مصر تحاصر الإرهاب بقرى دفاعية في المناطق الحدودية المنسية

يؤكد الخبراء على ضرورة تنفيذ الوعود المؤجّلة بتنمية منطقة سيناء، وكل المحافظات الحدودية المنسية، لتكون خطّ الدفاع الأول ضدّ أي عدوان خارجي. وفي ظلّ الظروف الحالية تعتبر المشاريع التنموية والتعليمية والاقتصادية رأس حربة المخططات العسكرية والدفاعية لصدّ أي تهديد إرهابي.
الخميس 2015/08/27
الإرهاب يحارب بالمشاريع التنموية قبل الأسلحة العسكرية

أضحت الخطط العسكرية التقليدية قاصرة أمام مواجهة المدّ الإرهابي وتهديداته لشبه جزيرة سيناء ومصر عموما، الأمر الذي يدفع صنّاع القرار إلى البحث عن تطوير هذه الخطط ورفدها بخطط تكميلية أخرى، في مختلف المجالات.

والتنمية، وفق الأمنيين وخبراء الاجتماع والاقتصاد، رأس حربة هذه الخطط، خاصة في ما يتعلّق بالمناطق الحدودية المنسية، التي تعتبر مصدر الخطر الرئيسي.

إيمانا منها بأن سيناء دون تنمية ستظل مصدرا للخطر على أمن البلاد أصدرت الرئاسة المصرية، ضمن خطط دفع الحكومات والجهات المعنية على توسيع إجراءاتها التنفيذية لمحاصرة التنظيمات الإرهابية، مؤخّرا مرسوما بشأن قانون لتنمية سيناء، يسمح للأهالي بتملك الأراضي.

تأتي هذه الخطوة استجابة لمطلب، طالما ألحّ عليه المواطنون لسنوات طويلة، وكان سببا أحيانا لتحريض التنظيمات الإرهابية ضد الدولة، بزعم أن مواطني سيناء يفتقدون لحقوق التملك التي يتمتع بها غيرهم في محافظات مصر، وهو ما سهّل استقطاب فئة من الشباب لصفوف الجماعات الإرهابية، لضرب مؤسسات الدولة ورجال الجيش والشرطة.

المقاربة التنموية الجديدة لا تقتصر على سيناء، بل تتسع لتشمل مناطق حدودية في شرق مصر وجنوبها وغربها، حيث ستتولى الهيئات المعنية في الدولة إنشاء وحدات سكنيّة في منطقة الضبعة بالقرب من الحدود المصرية الليبية، وفي النوبة القريبة من الحدود المصرية السودانية، فضلا عن سيناء. وهو ما وصفه خبراء أمنيون بـ”القرى الدفاعية”، وأكدوا لـ”العرب” أن تلك القرى التي سيتم إنشاؤها في المناطق الحدودية، تمثل خط دفاع أول للأمن القومي المصري.

إذا لم تكف الدولة عن معاملة السيناوي كمواطن من درجة ثانية فسيكون من الصعب احتواء كوارث الإرهاب

أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارا بقانون رقم 95 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 14 لسنة 2012 بشأن التنمية المتكاملة فى شبه جزيرة سيناء. وراعى القانون مقتضيات الأمن القومي، بحظر تملك أراض بسيناء لغير حاملي الجنسية المصرية، واشترط في من يحق له التملك أن يكون من أصول مصرية حتى الجد الثالث، لقطع الطريق على أصحاب الأصول الأجنبية، من تملك أراض هناك.

وقد أثير جدل، في وقت سابق، حول قضية منح جماعة الإخوان، إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، الجنسية المصرية لعدد من قاطني سيناء ذوي الأصول الفلسطينية.

ويعيش في المناطق الحدودية بسيناء عدد من غير حاملي الجنسية، ويتنقلون بين سيناء وصحراء النقب، وينتمون لقبائل مهاجرة، وتربطهم علاقات مصاهرة مع عرب إسرائيل، إلى جانب وجود مجموعة من حاملي الجنسية المصرية، اكتسبوها بالإقامة عشرات السنين، بينما ينتمي أجدادهم إلى جنسيات أخرى.

أمن قومي

أكد نجيب حسن، الأمين العام لجمعية المستثمرين بسيناء، وأحد أبناء مدينة العريش، أن التشدّد في اشتراط إثبات الجنسية المصرية، يعيق حقّ التملك لأبناء سيناء، ويبقي على الأزمة قائمة ويعمق من شعور الاضطهاد.

