مصر تحظر تسجيل الأسماء المسيئة تحصينا للأطفال من السخرية

يمثل اسم الطفل أحد أهم حقوقه التي كفلتها له الديانات السماوية قبل أن تكفلها قوانين الدول، حيث أن اختيار اسم حسن للطفل يظل مقترنا به طوال حياته ويعتبر باعثا للراحة النفسية والطمأنينة في قلبه. وعلى العكس، فإن تسميته باسم مشين يبعث بداخله التدهور النفسي والإساءة البالغة، وهو أمر تطرّقت له مؤخرا وزارة الداخلية المصرية بعد تنامي ظاهرة إطلاق الأسماء المسيئة على الأطفال من جانب أسرهم.
الخميس 2016/04/07
أسماء تبعث على السخرية.. والملل

منعت وزارة الداخلية المصرية تسجيل أسماء الأطفال التي تحمل دلالات تسبّب للأطفال أذى نفسيا في ما بعد، في خطوة تعتبر الأولى من نوعها، فيما منعت الأسماء التي تسيء للأديان، على غرار عبدالنبي، عبدالرسول، باعتبار أن الإنسان عبدلله وحده.

وتنتشر الأسماء التي تحمل معاني قبيحة وإساءة لأصحابها بالمناطق الريفية في مصر، ومنها "الجحش والغبي والمهيطل والعبيط والمجنون وغيرها"، اعتقادا من الأسر بأن اسم الطفل كلما كان غريبا وشاذا سوف يجلب له حسن الحظ والرزق ويمنع عنه الشرور، ويحصّنه من الموت.

غير أن الحاصل الآن، أن الأحوال المدنية التي تتبع وزارة الداخلية والمراكز الصحية التي تتبع وزارة الصحة، سوف تمنع إدراج هذه الأسماء في سجلاتها، وفي حال إصرار الوالدين على تسمية طفلهما بأسماء ممنوعة، سيتم إبلاغ الجهات الأمنية للتعامل مع أسرة الطفل وفقا للقانون، باعتبارهما يهدران حقوقه ويسيئان لسمعته، من خلال الإصرار على تسميته باسم مشين.

أحمد عبدالعليم، عضو مجلس إدارة الائتلاف المصري لحقوق الطفل، وصف هذه الخطوة بـ”العظيمة”، واعتبرها بمثابة انتصار تاريخي للطفل المصري الذي كان يعاني بشدة من اسمه الذي يحمل معاني مسيئة، ما يدفع بعضهم عند الكبر إلى تغيير أسمائهم بأنفسهم من دون علم الأب والأم بذلك، وهذا حق كفله القانون للأشخاص بعد بلوغهم سنا معينة. وأضاف عبدالعليم لـ”العرب” أن بعض الأسر قد لا تلتزم بهذه التعليمات، ويمكن أن تطلق على الطفل اسما غير مسيء، في حين أنه عند “الدلع” فقط يطلقون عليه الاسم المسيء، وبالتالي فإن التوعية بخطورة هذه الأسماء لا بد أن تكون بالتوازي مع عملية المنع نفسها.

وحول أسباب تسمية الأسر لأطفالهم بأسماء قبيحة، قال عبدالحليم، إن كثيرا منها يرتبط بالعادات والتقاليد والأفكار القديمة، فهناك من يعتقد أن إطلاق الاسم السيء على الطفل قد يجنّبه الموت، خاصة في الحالات التي تنجب فيها بعض الأسر في فترة متأخرة من الزواج. وفي حين أن البعض الآخر يظن أن الاسم المسيء يحصّن الطفل من الحسد، وهناك فريق ثالث يذهب إلى أن تسميته باسم غريب يجلب له الحظ والمال ويكون في المستقبل من صنف الأغنياء.

وأشار إلى أن كل هذه الأسماء تكون سببا للسخرية من الطفل بين أصدقائه وأفراد عائلته، وحتى في المدرسة أو الجامعة يكون محط استهزاء، خاصة أن اسما مثل “الجحش” يعني الغباء، ما يؤثر عليه في مرحلة النشء الأولى، لأن الطفل في هذه المرحلة يرتبط بكل الصفات التي تطلق عليه، فإذا شعر من الآخرين بأن الـ”غباء” هي صفة لاسم على مسمى، فإنه حتما سوف يسير في الطريق الخطأ، وإذا حصل العكس وأطلقت عليه صفة الذكاء سوف يحارب لأجل أن يثبت هذا الذكاء.

