مصر تحارب ظاهرة أطفال الشوارع بأفلام تسجيلية

درجات ثلاث فقط، انتقلت بالصغير يوسف (9 سنوات) من عالم المشردين إلى عالم آخر جديد، وقرر صعود هذا الدرج بعد أن جذبته تلك السيارة المزينة والمغطى هيكلها بلقطات مصورة لأطفال في مثل عمره، بملابسهم النظيفة يمرحون والابتسامة تعلو وجوههم.
الاثنين 2017/12/11
الشارع ليس مكانك

القاهرة – انتهجت وزارة التضامن الاجتماعي في مصر نهجا جديدا لمواجهة ظاهرة أطفال الشوارع، والتفتت إلى ضرورة الاستعانة بالعوامل البصرية الجذابة لإقناعهم باللجوء إلى دور رعاية تؤويهم وتحفظ براءتهم من الانتهاك.

بثت الوزارة رسالة إنسانية تشدد فيها على أن الشارع ليس مكانا آمنا لهؤلاء الصغار، ممن فقدوا دفء الأسرة وحنان الوالدين، من خلال فيلم تسجيلي حمل عنوان “الشارع مش (ليس) مكانك”، ضمن برنامج “أطفال بلا مآوى”، الذي تم تدشينه مؤخرا للقضاء على واحدة من أخطر المشكلات المجتمعية والتي تهدد الكثير من الأسر في مصر.

ويقع غالبية أطفال الشوارع تحت تهديد أشخاص يتربحون من التسول، جاعلين من هؤلاء الأبرياء أداة لتحقيق مآربهم، إلى درجة أنه يصعب إقناع أحدهم باللجوء إلى دور الرعاية، ويفضّل العيش تحت رحمة منحرف خوفا من تعرضه للضرب أو الكي بالنار.

استخدمت وزارة التضامن الاجتماعي طريقة جديدة جاذبة للأطفال، وقامت بعرض فيلم عبر شاشات كبيرة تحملها حافلات متنقلة، وتم تزيينها بصور فوتوغرافية لصبية يمرحون ويلعبون بملابسهم النظيفة.

ما إن يشاهدها الطفل الجالس على أحد الأرصفة بلا قوت أو غطاء حتى تسيطر عليه الرغبة في العيش مثل هؤلاء الموجودين في الصور، وتجول 17 حافلة محافظات مصر للبحث عن المشردين وإعادة تأهيلهم، ويبرز الفيلم في دقائق معدودة، مراحل مشروع أطفال بلا مأوى وكيفية تجهيز دور الرعاية، وأماكن تجمع أطفال الشوارع.

وقع الاختيار على الطفل يوسف عمر، ليكون بطلا للفيلم، وكانت نظرة عيني يوسف في إحدى اللقطات كفيلة بكشف المأساة التي عاشها، لذا وأثناء جلوسه في ملعب لكرة القدم، بعث برسالة إلى من لا يزالون يتخذون من الشوارع مأوى لهم، وقال “أنا بقول لكل طفل في الشارع، تعالى هنا فيه أكل وشرب ومكان نظيف وناس بيحبوك”.

واحتوى الفيلم على العديد من اللقطات الأخرى الجاذبة، وفي مشهده الأول تظهر يدان صغيرتان تعزفان على آلة “الأكسليفون”، ثم لقطة لأحد الأشخاص يساعد طفلا آخر على ارتداء ملابسه، وحوله مجموعة أطفال يضحكون ويمرحون وينظر أحدهم إلى الكاميرا بخجل، وهذا الأخير هو يوسف بطل الفيلم.

قبل تدشين برنامج "أطفال بلا مأوى"، استعانت وزارة التضامن بتجارب من دول شرق آسيا في معالجة ظاهرة أطفال الشوارع

الفيلم الذي يتم عرضه في حافلات تتنقل بين الأحياء الشعبية المعروفة بتجمع هؤلاء الأطفال، تم عرضه مؤخرا في المسابقة الرسمية لمهرجان يوسف شاهين للأفلام الروائية والتسجيلية، كواحد من أهم الأفلام التي عالجت هذه القضية، وتناولها مخرجه بشكل سينمائي في صورة غير نمطية للفيلم التسجيلي.

وهو ما منح الفيلم اهتماما جماهيريا كبيرا، وفقا لتصريحات مخرجه مهند دياب، وهو استشاري التوثيق المرئي في وزارة التضامن الاجتماعي، وقال لـ”العرب” إنه راعى أن تكون معالجته لظاهرة أطفال الشوارع من على أرض الواقع.