وقال نجيب، لـ“العرب”: نحن مصريون، وقبل العام 1967 لم تكن هناك سجلاّت لأبناء سيناء، وعقب تحريرها عام 1973، تم وضع هذه السجلات، فكيف لهم أن يأتوا بمحررات رسمية لجدهم الثاني والثالث للحصول على حق التملك، ومن أين يتم الحصول على هذه الأوراق الثبوتية؟

صالح المصري: التنمية في سيناء وغيرها من المناطق الحدودية أهم آليات محاصرة الإرهاب

ويؤكد نجيب أن التنمية أساس مواجهة الإرهاب، على أن تحقق القوانين المساواة بين المواطنين المصريين في سيناء وغيرها من المحافظات، وتراعي طبيعة المواطن السيناوي، فلا يجوز قصر التملك بسعر جُنَيْهَيْن (نحو 23 سنتا) على 400 متر مملوكة بالفعل للسيناوي بينما يضطر لشراء باقي منزله الذي يملكه بالفعل، بسعر السوق.

في ردّ على الجدل الذي أثاره شرط الجنسية المصرية لتملّك الأراضي في سيناء، قال اللواء صالح المصري، مساعد وزير الداخلية السابق لشمال سيناء، لـ“العرب”، إن إثبات الأصول المصرية لبدو سيناء يمكن تحققه بسهولة عبر تشكيل لجنة تضم مسؤولين من مصلحتي الجوازات والاستخبارات العسكرية، فضلا عن شيوخ قبائل، وإزالة معوقات إثبات الجنسية حتى الجد الثالث، وهي عملية لن تكون صعبة.

وشدّد على أن الغالبية العظمى من أبناء سيناء وطنيون، غير أن هناك قبيلة العزازمة على الحدود مع اسرائيل، أبناؤها دون جنسية، ونصف أعضاء القبيلة يعيشون في الطرف الآخر، ويعملون ضمن حرس الحدود الإسرائيلي، أي أن أبناء عمومتهم جنود في جيش الاحتلال، وهذا بالطبع يشكل خطرا على الأمن القومي للبلاد. لذلك كان شرط الجنسية المصرية للتملك حتى الجد الثالث، مسألة ضرورية، فالتنمية تحاصر الإرهاب، وتراعي مقتضيات الأمن القومي.

وقد عالج القانون الجديد احتياجات الأمن القومي الخاصة بالإبرار العسكري واحتياجات إخلاء مناطق، كما حدث في رفح للقضاء على الأنفاق، حيث نص على أنه “يحظر التملك أو حق الانتفاع أو الإيجار أو أي نوع من التصرفات في الأراضي والعقارات في المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية والتي لا يجوز تملكها وفقا للقرار الجمهوري رقم 152 لسنة 2001، والمناطق المتاخمة لحدود جمهورية مصر العربية”.

قرى دفاعية

ألزم القانون المستثمرين الأجانب الراغبين في الاستثمار في مشروعات بشبه جزيرة سيناء، بالعمل عبر شركات مساهمة، لا تقل ملكية المصريين في أسهمها عن 55 بالمئة من رأس المال، ويحق لغير المصريين الحصول على مساكن وأراض بحق الانتفاع لمدة أقصاها 50 سنة، ومع ذلك تجوز معاملة مواطني الدول العربية معاملة المصريين، بقرار من رئيس الجمهورية لأسباب يقدرها وبعد موافقة جهاز تنمية سيناء، والأجهزة الأمنية المعنية والقوات المسلحة.

شرط الجنسية المصرية للتملك حتى الجد الثالث، مسألة ضرورية، فالتنمية تحاصر الإرهاب، وتراعي مقتضيات الأمن القومي

أكد اللواء رجائي عطية، مؤسس فرقة 777 لمكافحة الإرهاب، أن المشروعات التنموية بالمناطق الحدودية، تحقق أهدافا أمنية، في مواجهة أي عدوان خارجي (تنظيمات إرهابية أو دول معادية)، ومن ثم يجب إقامة مصانع أمنية وقرى دفاعية، تكون بمثابة نقطة أولى للالتقاء بالعدو، وصد هجماته عبر المقاومة الشعبية القاطنة في تلك القرى والمدن الصناعية.

وأضاف عطية، في تصريحات لـ”العرب”، أن بناء القرى الدفاعية والمدن الصناعية، في المناطق الحدودية، سوف يجعل قرابة 10 ملايين مصري، يقيمون بشكل دائم، ينتجون في مجالات الزراعة والصناعة، ومن ثم يحققون دخلا قوميا، مشيرا إلى أن كلفة بناء القرية لن يتخطى ثمن طائرة، من ثم فالتنمية الدفاعية أقل من تكلفة التسلح، وتؤدي دورا كبيرا في الحفاظ على الأمن القومي.

وشدّد عطية على أن خطر الحدود الغربية على أمن مصر لا يقل عن خطر الحدود الشرقية، مع تنامي الإرهاب في ليبيا، وسعي دول معادية إلى استهداف مصر عبر حدودها الغربية، من خلال تنظيمات إرهابية. ونوه إلى أهمية تنمية منطقة منخض القطارة بالصحراء الغربية وإنشاء قرى دفاعية في منطقة الضبعة القريبة من الحدود الليبية.

6