بعض الأسر تعتقد أن إطلاق الاسم السيء سوف يجنبه الموت ويحصنه من الحسد ويجلب له الحظ والمال

واعتبر أن السخرية من الطفل والاستهزاء به يعتبران من بين أشكال العنف الذي يظل مرافقا الطفل طوال حياته، خاصة أن العنف اللفظي أوقع تأثيرا من العنف الجسدي في الكثير من الأحيان، ما يجعل الطفل معاديا لأسرته والمجتمع وكارها لهما، وبدل أن يكون اجتماعيا، تراه يفضل الانطواء والابتعاد عن الجميع لأنه يعتبرهم مسؤولين عن وصوله إلى هذه المرحلة.

والحل في وجهة نظر عبدالعليم، هو أن يتم الترويج لحملة توعية يقوم بها أولا الجهاز الإعلامي في الدولة، وتكون المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية من الشركاء الأساسيين فيها، على أن يكون علماء النفس والاجتماع والمثقفون أكثر من يتحدثون عن خطورة هذه الأسماء على حياة الطفل في ما بعد، وأن يتم استهداف المناطق الصعيدية والريفية بالخصوص والمناطق التي ترتفع فيها نسبة الأمية، إذ أن ذلك يظل مرتبطا دائما بتدن في معدل الوعي لدى بعض الأسر.

وفي حين، قالت بثينة مجاهد، أستاذ علم اجتماع الأسرة بجامعة الوادي الجديد، إن انتشار الأسماء الغريبة على الأطفال في المناطق النائية والريفية، يكون بدافع الشهرة وجعلهم مميّزين عن باقي الأطفال. وهو أمر مرتبط بالتخلف ومعدل الوعي لدى بعض الأسر، لا سيما أن البعض يرى في ارتباط اسم ابنه بالحيوان نوعا من الشجاعة والقدرة على التحمّل ومواجهة الصعاب مثل “الحمار”، “الأسد”، “الغشيم”، وهناك نوع آخر مرتبط بتخليد اسم العائلة، مثل “البغل”، “الزفت”، “قنديل”، “أبوجاموس”.

مجاهد أضافت لـ”العرب” أن القانون وحده غير كافٍ للقضاء على هذه الظاهرة، وأن بعض الأسر تعتبر هذه الأسماء مخلّدة ولا يحق لأي قوة أن تمنعها، ما يعجّل بضرورة تفعيل الأخصائيين الاجتماعيين لندوات وحلقات نقاش مكبّرة مع هذه الأسر في المناطق التي تنتشر فيها مثل هذه الأسماء، للتوعية بخطورتها على استقرار المجتمع في ما بعد، خاصة أنها قد تدفع بالطفل إلى الانتقام من أسرته، ومعاداتها، في ظل حالة التحرر التي يشهدها المجتمع.

ومن ناحيته، اعتبر الدكتور صبري الشافعي، أستاذ العقيدة الإسلامية بالأزهر الشريف، أن إطلاق أسماء قبيحة ومسيئة على الأطفال يخالف الإسلام، وأن الاسم الحسن من حقوق الطفل في الإسلام، التي أوجبتها الديانة الإسلامية على الوالدين، والواجب عليهما أن يختارا لابنهما اسما حسنا ينادى به بين الناس ويٌميّز به عن أشقائه وأقرانه، وأوجب أن يحمل الاسم صفة حسنة أو معنى محمودا.

وأضاف لـ”العرب” أن النبي محمد قال “إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، ألا فأحسنوا أسماءكم”، ما يعني أن هذه رسالة من الدين الإسلامي بأن يتقي الآباء ربّهم في أبنائهم ويطلقون عليهم أسماء تبعث بداخلهم السرور والبهجة وأن يبتعدوا في اختيارهم عن كل الأسماء التي تحمل دلالات ساخرة وتحط من شأنهم في المجتمع.

21