مصر تحاصر الإسلاميين بفرض خطبة مكتوبة لصلاة الجمعة

الطريق الأقصر والأمثل للتأثير على جموع العامة والبسطاء، وتحريضهم ضد الدولة والمجتمع، بالنسبة إلى جماعات التكفير والتطرف والإرهاب، هو خطب الجمعة، لما لها من وقع نفسي خاص، وارتباط بالمنظومة الاجتماعية، وخطب الجمعة في العالمين العربي والإسلامي، كانت ولا تزال تحيد عن دورها التعبدي، ويذهب بها الإسلام السياسي نحو مآربه التكفيرية والتحريضية، وذلك عبر افتكاك المنابر من قبل المجموعات المتطرفة، أو تجنيد أئمّة وخطباء متورطين مع الفكر الإرهابي، بقصد التأثير على جموع المصلين واستقطاب الفئات الشبابية وأصحاب العقول البسيطة لزجّها في عملياتها الإجرامية.
الجمعة 2016/07/15
خطبة واحدة وموحدة للمصريين ضد التطرف والإرهاب

القاهرة - الحكومة المصرية تعمل على محاصرة التطرف والإرهاب اللذين يهدّدان أمن واستقرار البلاد، وقد سارعت إلى إيجاد حلّ يضمن لها خلوّ منابر المساجد من خطباء الفتنة والتحريض، ويتمثّل هذا الحل -الذي قد يختلف حوله البعض من المتخصصين- في إقرارها لخطب مكتوبة، تقع قراءتها في المساجد دون زيادة أو نقصان.

وبهذه الخطوة الوقائية، تكون وزارة الأوقاف المصرية، قضت على الأمل الأخير لتيار الإسلام السياسي في استخدام المساجد لأغراض سياسية، وأقرت أن تكون خطبة الجمعة مكتوبة، ويقرأها الأئمة دون الخروج عن النص.

جاءت هذه الخطوة الأولى في تاريخ المساجد المصرية، وسط رفض واسع من الأئمة الذين اعتبروا الأمر إهانة بالغة لهم وعدم ثقة في قدراتهم، وتأتي استكمالا لإجراءات أقرتها مؤخرا وزارة الأوقاف لضبط السيولة الحاصلة في المساجد وعدم توظيفها سياسيا من قبل فصائل دينية بعينها.

كانت الوزارة قد اتخذت من قبل قرارا شددت فيه على قصر الخطابة على خريجي الأزهر، ومنع السلفيين من اعتلاء المنابر، ما أدخلها في مواجهة مع التيار السلفي، لا تزال تداعياتها مستمرة، فضلا عن توحيد خطبة الجمعة وإلزام الأئمة بموضوع محدد للحديث عنه. حاولت وزارة الأوقاف توضيح رؤيتها للأئمة قصد تخفيف حدة الغضب بينهم، وقالت إن تفعيل “الخطبة المكتوبة يضبط الخطابة ويخدم بالأساس وسطية الإسلام ويقضي على الأفكار المتطرفة بالمساجد، وعدم إطلاق العنان للأئمة للحديث على المنابر في قضايا متشعبة”.

وأكدت الوزارة أن البعض من الخطباء لا يملكون أنفسهم على المنبر، سواء بالإطالة في الخطبة أم بالخروج عن الموضوع إلى موضوعات أو جزئيات متناثرة لا علاقة لها بالموضوع بما يربك المستمع ويشتت ذهنه، ويضيع المعنى المقصود من وراء الموضوع، بالدخول في أمور سياسية أو حزبية لا علاقة لها بمضمون خطبة الجمعة، فيكون أداؤهم للخطبة المكتوبة مقروءة على المنبر أيسر وأحكم من باب التيسير على هؤلاء.

أئمة يشيرون في بداية الخطبة إلى (الموضوع الذي تريده الوزارة) للحيلولة دون معاقبتهم، وبعد ذلك يخوضون في موضوع آخر

يقود شيوخ بالجماعة السلفية غضب الأئمة ضد وزارة الأوقاف، بذريعة أن فرض موضوع واحد للخطبة دون الخروج عن النص، ضد تجديد الخطاب الديني الذي دعا إليه الرئيس عبدالفتاح السيسي، في حين أن أئمة المساجد محظور عليهم التجديد والبحث في القضايا الدينية، لأنهم سيكونون محصورين في قضية واحدة، يُعرف مسبقا ماذا سيقولونه للناس في الخطبة.

