مصر تخفف التوترات مع المنظمات الأجنبية للتركيز على التحديات الإقليمية

تسوية قضايا قديمة للمجتمع المدني وإلغاء وصمة التمويل المشبوه يوحيان بانفراجة حقوقية.
الجمعة 2021/04/02
المعالجة الأمنية لا تزال حاضرة

القاهرة – يوحي التحرك المصري نحو إسدال الستار على القضايا المرتبطة بعمل المنظمات الحقوقية بأن هناك رغبة في غلق الثغرة التي تستثمرها حكومات غربية للضغط على القاهرة بشأن العمل الأهلي، والتركيز في مواجهة التحديات الإقليمية التي لها علاقة مباشرة بالأمن القومي، وتحديدا ما يرتبط بقضية سد النهضة الإثيوبي.

قضت محكمة استئناف القاهرة الأسبوع الجاري بتبرئة 20 منظمة أهلية في القضية المعروفة إعلاميا بـ”التمويلات الأجنبية”، بعد قرابة عشر سنوات من الشد والجذب بين الحكومة ومنظمات محلية وأجنبية وأنظمة غربية حول التهم المنسوبة لهذه المؤسسات ومنعها من التصرف في أموالها وحرمان المنتسبين إليها من السفر.

وكان لافتا صدور حكم البراءة من القاضي علي مختار بشكل يخالف كل الاتهامات التي سوّقت لها دوائر مختلفة سابقا حول تلقي هذه المنظمات تمويلات أجنبية مشبوهة، بل إن قرار التبرئة استند على أن مؤسسات العمل الأهلي تقوم بدور محوري في التنمية المستدامة ويفترض التعامل معها على هذا الأساس.

نجاد البرعي: القاهرة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بغلق منافذ الصداع
نجاد البرعي: القاهرة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بغلق منافذ الصداع

وبلغ الأمر حد تأكيد المحكمة أن التهم المنسوبة للمنظمات المتهمة بالتمويلات المشبوهة “غير حقيقية” ولا توجد أدلة كافية تستحق إقامة الدعوى ضدها، ما ترتب عليه رفع أسماء المتهمين من قوائم المنع من السفر والسماح لهذه المؤسسات بحرية التصرف في أموالها السائلة والمنقولة والمحولة إليها.

وتدرك القاهرة أن استمرارها في تقييد حرية المنظمات الحقوقية لن يجلب لها سوى المزيد من الخلافات والصدامات مع قوى دولية في توقيتات حساسة بالتزامن مع زيادة التحديات التي تواجهها إقليميا، وطالما أن قانون الجمعيات الأهلية صدر وجرى العمل به بتوافق أغلب المنظمات المحلية والأجنبية فإنه سيكون الفيصل في العلاقة.

ويروج بعض المناوئين للحكومة بأن تكرار صدور أحكام بالبراءة في قضية التمويلات الأجنبية منذ وصول الرئيس جو بايدن إلى الحكم في الولايات المتحدة، محاولة لإثبات حسن نواياها أمام واشنطن.

وفي المقابل يرى آخرون أن الربط بين التحرك الإيجابي من جانب القضاء والضغوط الخارجية ليس في محله لأن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي رفض التصديق على قانون الجمعيات الأهلية الذي قدمته الحكومة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وطالب بتعديله، كما أن الكثير من المنظمات الأهلية المتهمة بالتمويل المشبوه تمت تبرئتها قبل وصول بايدن للحكم لنفس الأسباب، أي عدم كفاية الأدلة.

ويشير هؤلاء إلى أن القضاء المصري لا يحكم وفق وجهة نظر الحكومة، وغير منطقي أن يشكك في التقارير الأمنية لمجرد استرضاء منظمات وحكومات أجنبية، لكنه يحكم وفق ما لديه من وثائق وتحريات منطقية بدليل أنه برأ 43 شخصية ومنظمة في ديسمبر من عام 2018، كانوا ضالعين في قضية التمويلات المشبوهة.

وتتداول قضية التمويل الأجنبي منذ عام 2011، بعد ثورة 25 يناير التي أسقطت نظام الرئيس حسني مبارك، وواجه العشرات من الحقوقيين والصحافيين والعاملين في منظمات أهلية محلية وأجنبية اتهامات بالحصول على تمويلات لأغراض سياسية والتحريض على أعمال عنف وتأليب الرأي العام ضد المجلس العسكري الحاكم.

