مصر تختار عولمة الجامعات بتسهيلات للكليات الأجنبية

الحكومة المصرية تسرّع خطواتها لترسيخ "عالمية التعليم الجامعي"، بعد موافقتها على مشروع قانون ينظم إنشاء فروع للجامعات الأجنبية تتمتع بالاستقلالية التامة.
الثلاثاء 2018/06/12
خيار لا تراجع عنه

تسعى مصر إلى تجريب كل الخيارات الممكنة لإصلاح منظومة التعليم العالي ومن بينها خيار الانفتاح على العالم وضمان الاستفادة من الجامعات الرائدة التي ترى الدولة أنها تمثل حلا من بين الحلول لعلاج الأزمات المتعددة للجامعات المصرية، فيما يرى منتقدون لهذا التوجه أن الانفتاح إذا لم يتواكب مع مسار إصلاحي حقيقي يروم تجديد برامج التعليم وتطويرها فإنه يظل خيارا مبتورا ولا يحقق هدفه المنشود.

القاهرة - فرضت الأزمات المتسارعة التي يعاني منها ملف التعليم العالي على الدولة المصرية الدخول في مسار تشخيصي للعلاج قوامه الانفتاح أكثر على العالمية، وهو ما يعكسه مشروع قرار يستهدف تقديم تسهيلات لفروع الكليات الأجنبية ودعم دخولها إلى مصر.

هذا الملف أثار تساؤلات المهتمين بقطاع التعليم العالي حول الإضافة التي ستقدمها هذه الجامعات الأجنبية في وقت يحتاج فيه ملف التعليم إلى إصلاحات جذرية وليست حلولا مسقطة، فيما يتمسك المدافعون على هذا القرار ويعتبرونه حلا من بين الحلول لإدخال رؤى جديدة وتجارب عصرية في مجال التعليم يمكن للجامعات المصرية أن تستفيد منها.

تسرّع الحكومة المصرية خطواتها لترسيخ ما يسمّى بـ”عالمية التعليم الجامعي”، بعد موافقتها على مشروع قانون ينظم إنشاء فروع للجامعات الأجنبية في مصر تتمتع بالاستقلالية التامة وتصدر شهاداتها تبعا للجامعة الأم، ويشترط لمنح ترخيص إنشاء جامعة خاصة عقد توأمة مع واحدة من أفضل 50 جامعة عالمية.

ويحظى التوسع في إنشاء فروع لجامعات أجنبية في مصر بتأييد ودعم من الحكومة التي تنظر لهذه الخطوة باعتبارها مدخلا لتعظيم التنافسية بين الجامعات، الحكومية والخاصة والأجنبية والأهلية، بشكل يقوي مستوى التعليم الجامعي عن طريق التنافس بينها.

مصطفى مسعد: وجود فروع عالمية يجبر مثيلاتها المصرية على مواكبة التطورات
مصطفى مسعد: وجود فروع عالمية يجبر مثيلاتها المصرية على مواكبة التطورات

ومن المقرر أن يصادق مجلس النواب المصري خلال الأيام القليلة القادمة على القانون، عقب انتهاء مجلس الدولة (أعلى جهة قضائية إدارية) من مراجعته بشكله النهائي، حيث كان مجلس الوزراء أقره مؤخرا.

وسوف تفتح أفرع الجامعات الأجنبية أبوابها أمام الطلاب المصريين والوافدين من الدول العربية والأفريقية، مع بداية العام الدراسي الجديد في سبتمبر المقبل. وتتركز هذه الأفرع في العاصمة الإدارية الجديدة (شمال شرق القاهرة)، ومنطقتي العلمين (الواقعة بمحافظة مطروح) والجلالة في خليج السويس على البحر الأحمر.

وينص مشروع قانون إنشاء فروع الجامعات الأجنبية على أن تكون الشهادة من الجانب الأجنبي، وتكون الدرجة العلمية الممنوحة للطلاب تابعة للجامعة الأم. وتتنوع أفرع الجامعات الأجنبية الجديدة في مصر بين الأميركية والإنكليزية والألمانية والمجرية والكندية والسويدية والفرنسية، على أن تكون هناك أفرع أخرى لجامعات مناظرة لها في البلد الأم.

وأصبح هذا الملف يحتل أولوية قصوى لدى الحكومة، باعتبار أن التوسع في إنشاء أفرع عديدة لجامعات أجنبية من شأنه أن يقضي على اغتراب الطلاب المصريين الراغبين في السفر للدراسة بجامعات أجنبية ويجعل مصر مركزا إقليميا للتعليم الأجنبي.

ويضاف إلى ذلك أن الحكومة لديها قناعة بأن الاستعانة بأعضاء هيئات التدريس المصريين للعمل بهذه الأفرع، سوف يرفع من قدراتهم العلمية مع تقليل استنزاف رأس المال وتقليل سفر الطلاب إلى الخارج للحصول على شهادات أجنبية.

ويقول مسؤولون بوزارة التعليم العالي إن ما يقرب من 22 ألف طالب مصري سافروا خلال العامين الماضيين لاستكمال دراستهم بجامعات أجنبية، ومع وجود أفرع لهذه الجامعات داخل مصر، سوف يتلقى هؤلاء تعليمهم في الداخل، وتستفيد الدولة من خبراتهم وشهادتهم مستقبلا دون لجوء للعمل بها في الخارج.

