مصر تحبس أنفاسها بانتظار تفاصيل شروط صندوق النقد

يؤكد الخبراء أن الحكومة المصرية مجبرة على دفع الثمن الباهظ المصاحب لقرض صندوق النقد الدولي بعد فشل جميع سياساتها السابقة، ولم يعد أمامها سوى الخضوع لإملاءات الصندوق رغم المخاطر الكبيرة.
الاثنين 2016/08/22
إحصاء الأرباح والخسائر

القاهرة- قبل بضع سنوات لم يكن يخطر ببال عماد أن يقف تحت حرارة شمس القاهرة للحصول على حصة أسبوعية من حليب الأطفال المدعم. لكن بعد ارتفاع الأسعار لم يعد راتبه يكفي حتى نهاية الشهر، في وقت يستعد المصريون لحقبة جديدة من التقشف.

ويؤكد عماد والكثير من الواقفين في الطابور أن “الشيء الوحيد الذي لا يزيد في مصر هو رواتب الناس” وهو لا يتوقعون خيرا في لجوء الحكومة للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندق النقد على 3 سنوات.

وتشير المعارضة السياسية إلى أن البرنامج سيكون صعب التنفيذ، لأنه ينطوي على خفض وقيمة العملة وفرض ضرائب جديدة وخفض الدعم الحكومي للسلع الغذائية، الذي يعتمد عليه عشرات الملايين من الأشخاص.

ويقول خبراء إن ثمن الفشل باهظ. فعجز الموازنة يقترب من 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي والتضخم يزيد على 14 بالمئة. كما أضر نقص العملة الأجنبية بالاستيراد. ولا يستطيع المستثمرون الأجانب تحويل أرباحهم إلى الخارج ويدأ البعض بتصفية أعمالهم بسبب القيود التي فرضت على رأس المال والاستيراد في الأشهر الثمانية عشر الماضية.

ولا تستطيع الشركات توفير ما يكفي من العملة الصعبة لاستيراد المكونات أو تحمل الفرق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق السوداء الذي يتجاوز 40 بالمئة. وأصبح الحديث الآن عن مجرد البقاء وليس النمو.

وقال أنغوس بلير المدير في شركة فاروس القابضة “من الواضح جدا أن الظروف دفعت مصر دفعا نحو طلب دعم صندوق النقد… وسيتعين عليها إجراء تغييرات لضمان تنفيذ الخطة التي قدمها الصندوق”. وأضاف “النظام في مصر بشكل عام بطيء… وهذا برنامج إصلاحي يدعو إلى تحرك سريع وجرأة خاصة لأن من بين تداعياته زيادة التضخم”.

ورغم أن مصر لجأت إلى صندوق النقد فعليا في كل عقد منذ السبعينات فإن تطبيق الإصلاحات لم يكن شاملا قط. ويشعر الكثير من المصريين بعدم الارتياح إزاء البرنامج الذي يعتبرونه مفروضا من الخارج ويضر الجميع باستثناء الأثرياء.

أنغوس بلير: من الواضح جدا أن الظروف دفعت مصر دفعا لطلب دعم صندوق النقد

وتفاوضت مصر مرتين مع الصندوق منذ ثورة 2011 لكنها لم تكمل المفاوضات رغم موافقة مبدئية على قرض قيمته 4.8 مليار دولار عام 2012. وفي ضوء إحجام صناع القرار عن تطبيق الإصلاحات في السابق، يبدو أن المستثمرين يتريثون في العودة إلى مصر.

وقال كريس جارفيس رئيس بعثة صندوق النقد في مصر إن الاتفاقين فشلا نتيجة الافتقار للإرادة السياسية لتطبيق الإصلاحات. لكنه يرى أن الالتزام السياسي هذه المرة يبدو أقوى.

وقد أكد الرئيس عبدالفتاح السيسي أنه لن يتردد في اتخاذ الخطوات الصعبة اللازمة لضمان أن تعيش مصر في حدود إمكانياتها. وارتفعت أسعار الكهرباء بنسبة 20 إلى 40 بالمئة هذا الشهر في إطار برنامج مدته 5 سنوات يتضمن إلغاء دعم الطاقة تدريجيا.

لكن منتقدين يقولون إن التغيير جاء متأخرا ولا يترك متنفسا يذكر، بعد تبديد المليارات من الدولارات التي انهالت على مصر من حلفائها في الخليج منذ الإطاحة بحكومة جماعة الإخوان المسلمين في منتصف 2013.

وقالت في.تي.بي كابيتال “إن الدعم الخليجي كان ضرره أكثر من نفعه لأنه لم يكن مشروطا بتطبيق إصلاحات، وأتاح لمصر الاستمرار دون حاجة ملحة لإجراء تغييرات جذرية في السياسة الاقتصادية”.

وأعلنت مصر خططا لتوسيع شبكة الضمان الاجتماعي لتخفيف الأثر على الأكثر فقرا، لكن الكثيرين يخشون من أن الإجراءات ستعمل على تفاقم التفاوت الاجتماعي، الذي ساهم في تفجير انتفاضة 2011.

كريس جارفيس: الاتفاقان السابقان فشلا نتيجة غياب الإرادة السياسية لتطبيق الإصلاحات

وأصدرت مجموعة من الأحزاب الاشتراكية بيانا يرفض اتفاق صندوق النقد، الذي يقولون إنه يكبل مصر بالمزيد من الديون ويجعلها رهنا لقرارات قوى خارجية. لكن تلك الأحزاب ليست لها مقاعد في البرلمان ولا توجد دعوات حقيقية للاحتجاج.

أول اختبار للحكومة مشروع قانون يقترح ضريبة للقيمة المضافة بنسبة 14 بالمئة وتتم مناقشته في البرلمان لكنه يواجه معارضة من نواب يخشون من التضخم. وأدى التأخر في تطبيق ضريبة القيمة المضافة الجديدة بالفعل إلى تأجيل الشريحة الأولى من قرض بقيمة 3 مليارات دولار من البنك الدولي. والشريحة الأولى التي تبلغ 2.5 مليار دولار من قرض صندوق النقد الدولي غير مرتبطة بإجراءات محددة لكن ذلك لا ينطبق على الشرائح التالية.

وثمة قضية رئيسية أخرى هي سياسة سعر الصرف. وقد تعهدت مصر بسعر صرف أكثر مرونة لتخفيف حدة نقص العملة الصعبة والقضاء على السوق السوداء للدولار.

وستنطوي هذه الخطوة بالتأكيد على خفض ثان لقيمة العملة هذا العام مما يؤدي بدوره إلى زيادة التضخم لكن البنك المركزي يقول إنه يجب أن يزيد الاحتياطي الأجنبي أولا من 15.5 مليار دولار إلى 25 مليارا ويتطلع للوصول إلى هذا الرقم بحلول نهاية العام.

يمثل نقص الدولار، بالنسبة لسامي خانجي الذي يدير مطبعة، أزمة ملحة.. إذ توقفت ماكينات مطبعته عن العمل منذ أسابيع. وقال “أنت تتحدث عن أشهر وسنوات وأنا أتحدث عن أسابيع. إذا لم أحصل على الورق قريبا فسوف يتعين علي أن أفصل عمالي… ربما يتوقف نشاطي تماما قبل أن تأتي أموال صندوق النقد”.

11