وأكد نجاد البرعي الناشط الحقوقي البارز ومحامي المتهمين بالقضية أن الحكومة المصرية لا تتحرك في ملف المؤسسات الأهلية بناء على ضغوط خارجية، وتدرك عدم استطاعة أي قوة غربية إجبارها على فعل شيء لا يتسق معها، وكل تصرف تقوم به توحي من خلاله بأنها مستقلة القرار وتمضي وفق مواعيد وسياسات محددة.

وأضاف لـ”العرب” أن القاهرة مطالبة أكثر من أيّ وقت مضى بغلق منافذ الصداع المزمن الذي يطاردها بسبب ملف المنظمات الحقوقية، للتركيز في مواجهة التحديات المحلية والإقليمية، فهي ليست بحاجة للصراع على أكثر من جبهة، والأولى أن تعمل على حشد اصطفاف وطني خلفها وتعيد النظر في علاقتها بالمؤسسات الأهلية دون الحاجة لانتقادها من الخارج.

وبدأت بعض الأصوات المؤيدة للحكومة نفس الطرح بأن يسرع النظام من وتيرة تحسين علاقته بالمجتمع المدني حتى لا تتأثر تحركاته على المستويين الإقليمي والدولي بشكل سلبي، لتغلق منافذ الضغط، وتجيش الرأي العام لمواجهة التحديات وتحدد المتآمرين بحق.

النظام المصري أمامه فرصة ثمينة للتطبيع مع القوى السياسية والحقوقية، وتنحية الخلافات جانبا وفتح المجال العام لوقوف المجتمع صفا واحدا وراءه في قضية سد النهضة

وقال البرعي وهو من أشد المعارضين للحكومة، لـ”العرب” إن النظام المصري أمامه فرصة ثمينة للتطبيع مع القوى السياسية والحقوقية، وتنحية الخلافات جانبا وفتح المجال العام لوقوف المجتمع صفا واحدا وراءه في قضية سد النهضة، بحيث تكون المساندة قائمة على طبيعة قومية بعيدا عن التحزب والموالاة.

وتدعم بعض دوائر صناعة القرار هذا التوجه بأن تكون هناك مبادرات لفتح المجال أمام المجتمع المدني لممارسة نشاطه شريطة الالتزام بالثوابت الوطنية والأمن القومي المصري وفي حدود القانون، لكن ما يعيق تفعيل هذه المبادرات أن النظرة الأمنية لكثير من المنظمات الأهلية منحصرة في الشبهات وهناك حساسية مفرطة بدعوى الحفاظ على الاستقرار.

وينقص المرونة من جانب الحكومة في غلق القضية الأشهر والأكثر إثارة في معركتها مع المنظمات الأهلية الكثير من الخطوات التي توحي بأنها في الطريق لمراجعة حساباتها، على رأسها تحسين نظرتها للعمل الأهلي والكف عن وضع كل المؤسسات في خانة التآمر والتخريب والعمل لحساب تنظيمات متطرفة مثل جماعة الإخوان المسلمين.

وأصبح على الحكومة الاعتراف بأن وجهات نظر الجهات الأمنية حول العمل الأهلي ليست دائما هي الوحيدة الصائبة، بدليل أن القضاء نفسه لم يعترف بها وطعن في أغلبها وقضى ببراءة المتهمين، أشخاصا ومؤسسات، وبإمكان السلطة فرض ضوابط ملزمة وعقوبات صارمة، شريطة تطبيقها وفق القانون وليس لحسابات سياسية.

وبغض النظر عن الخلفيات التي تقف وراء التوسع في أحكام براءة المتهمين بالتمويل الأجنبي، غير أن التمعن في مضامينها يعكس وجهة نظر السلطة عموما تجاه مؤسسات العمل الأهلي، فالقاضي قال إنها شريكة للحكومة في التنمية، وهذا محور الخلاف بين مصر والولايات المتحدة، فالأخيرة تتمسك بأن يكون الانفتاح الأهلي سياسيا والقاهرة تصر على أنه تنموي.

وتبرر مصر موقفها بأنها لن تسمح بانحراف المنظمات الأهلية أن تكون بمثابة أحزاب سياسية تمارس دور المعارضة والرقابة على الحريات ما يدفع الجهات الأمنية لتصدر المواجهة، لكن يبدو أن التحديات الراهنة تغير من هذا الموقف الراسخ بشكل يجعل العلاقة بين القاهرة والمجتمع المدني قائمة على التوازن والتشارك لا القطيعة.

2