مصر تحلم بتعليم ياباني

بحثا عن طوق النجاة للتعليم في مصر بعدما بلغ مستوى متدنيا في التصنيفات الدولية، وبعد فشل الخطط لإحداث تطوير في المنظومة التعليمية بشكل عام والتي وضعت منذ ثورة يناير 2011، تبنى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي رؤية جديدة تعتمد على نقل نموذج التعليم الياباني لتطبيقه، واعتبار التعليم المشروع القومي للبلاد، لتحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية تنقلها إلى مصاف الدول المتقدمة.
الثلاثاء 2016/03/29
استيراد "تكنولوجيا العقول" اليابانية

أشار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عقب زيارته لليابان مطلع الشهر الجاري إلى أمله في نقل نموذج التعليم الياباني إلى مصر، وهو ما بدأ العمل عليه فعليا، غير أن ثمة تحديات قد تعرقل تحقيق الحلم المصري، خاصة البيئة الثقافية والاجتماعية، والتمويل والمشكلات التي تثار من حين إلى آخر في آلية ضبط العمل في المنظومة التعليمية بشكل عام، فضلا عن غياب الرؤية الواضحة لخطة العمل في المستقبل بخصوص عملية التطوير.

هذا إلى جانب المشاكل الكثيرة التي يعاني منها التعليم المصري منذ سنوات وهي تحديات تمثل عائقا كبيرا أمام نقل النموذج الياباني بحذافيره، بحسب بعض الخبراء، خاصة مع إعلان وزارة التربية والتعليم أن عملية النقل تستهدف مرحلة التعليم الأساسي (من الصف الأول الابتدائي حتى الصف الثالث الإعدادي)، وهي المرحلة التي تسجل النسبة الأكبر من المشاكل خاصة في ما يتعلق بـتفشي “الأميّة” بين الطلاب، وعدم وجود معلمين مؤهلين، فضلا عن أن المدارس نفسها غير مجهزة إلكترونيا لاستقبال نموذج تعليم متقدم بهذا الشكل.

محب الرافعي، وزير التربية والتعليم السابق، قال لـ“العرب”، “إن التجربة اليابانية في حد ذاتها ممتازة، لكنها تحتاج إلى إرادة وجرأة للتعامل معها ودراستها بشكل جيد قبل الشروع في نقلها بحذافيرها، أو نقل أجزاء منها تتوافق مع الثقافة المصرية وطريقة التدريس في مصر”.

وأضاف أنه لا بد من التمهيد للتجربة قبل تطبيقها، خاصة أن نموذج التعليم الياباني يعتمد على عاملين محوريين في التعليم الأساسي، هما الأخلاق والقيم، ثم الأنشطة الرياضية، كأجزاء أساسية في تشكيل وجدان وعقلية وشخصية الطالب نفسه.
وقال “لا أحد ينكر وجود عنف في بعض المدارس، وحالة من التخبط النسبي في التعامل مع طريقة ضبط المنظومة وإحكام العلاقة بين المعلم والطالب، وفي نفس الوقت، لا إصلاح للتعليم من دون تربية النشء على القيم الدينية والثقافية والاجتماعية”.
محب الرافعي: مصر تحتاج إلى أن تكون لديها كوادر بشرية لمواكبة النظام التعليمي الياباني
من وجهة نظر محب الرافعي، وهو أستاذ في التربية وطرق مناهج التدريس بجامعة عين شمس، تحتاج مصر قبيل الاعتماد على التجربة اليابانية في تطوير التعليم، إلى أن تكون لديها كوادر بشرية لمواكبة النظام الياباني، إذ لا بد من وجود نفس العقلية في الإدارة والمساعدين والمشرفين، بخلاف البنية التكنولوجية المتطورة قبل التطبيق الفعلي للتجربة مع الحاجة إلى وجود معلمين يابانيين، وإدارات يابانية في مصر تمهد الطريق للتجربة، وتغير أنماط الحفظ والتلقين لتنمية مهارات الابتكار لدى الطالب.

القيم التي تطرق إليها محب الرافعي، يراها طارق نور الدين، الخبير في الشؤون التربوية والتعليمية، تفاصيل استثنائية يمكن تجاوزها عند نقل التجربة اليابانية إذا ما تم اعتبار القيم والأخلاق مواد دراسية إجبارية مثل الحاصل في اليابان، لكنه ذهب إلى إشكاليات أخرى، تتمثل في ضرورة توفير البيئة المناسبة، وقال لـ“العرب” إنه لا يمكن التطبيق الأعمى للتجربة دون الأخذ في الاعتبار العادات والتقاليد المصرية واختلاف الثقافات، فهناك البيئات البدوية والشعبية والريفية والحضرية والصعيدية، فضلا عن حتمية اختيار أفضل العناصر البشرية التي تمتلك رؤية واضحة تتفق مع سياسات الدولة أثناء التطبيق.

وأضاف “هناك أمور يراها البعض غير مهمة، لكنها في النظام الياباني أساسية، مثل نشر الوعي بين الطلاب بالحفاظ على المدرسة نفسها، ومعرفة أهمية أن يقوم كل طالب بتنظيف المدرسة بنفسه، خاصة وأن هذه الثقافة مرفوضة في مصر من أولياء الأمور، ما يوجد حالة من عدم الانتماء إلى المدرسة، وكذلك اعتبار الكذب جريمة في حق المجتمع.

وتمثل كثافة الفصول العالية في مصر أكبر عوائق استنساخ التجربة اليابانية، فهناك فصول يدرس فيها 120 طالبا والمتر الواحد يجلس فيه 4 طلاب، رغم تأكيد وزارة التربية أنها تسعى حاليا لبناء المزيد من المدارس قبيل نقل التجربة اليابانية، لكن البعض يرى أن ذلك سيأخذ وقتا طويلا، والحل أن تبدأ التجربة في مدارس ذات كثافة طلابية قليلة، للحكم على نجاحها قبل تعميمها.

وقال تامر النادي عضو المجلس الاستشاري للتعليم التابع لرئاسة الجمهورية لـ“العرب”، “إن مصر قادرة على إزالة التحديات، وهناك رؤية شاملة سيتم تطبيقها لتطوير التعليم، لأنه لا نهضة حقيقية من دون تعليم، وهناك توجه رئاسي نحو ذلك”. وأشار إلى أن الرئيس السيسي طالب أعضاء المجلس عقب عودته من اليابان، بالنظر في إمكانية تطبيق النموذج الياباني، لكن المتعارف عليه عالميا أنه لا يمكن استنساخ أي نموذج بحذافيره، والحاصل أنه سيتم تطبيق ما ينسجم مع البيئة والثقافة المصريتين.

17