 ويشترط القانون أن تكون نسبة أعضاء هيئة التدريس المصريين العاملين بأفرع الجامعات الأجنبية، موازية لعدد الأكاديميين الأجانب، ما يقضي على فكرة البعثات العلمية التي تسافر إلى الخارج، وأكثر أعضائها لا يعودون إلى مصر مرة أخرى ولا تستفيد منهم الدولة، ويكلفون موازنة الحكومة مبالغ طائلة.

وقال خالد عبدالغفار، وزير التعليم العالي في تصريحات صحافية سابقة، “من الضروري التعامل مع المنظومة التعليمية بفكر تسويقي بما يساهم في جذب أكبر عدد من الطلاب الوافدين للدراسة في مصر ويتواكب مع الوسائل الحديثة للتعليم غير النمطية”.

ويرى مؤيدو هذه الخطوة أنها بداية للوصول إلى مستويات جودة التعليم العالمية بما يعود بالنفع على الطلاب المصريين، ويحفز الجامعات الخاصة على تحسين قدراتها العلمية لتواكب مستوى أفرع الجامعات الأجنبية.

وقال مصطفى مسعد، أستاذ البحوث التربوية بجامعة الزقازيق (شمال القاهرة)، إن الاحتكاك بين الجامعات الحكومية والخاصة والعالمية في بيئة واحدة من شأنه التشجيع على التنافسية الغائبة عن الحقل الأكاديمي ويساعد على تخريج طلاب بمستويات علمية متميزة.

وأكد مسعد لـ”العرب” أن وجود أفرع لجامعات عالمية يجبر مثيلاتها على مواكبة التطورات، من حيث المناهج والتخصصات وطرق التدريس وأساليب التقييم المعاصرة، لأن الواقع القائم لا ينتج سوى طلاب يمثلون عبئا ثقيلا على الحكومة.

وتتميز أفرع الجامعات الأجنبية بمصر أن بعضها يضم تخصصات معاصرة، تبدو غائبة عن الجامعات الحكومية والخاصة، مثل علوم البيولوجيا الإلكترونية والتكنولوجيا الحيوية.

ويرى معارضون أن المصروفات المرتفعة لتلك الجامعات سوف تقتصر على الفئات المقتدرة فقط من أبناء الأسر التي تستطيع تحمل النفقات الباهظة، بينما يظل أبناء البسطاء في جامعات حكومية ذات مستويات تعليمية عادية.

عبدالحفيظ طايل: فروع الجامعات الأجنبية مقدمة لخصخصة التعليم الجامعي المصري
عبدالحفيظ طايل: فروع الجامعات الأجنبية مقدمة لخصخصة التعليم الجامعي المصري

ويقول هؤلاء إن الاهتمام المتزايد بالتوسع في التعليم الجامعي الأجنبي دون التطرق إلى وضع خطة لتحسين الكليات الحكومية وإنقاذها من التدهور، ربما يعكس الاتجاه نحو رفع الحكومة يدها عن جامعاتها التي تستهدف طلاب الأسر البسيطة.

وأكد عبدالحفيظ طايل، مدير مركز الحق في التعليم لـ”العرب”، أن فروع الجامعات الأجنبية مقدمة لـ”خصخصة التعليم الجامعي” بحيث تصبح الكليات المتميزة للقادرين على تحمل نفقاتها الباهظة، لافتا إلى أنه مع الوقت سوف يختفي الأساتذة الأكفاء من الجامعات الحكومية بعد الالتحاق بالأفرع الأجنبية لارتفاع المقابل المادي الذي تقدمه.

وما يعزز فكرة الطبقية أن وزارة التعليم العالي أقرت “حق إدارات هذه الجامعات في تحديد مصروفاتها، ووضع معايير قبول الطلاب وفق الطريقة التي تناسبها دون تدخل من الهيئات المسؤولة عن التعليم الجامعي”.

وقال مصدر مسؤول بوزارة التعليم العالي لـ”العرب”، إنه تم الاتفاق مع ممثلي الجامعات الأجنبية على توفير منح دراسية للطلاب المتفوقين من غير القادرين، دون اشتراط أماكن إقامتهم، لإزالة الهاجس الموجود عند البعض بأن هذه الأفرع مخصصة لأبناء الأغنياء.

وينص مشروع القانون على استقلالية فروع الجامعات الأجنبية وتكون المصروفات الدراسية بالعملة المحلية بالنسبة إلى الطلاب المصريين وتدفع المصروفات بالدولار الأميركي للأجانب.

وبرر عبدالله سرور، وكيل مؤسسي نقابة علماء مصر، اتساع دائرة الرفض الأكاديمي للتوسع في أفرع الجامعات الأجنبية بأنها سوف تؤثر على الهوية الوطنية لأن المقررات الدراسية سوف تكون تابعة للجامعة الأم دون تدخل مصري.

وأضاف لـ”العرب” أن “أي حديث عن استفادة التعليم المصري من الأفرع الأجنبية عن طريق التنافس بين الجامعات أمر خيالي وتبرير للفكرة، طالما لم تجبر الحكومة هذه الكيانات على عقد برامج توأمة مع الجامعات الحكومية لنقل الاستفادة من برامجها المعاصرة”.

17