جرى ختانهن.

وظل التحرك لمواجهة ختان الإناث على الأرض ثقافة غائبة عن الحكومة لسنوات طويلة، حيث اعتادت الحد من الظاهرة بالتمادي في تغليظ العقوبة حتى وصلت إلى السجن المشدد بالنسبة إلى الأب والطبيب الذي يتولى مهمة الختان، دون البحث في المبررات وعلاجها بشكل واقعي.

ولم يفلح الموقف الواضح والمعلن من المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية بتحريم الختان ونفي علاقته بالأديان السماوية في تغيير قناعات الناس، لأن رجال الدين المقيمين في هذه المناطق كلمتهم مسموعة، وتكاد تكون مقدسة، خاصة السلفيين الذين لديهم قدرة فائقة على الإقناع واللعب على وتر تديّن البسطاء بالفطرة.

وتكمن الأزمة في أن المؤمنين بالختان يتعاملون معه كفريضة مرتبطة بالطهارة والعفة والالتزام والأخلاق الحميدة، وهناك عائلات تعتبر أن عدم تنفيذ هذا الفرض قد يلحق بها العار والفضيحة إذا تقدم شاب إلى الفتاة ليخطبها وعرف أنها لم تختن بعد.

وبلغ تقديس العادة في بعض المناطق درجة أن أزواجا يقومون بختان الزوجات، وقد تُختن الفتاة أكثر من مرة بدعوى حمايتها من الانحراف والحد من شهوتها الجنسية، وسط حالة الانفلات الأخلاقي التي أصبحت ظاهرة.

ومعضلة العقوبات أنها لا تطبق بحكم السرية التي تفرضها الأسرة على العملية برمتها، ويصعب أن يبلغ الجيران عن بعضهم لإيمانهم بأن ذلك من الأمورالضرورية، وتقريبا لم تشهد مصر منذ تغليظ العقوبة سوى محاسبة أعداد بسيطة من الأهالي تعرضت فتياتهن إلى الإيذاء الجسدي والموت بسبب الختان.

ولأن الأزمة كلها مرتبطة بالمفاهيم الخاطئة، كان النزول إلى أرض الواقع حتميا، فالمناطق التي تنتشر فيها الظاهرة لا تصل إليها رسائل الإعلام أو خطاب المؤسسات الدينية، أو حتى التهديدات الحكومية بالحبس والغرامة، لأن التقاليد لا تزال مهيمنة.

وحسب إحصائية للجهاز المركزي المصري للإحصاء (جهة حكومية)، فإن 27 مليون امرأة تعرضن للختان، وهناك 92 في المئة من النساء المتزوجات خضعن للختان، ونصفهن يعتقدن أن الرجل يفضل الزوجة المختونة ويثق في أخلاقها.

وأكثر ما يميز الاحتكاك المباشر مع الأهالي أنه يتم ترهيبهم بالمخاطر الصحية التي تصيب الفتيات، لأن أغلب هذه الفئة من الأميين الذين لديهم جهل بالآثار السلبية للختان على الأنثى، وكيف أن الأضرار المستقبلية تكون نتيجة طبيعية لهذا الفعل.

ويتم تقديم أدلة على عدم ارتباط الختان بالدين، بل إن الفقهاء ودور الإفتاء الإسلامية أجمعوا على تحريمه، وهو ما يطعن في المعتقدات الخاطئة التي زرعها أئمة التشدد في المناطق الريفية والشعبية والقبلية، وآمن بها الآباء والأجداد وورّثوها للأبناء.

ويستند شيوخ التطرف في المناطق التي ينتشر فيها الختان إلى فتاوى قديمة عن جهات رسمية تبيح الفعل وتمتدحه، بينها التي صدرت عن دار الإفتاء في ثمانينات القرن الماضي، ووصفت الأب الممتنع عن الختان بأنه آثم ويروج للانحراف.

ورأت فاطمة حسن، وهي استشارية في العلاقات الأسرية، أن المواجهة الفكرية والدينية على الأرض هي السبيل الوحيد لضرب المعتقدات الخاطئة عن الختان، لأن الشريحة الأكثر إيمانا به تتسم بالجهل واستسهال نقل الموروثات، والعلاج في الحوار المباشر.

وأوضحت لـ”العرب”، أن النزول إلى الميدان خطوة تأخرت كثيرا، لكنها لن يكتب لها النجاح طالما استمر المحرضون على الختان يعبثون بعقول الناس باسم العفة والطهارة، وعلى المؤسسات الدينية النزول إلى البسطاء بخطاب شعبوي سهل.

وأكدت أن استئصال الختان كداء مجتمعي يتطلب استمرار العلاج الميداني لأطول فترة ممكنة، مع تضمين المناهج الدراسية بأسانيد بسيطة تطعن في الميراث الفكري حتى يتربى الصغار على بغض هذا التصرف، وتصحح مفاهيم الكبار باللقاءات.

وبغض النظر عن شمولية حملة طرق الأبواب لكل المحافظات المصرية من عدمها، إلا أنها أظهرت أن القانون لا يستطيع تغيير السلوكيات والعادات، ولا بديل عن الاشتباك مع الواقع نفسه إذا كانت هناك إرادة سياسية لوقف العنف ضد المرأة بأي مجتمع.

21