مصر تحاصر مخططات دمج الميليشيات في الحكومة الليبية

الثلاثاء 2015/03/10
إصرار الجزائر على إشراك إسلاميي ليبيا في الحوار السياسي لا يجعلها بمنأى عن تكرار تجربتها الدموية مع جماعاتها المتشددة

في الوقت الذي كان فيه الفرقاء الليبيون يجتمعون في المغرب، لمناقشة سبل حلّ أزمة بلادهم، عقد في القاهرة اجتماع آخر، لا يقلّ أهمية، جمع وزير الخارجية المصري سامح شكري، الذي يمثّل المعسكر الداعم لفكرة التدخّل العسكري، ووزير الدولة للشؤون الخارجية الجزائري، عبدالقادر مساهل، الذي يمثّل الموقف المتمسّك بالحوار وإشراك الإسلاميين والمتشدّدين فيه، رغم المخاطر التي قد تنجرّ عن مثل هذه التسوية. وأهمية هذا اللقاء تكمن، وفق الخبراء، في أنه كشف عن ملامح تغيير قادم في موقف الجزائر التي أصبحت على اقتناع بخطورة دور تركيا في ليبيا.

عندما قام الطيران المصري بقصف معسكرات تابعة لتنظيم داعش في ليبيا ردّا على ذبح 21 مواطنا مصريا الشهر الماضي، قامت الدنيا ولم تقعد، وتصور كثيرون أن القاهرة تخلّت عن سياستها الحذرة، وبدأت مرحلة جديدة تغلب الحسم على الهدوء، والجرأة على الخجل، يومها شرعت آلتا الدعاية التركية والقطرية، ومعهما آلات أخرى إقليمية ودولية، في شنّ هجوم على مصر، وتتهمها بالاعتداء على دولة جارة وخرق مواثيق الأمم المتحدة.

وتجاهل الجميع، في خضم ذلك الجدل، حجم الجرم الذي ارتكبه داعش، وتناسوا الانعكاسات السلبية للفوضى والانفلات في ليبيا على مصر وغيرها من دول الجوار، ولم يلتفتوا إلى أن القوانين والأعراف الدولية لا تمنع الدول من حق الدفاع عن مواطنيها بالطريقة المناسبة.

الاستنفار المخطّط له، الذي كان مدعوما من قوى كبرى على رأسها الولايات المتحدة، أثمر نتائج إيجابية، حيث فرمل التوجّه المصري والليبي نحو طلب التدخل العسكري الدولي، وأوقف ترتيبات رفع الحظر عن تصدير الأسلحة للحكومة الشرعية في ليبيا، وبدت القاهرة كمن أسقط في يده، فلا هي تستطيع استكمال المسيرة الأمنية بمفردها، بحكم جملة كبيرة من الكوابح السياسية والعسكرية، ولا هي قادرة على تكوين تحالف يخترق الممانعات الإقليمية والدولية.

اللحظات التي تلت فشل جلسة مجلس الأمن الدولي الشهيرة والتي خصصت لمناقشة الأزمة الليبية الشهر الماضي، وضعت مصر أمام واقع سياسي صعب، وفق ما صرّح به مصدر سياسي لـ “العرب”. وهذا الموقف فرض عليها التعاطي مع المسألة بطريقة مغايرة تتسم بقدر عال من المرونة، فإذا كانت دول مثل فرنسا وإيطاليا والجزائر، تقف موقفا مناهضا لها، ولا تدرك (أو تدرك) حقيقة المخاطر التي تواجهها الحكومة الشرعية في ليبيا، فعليها أن تستعد لتفكيك الرؤية التي يستند عليها الأصدقاء قبل الأعداء.

شحنات الأسلحة التركية علامة فارقة في إعادة النظر في الموقف الجزائري والتجاوب نسبيا مع الرؤية المصرية

وأكّد المصدر أن القاهرة استعدّت بدراسة سيناريو يقوم على ضرورة تعديل وجهة نظر هؤلاء أولا، لأن إحداث تغيير في منظومة تفكير هذه الدول سوف يفتح الطريق لإفشال ترتيبات تركيا وقطر في ليبيا، ومن لفّ لفّهما من دول وجماعات تريد أن تحتكر السيطرة على مفاصل الدولة الليبية.

اعتمدت مصر للتأثير في الفريق الأول على كشف حجم التهديدات التي تطال أمن كل جهة، وإذا كانت هذه السياسة لم تثمر نتائج محددة وظاهرة حتى الآن بالنسبة إلى كلّ من فرنسا وإيطاليا حيال تغيير رؤيتهما تجاه ليبيا، فإن اللقاء الرباعي الذي عقد بالقاهرة يوم الأحد الماضي، وضمّ وزير خارجية مصر، سامح شكري، ووزير الدولة للشؤون الخارجية الجزائري، عبدالقادر مساهل، وضع اللبنة الأولى لإمكانية التفاهم السياسي بشكل مختلف بين البلدين بشأن ليبيا، كما أن حضور رئيس جهاز المخابرات العامة في الدولتين، المصري خالد فوزي والجزائري محمد بوزيت، منح اللقاء الرباعي أهمية نوعية.