لجأت وزارة الأوقاف إلى سياسة التهديد بالعقاب القاسي للمخالفين لقرار الخطبة المكتوبة، بعدما فشلت في إقناعهم بوجهة نظرها بعد اجتماعات مكثفة عقدها الوزير مختار جمعة مع ممثلين للأئمة.

وقال جمعة “سأكون أول من يلتزم بالقراءة من الورقة أثناء خطبة الجمعة”، وجرى تشكيل لجان متعددة لمراقبة المساجد لأجل التأكد من تطبيق النظام الجديد في الخطابة بدءا من أغسطس المقبل.

وقد أوضح الشيخ أحمد صابر، من أئمة الأوقاف بإحدى محافظات الوجه البحري، أن هناك مشاورات بين عدد من الأئمة لتصعيد الموقف الرافض للخطبة المكتوبة، لأنها تمثل “إهانة بالغة للأئمة وتكمم أفواههم عن التحدث في الشؤون الدينية على المنبر، وتقتل البحث في الدين إذ تقف بالمرصاد ضد كل ما هو جديد، وهذا يعني تجميد الخطاب الديني للأبد”.

وأضاف لـ”العرب” أن ما يحدث “تأميم حقيقي لخطبة الجمعة، لأن حديث المسؤولين عن محاربة التطرف والفوضى ليس بحصار مضمون الخطبة، إنما يأتي من خلال إعداد وتدريب الدعاة بشكل سليم بما يتواءم مع متطلبات العصر الحديث، ثم توكل لهم مهمة محاربة التطرف والفوضى وبث روح الوسطية والسماحة بين الناس بعيدا عن التشدد”.

الحاصل الآن أن الوزارة تلغي دور المساجد التابعة لها ما قد يدفع بالبعض إلى اللجوء للمساجد التي يسيطر عليها متشددون وزيادة استقطاب الشباب نحوهم.

قال مسؤولون بوزارة الأوقاف إن الخطبة الموحدة والمكتوبة سوف يشارك في إعدادها علماء الأزهر ووزارة الأوقاف، وسيكون ضمن أعضائها شخصيات ستسدي برأيها في كتابة الخطبة، وهذه الشخصيات هي من لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بالبرلمان، كما أن علماء النفس والاجتماع والتنمية البشرية سيكون لهم دور في ذلك.

الخطبة الموحدة والمكتوبة سوف يشارك في إعدادها علماء الأزهر ووزارة الأوقاف، وعلماء النفس والاجتماع والتنمية البشرية

ويرى مراقبون أن حصار الاستغلال السياسي والحزبي للمساجد قد يأتي بنتائج عكسية، بيد أن البعض من التيارات المتطرفة قد تجد أرضا خصبة لتقديم نفسها بديلًا لدعاة وزارة الأوقاف الذين سيكون كل دورهم متمثلا في “القراءة من ورقة” عن موضوع بلا قيمة، وتصبح الخطب الرسمية “مهجورة من الناس″، ممّا قد يزيد من الخطاب المتشدد، وتحديدا في المناطق المعروف عنها التمركز السلفي والإسلامي على غرار سيناء والبعض من محافظات الوجه البحري.

وسألت “العرب” مسؤولًا بوزارة الأوقاف رفض ذكر اسمه، عن ماهية الخطبة المكتوبة ما دام هناك التزام بالخطبة الموحدة التي ترسلها الوزارة للأئمة مسبقا، فأجاب بأن الوزارة اكتشفت وجود أئمة يشيرون في بداية الخطبة إلى “الموضوع الذي تريده الوزارة” للحيلولة دون معاقبتهم، وبعد ذلك يخوضون في موضوع آخر بطريقة غير مباشرة، وبما لا يتفق مع القواعد التي رسمتها الوزارة للمساجد.

وأضاف أن هناك سلفيين حاصلين على تصاريح مؤقتة بالخطابة، تحدثوا في قضايا لا تتفق مع مكانة المسجد، وخرجوا عن النص في الكثير من الأحيان، وفرضوا رؤيتهم على الناس داخل المساجد، وبالتالي أصبح هؤلاء ملتزمين بما تكتبه الوزارة عن خطبة الجمعة، وإلاّ ألغيت تراخيصهم وتم منعهم مجددا من اعتلاء المنابر، لأنه لن تكون هناك استثناءات في الارتجال أثناء الخطبة.

13