ومن أجل تحقيق ذلك، استعان دياب بالطفل يوسف عمر كنموذج إيجابي للأطفال الذين تم إنقاذهم من ضياع الشارع، وفي الوقت ذاته ليكون مشجعا للآخرين على الانضمام إلى البرنامج.

وتحتاج مثل هذه المبادرات إلى فريق عمل يدرك حجم المآسي التي يعانيها أطفال الشوارع، وتسيطر عليه الرغبة في انتشالهم من المخاطر، وهو ما جزموا به في قسم فريق الشارع المعني بالبحث عن هؤلاء المشردين.

وحرص مخرج الفيلم على عرض فريق العمل وهم يؤدون القسم بصحبة وزيرة التضامن المصرية غادة والي، على الشرف والأمانة ومنح الطفل الحب والأمان.

لا تقتصر الحافلات على أنها وسيلة لعرض الفيلم عبر شاشة ضخمة فقط، في رحلتها الواحدة التي تستغرق نحو 6 ساعات، داخل أحياء عشوائية معروفة بوجود أطفال الشوارع بين حواريها مثل بولاق الدكرور وأرض اللواء بالقاهرة، بل تعتبر الحافلة مكانا لتأهيل الطفل للذهاب إلى إحدى دور الأيتام، من خلال أخصائي نفسي مصاحب لفريق عمل الشارع.

في رحلة لفريق الشارع كانت “العرب” حاضرة، ولمحت الطفل مصطفى (9 سنوات) يصعد إلى داخل العربة بعينين ترصدان ما يحدث وتترقبان ما هو آت، بعدها يستقبله الأخصائي الاجتماعي والأخصائي النفسي، ويدعوانه إلى الجلوس بجوار أطفال آخرين.

تحتاج مثل هذه المبادرات إلى فريق عمل يدرك حجم المآسي التي يعانيها أطفال الشوارع، وتسيطر عليه الرغبة في انتشالهم من المخاطر

تتلاشى الرهبة من داخل مصطفى، بمجرد أن يتبادل حديثا وديا مع هؤلاء الأطفال، وبعد وقت قصير تنشأ بينهم الألفة، حتى يفاجأ الطفل بأحد أعضاء فريق العمل يسأله ماذا يحب أن يلعب؟ ويعرض عليه عددا من الألعاب ليختار واحدة، كما تضم الحافلة كذلك ألعاب “الفيديو جيم”.

يعمل أعضاء الفريق على توعية الطفل بالمخاطر التي قد يتعرض لها في حياة الشارع، ويكونوا في ذلك شديدي الحرص عند معاملة الطفل للمرة الأولى كي يأنس لهم.

وقبل تدشين برنامج “أطفال بلا مأوى”، استعانت وزارة التضامن بتجارب من دول شرق آسيا في معالجة ظاهرة أطفال الشوارع، وسافر عدد من المتدربين إلى دولة كمبوديا التي عانت من هذه الظاهرة لسنوات، للتدريب على كيفية معالجة هذه الظاهرة تصاحبها فترة معايشة في عدة دور للرعاية، وهذا ما لفت إليه مدير برنامج حماية أطفال بلا مأوى بالوزارة حسني يوسف.

ويقول يوسف لـ”العرب” إن البرنامج تم بالتعاون بين وزارة التضامن الاجتماعي و27 منظمة من منظمات المجتمع المدني، والمجلس القومي للأمومة والطفولة.

يصاحب يوسف فريق العمل بالحافلة التي تقصد المناطق العشوائية وأسفل الكباري، وعددهم خمسة أفراد، بينهم أخصائي اجتماعي وآخر نفسي وثالث تربوي ومشرف وسائق، وهذا الفريق يتعرف على أسباب وجود الطفل في الشارع.

بخلاف فقدان الأبوين، هناك حالات فرّت من بين أحضان العائلة لوجود خلل أسري بسبب ضيق ذات اليد، ما دفع بعض الصغار إلى النزول إلى سوق العمل في سن مبكرة، وتعالج وزارة التضامن هذه الحالات بمنح الأسرة قرضا ميسرا، أو إقامة مشروعات متناهية الصغر.

ويأمل البرنامج في تحويل مشهد النهاية في الفيلم إلى أرض الواقع والقضاء على هذه الظاهرة، حيث يتلقى الأطفال التعليم ويلعبون كرة القدم، ويأكلون طعاما صحيا في دور الرعاية، بدعوة من الطفل يوسف في اللقطة الأخيرة وهو يناشد كل أطفال الشوارع قائلا “تعالوا عيشوا هنا”.

21