الحوار الرباعي


يؤكد حضور القيادتين الأمنيتين أن الحوار الرباعي المشترك له أبعاد عسكرية كبيرة، الأمر الذي عكسته التصريحات الصحفية لكل من شكري ومساهل عقب انتهاء الاجتماع بمقر الخارجية المصرية. وقد أوضح سامح شكري أن اللقاء سيطر عليه الحديث عن الأوضاع فى ليبيا، لافتا إلى أن المبدأ الحاكم في هذا الشأن هو التكامل والتنسيق الشامل بين الدولتين، وقال “لدينا مواقف متطابقة إزاء القضايا المرتبطة بالحفاظ على الاستقرار ووحدة الأراضي الليبية، والعمل على اجتثاث الإرهاب ومقاومته بكل قوة، ودعم الشرعية”.

وأضاف أن هذا يقتضي عملا مشتركا وتضافر جهود المجتمع الدولي ككل لتجفيف موارد التسليح والدعم للإرهابيين، ودعم جهود المبعوث الأممي وما يقوم به من جهد لتحقيق الوفاق الوطني.

وأشار إلى ضرورة مراعاة إرادة الشعب الليبي التي تمثّلت في انتخابات حرّة ونزيهة، نتج عنها حكومة شرعية تحظى باعتراف دولي (حكومة طبرق)، في إشارة إلى عدم الاعتراف بالحكومة والبرلمان الموازيين في طرابلس.

وقال عبدالقادر مساهل إن هناك تنسيقا جزائريا كاملا مع مصر فيما يخص ليبيا، كذلك دول الجوار والأمم المتحدة، ومن يرغب فى استقرار ليبيا وسلامة شعبها، منوها إلى عقد اجتماع ثلاثي قريبا، بين مصر والجزائر وإيطاليا، للبحث عن حل شامل للأزمة الليبية وعودة الاستقرار ومكافحة الإرهاب.

توازن صعب بين مصر والجزائر بخصوص ليبيا
◄ كيف تنظر مصر لحل الأزمة؟

- الحل المصري المقترح لمشكلة ليبيا يرى ضرورة إقصاء كل من مارس العنف والإرهاب عن المشاركة في الحوار السياسي والتدخل العسكري عند الضرورة.

◄ ما هو موقف الجزائر؟

- الجزائر لا ترى غضاضة في انخراط الإسلاميين، وحتى المتشدّدين، داخل الحل السياسي، وفتحت معهم قنوات حوار معلنة وأخرى سرية.

◄ من يساند الجزائر في موقفها؟

- على الصعيد الخارجي تدعم قطر وتركيا والسودان سياسة الجزائر. وداخليا يبدو أن هناك انقساما في الرأي حيث في الجزائر، يدعم بعض القادة السابقين في الجيش حلّ التدخل العسكري في ليبيا، فيما يرفض النظام الحاكم ذلك، حيث يقوم الرئيس بوتفليقة بوساطة شخصية بين فرقاء الأزمة الليبية.

وحسب رأي بعض المراقبين فإن النتيجة التي خلص إليها لقاء القاهرة بين الوزيرين المصري والجزائري، كشفت عن ملامح تغيير قادم في موقف الجزائر، التي ظلت حتى وقت قريب تسير في طريق خفي ومناهض للتوجه المصري في ليبيا، خاصة حيال آلية التعاطي مـع الميلــيشيـات والـتـــيار الإسلامـي المتشــدد.

وترى القاهرة ضرورة إقصاء كل من مارس العنف والإرهاب عن المشاركة في الحوار السياسي، بينما لم تر الجزائر غضاضة في انخراطهم داخل الحل السياسي، وفتحت معهم قنوات حوار معلنة وأخرى سرية.

سواء كانت تحرّكات الجزائر بالتنسيق مع قوى دولية أم انطلاقا من قناعتها، فهي في النهاية بدت داعمة لأطراف المعسكر المقابل لمصر،، لأن سياساتها كانت تصب في صالح هذا الفريق، حيث تزعمت فكرة رفض التدخل العسكري في ليبيا.


المعسكر المقابل


أصرت الجزائر على الحوار الوطني دون استثناء أحد من المتشددين والمتهمين بممارسة الإرهاب. ومشت في طريق دعم الحل السياسي بلا ضوابط حقيقية. وغضّت الطرف عن الخروقات الأمنية التي ترتكبها الميليشيات المسلحة.

وفسّر متابعون هذا الموقف بأن السلطة الجزائرية لا تريد استفزاز التيار الإسلامي المتشدد في البلاد. وتسعى بكل قوة لأن يظلّ هذا التيّار كامنا، بعد الصفقات التي عقدت معه قبل حوالي عشر سنوات، ورغم ذلك، لم تجعل البلاد بمنأى عن الإرهاب.

ويستشهد الخبراء على ذلك، بعملية حقل غاز أميناس، بجنوب الجزائر، منذ حوالي عامين، حيث احتجز متشددون إسلاميون عمالا أجانب كرهائن، قام الجيش على إثر ذلك بعملية عسكرية، راح ضحيتها عشرات من الخاطفين والمخطوفين.

المعلومات التي جمعتها أجهزة الأمن الجزائرية أكّدت خطورة استمرار تدفق الأسلحة وجيوش الإرهابيين على ليبيا، في ظل عدم استبعاد تنشيط خطوط التماس بينهم وبين نظرائهم في الجزائر. وكانت شحنات الأسلحة التركية التي تم اكتشافها مؤخرا، علامة فارقة في إعادة النظر في الموقف الجزائري، وفرض التجاوب نسبيا مع الرؤية المصرية.

استقطاب الجزائر للمعسكر المصري يؤثر فى التوازنات السياسية والأمنية الحاكمة في الأزمة الليبية

القاهرة بدورها حرصت على تقديم المزيد من المعلومات حول حقيقة الدور التركي في ليبيا، وطبيعة المهام التي تقوم بها قطر في العاصمة طرابلس، وخطوط التواصل بين الدولتين والعناصر المتشددة في ليبيا، والتي حصلت مصر على معلومات قالت بعدم استبعاد توظيف إسلاميي الجزائر المتشددين ليكونوا فناء خلفيا جديدا في المستقبل القريب، بحيث يمكن توسيع حزام التشدد، ولا يقتصر على ليبيا أو أجزاء من جنوب تونس، ناهيك عن شمال مالي، ليضم معه الجزائر.

وأكّد خبراء متابعون للحركات الإسلامية في المنطقة أن الموقف الجزائري في ليبيا، تحت ذريعة رفض التدخل الخارجي، أوقع هذا البلد في تناقض فاضح، فقيادته السياسية سبق أن وافقت على التدخل الدولي (الفرنسي) في مالي، الذي خفّف العبء عن الجزائر، بعد توجيه ضربات قاصمة لمتشددين.

سياسة الجزائر تجاه ليبيا وضعتها في سلة واحدة مع تركيا وقطر، في ظل الحوارات التي كانت تتم بين أضلاع هذا المثلث، تحت لافتة دعم الحل السياسي، وهو ما تسبّب في قلق القاهرة تجاه نواياها، فقد حاولت أن تسحب رؤيتها مع إسلامييها وإسلاميي ليبيا على إسلاميي مصر، عندما قدمت تحذيرات مباشرة للقاهرة بخطورة استمرار المواجهات الأمنية مع الإخوان وحلفائهم من المتشددين.

وكانت رسالة المؤسسة العسكرية الجزائرية لمصر مفادها “أننا قاتلنا وفي النهاية رضخنا للحل السياسي مع التيار الإسلامي، وعليكم اللجوء للحوار قبل سقوط المزيد من الضحايا، وقدمت الرسالة من جانب المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي بدت مرتاحة لصعود عبدالفتاح السيسي للحكم، والدور الذي يقوم به الجيش المصري حاليا”.

الرسالة – النصيحة لم تلق آذانا صاغية أو هوى في مصر، الأمر الذي أفضى (في صمت) إلى تباعد الفجوة بين البلدين، والتأثير سلبا على الإشارات الإيجابية التي ظهرت مع بداية عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي نحو الجزائر، إلى أن بدأت الأخيرة تعي أن تجربتها يصعب القياس عليها، وأن تراخيها مع إسلاميي ليبيا يمكن أن يشجع حلفاءهم المستترين لديها على توريطها، والإيحاء أنها تقف في معسكر تركيا وقطر والولايات المتحدة، وهو ما يتنافى مع خطابها الراغب في الحفاظ على وحدة ليبيا، فسياسة هذه الدول أصبحت تصب في إطار التفتيت.

المأزق الذي يواجه كلا من مصر والجزائر، يكمن في أيهما سوف يجذب الآخر في النهاية إلى رؤيته حول ليبيا.

إذا أصبحت الجزائر على اقتناع بخطورة دور تركيا في ليبيا، وأصبحت حذرة من موقف قطر وتمنعها مصالحها الاقتصادية معها من مواجهتها، فإنها لم تقدم دليلا عمليا على تغيير موقفها نهائيا من الانفتاح على الإسلاميين في ليبيا، كما أن مصر لا تزال متمسكة باحترام شرعية الحكومة الليبية، وترفض الحوار مع المتشددين والإرهابيين، حتى لو كانت لا تقف في طريق الحل السياسي.

لكن عودة التنسيق تؤكد أن القاهرة تريد العمل على الرؤية المشتركة مع الجزائر وهي الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية، وأن تصرفات بعض القوى الإقليمية والدولية تعرض هذه الوحدة للضياع، بالتالي لابد من إعادة النظر في جدوى مشاركة المتشددين في حكم ليبيا.


تفاصيل أخرى



◄ حوارات أمنية لتغيير موقف المستوى السياسي من ليبيا

7