مصر تخفف ضغوط حقوق الإنسان لتتفرغ لتحدياتها الإقليمية

السلطات المصرية تفرج عن الصحافي والقيادي السابق بحزب الدستور خالد داوود.
الأربعاء 2021/04/14
قوانين الحبس الاحتياطي تحتاج إلى مراجعة

القاهرة - تنوعت خطوات الحكومة المصرية نحو إحداث انفراجة في ملف حقوق الإنسان المُلغم بالمشكلات في الوقت الذي تجابه فيه تحديات إقليمية عديدة تسعى لأن تتعامل معها من دون أن تتعرض إلى المزيد من الضغوط التي تركز على الحالة الحقوقية، وتعد بمثابة قضية مزعجة تحاول جاهدة سد ثغراتها.

وأفرجت السلطات المصرية في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء عن الصحافي والقيادي السابق بحزب الدستور (معارض) خالد داوود، بعد أن أمضى قرابة عامين في الحبس الاحتياطي وواجه اتهامات بالاشتراك مع جماعة إرهابية في إحدى الأنشطة التي دعت إليها، بعد شهر تقريباً من الإفراج عن صحافيين وسياسيين اعتقلوا احتياطياً على ذمة قضايا مختلفة.

وجاءت عمليات الإفراج المتتالية بالتزامن مع تبني دوائر سياسية مقترحات تشريعية تقضي بتعديل قانون الحبس الاحتياطي وتقليص المدد الخاصة به مع إيجاد آليات للإفراج عن المحبوسين احتياطياً ولا يشكلون خطراً أمنياً أو لم يتورطوا في أعمال عنف، وهي مقترحات لاقت ترحيباً من قوى معارضة ومنظمات حقوقية اعتبرتها فرصة للمزيد من تحسين أوضاع سجل حقوق الإنسان في مصر.

وأوصى مؤتمر “حقوق الإنسان.. بناء عالم ما بعد الجائحة” الذي نظمه المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية الأسبوع الماضي وينظر إليه باعتباره أحد الدوائر القريبة من سلطة اتخاذ القرار بالقاهرة، الجهات التشريعية والقضائية بإعادة النظر في المدد الخاصة بالحبس الاحتياطي في إطار خطة لتطوير التشريعات والقوانين.

جورج إسحاق: هناك انفراجة في ملف الإفراج عن المحبوسين احتياطياً
جورج إسحاق: هناك انفراجة في ملف الإفراج عن المحبوسين احتياطياً

وتضمنت توصيات المؤتمر الذي حضره عدد من الوزراء، إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي التي أنشئت بناءً عن مقترح شبابي قُدم منذ خمسة أعوام، وجرى تجميد دورها ولم تؤد مهمتها المنتظرة.

وأوضح عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان (حكومي) جورج إسحاق لـ”العرب” أن المؤشرات تبرهن على أن هناك انفراجة في ملف الإفراج عن المحبوسين احتياطياً، ومشاركة عدد من الوزراء في التوصيات الصادرة بشأن تعديل قوانين الحبس تؤكد أن الحكومة في سبيلها للتقدم بمقترحات قانونية إلى البرلمان تمهيداً لإقرارها.

ويرى مراقبون أن الحكومة تسير في طرق مختلفة لتحسين سجلها الحقوقي، فهي توسع دائرة الإفراج عن المحبوسين، وقصدت أن تشمل أسماء سياسية بارزة يعد الإفراج عنها له أصداء إيجابية على المستويين الداخلي والخارجي، ومحاولة ترتيب البيت الحقوقي عبر تفعيل قانون الجمعيات الأهلية وفتح صفحة جديدة مع المنظمات الحقوقية التي أُغلقت التحقيقات معها، وتحديث التشريعات الخاصة بقوانين الحبس الاحتياطي.

وتمكن هذه المسارات الأجهزة الرسمية تحديداً لجنة حقوق الإنسان بوزارة الخارجية من الرد على التقارير التي تصدر بين حين وآخر وتنتقد الأوضاع الحقوقية في مصر، لتثبت للمجتمع الدولي أن الدولة جادة في عملية الإصلاح وتعزز صلات تعاونها مع أصدقائها الذين تحتاج إليهم في جملة من الملفات الإقليمية المفتوحة.

وكشفت مصادر مطلعة لـ”العرب” أن دوائر سياسية عديدة رأت ضرورة حدوث انفراجة ملموسة تقنع المواطنين أولاً وتستطيع من خلالها الحصول على دعم قوى معارضة أبدت رغبتها في الوقوف إلى صف الدولة في مجابهة التحديات الخارجية، بما يؤدي لأن تكون هذه الانفراجة حائط صد لمنع محاولات اختراق الجبهة الداخلية.

ويردد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن بلاده قادرة على مجابهة التحديات بشرط تماسك الجبهة الداخلية، وعدم السماح بتفتتها، وهو ما يشي بأن التحركات الأخيرة جاءت في وقت أدرك فيه النظام أنه سيكون من الصعب المضي قدماً باتجاه التعامل مع الملفات الإقليمية الصعبة في ظل حالة غضب كامنة جراء التوسع في حالات القبض على المشتبه بهم، واحتجازهم فترات طويلة من دون محاكمات.

Thumbnail

وأضاف جورج إسحاق في تصريح لـ”العرب” أن الدولة المصرية تتعرض لأخطار بالغة التعقيد وسيكون من الضروري جذب أكبر قدر من الفئات الرافضة لسياسات النظام لأن تكون في ظهر الدولة وقيادتها، ما يتطلب المزيد من الإجراءات التي تعزز جدار الثقة بين الشباب والدولة.

وتطالب دوائر مصرية مختلفة بضرورة تشجيع الدولة على توسيع المجال السياسي عبر إتاحة انضمام الشباب للأحزاب بحرية، وممارسة العمل الحزبي لإثقال قدراتهم بطريقة تمكنهم من تولي المناصب القيادية في المستقبل.

وقد عاد ملف حقوق الإنسان ليصبح طرفاً فاعلاً في علاقات القاهرة مع حلفائها في الخارج على مستوى دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في وقت هي فيه بحاجة لمساندة سياسية إقليمية.

وذهب متابعون للتأكيد على أن الدعاوى التي وجهتها لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان المصري لبرلمانات الدول التي وجهت انتقادات للقاهرة في ملف حقوق الإنسان، تشي بأن ثمة تقدما على الأرض، وأن هناك إرادة لتحسين الصورة القاتمة للسجل الحقوقي.

وانعكس الانفتاح المصري على قضايا حقوق الإنسان على انخراط عدد من المشاهير والفنانين والنشطاء في الحملة الإلكترونية التي طالبت بالإفراج عن الطالب أيمن موسى، والذي ألُقى القبض عليه أثناء أحداث عنف وقعت في ميدان رمسيس (وسط القاهرة) في العام 2013، بما أعطى إشارة على أن صدر الحكومة يتقبل مثل هذه الحملات وسيتجاوب معها.

ويرى الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية عمرو هاشم ربيع أن تقييم جهود الحكومة في ملف المحبوسين بحاجة إلى المزيد من الإجراءات العلمية، لأن هناك أعدادا كبيرة قابعة في السجون، كما أن لجنة الإفراج الرئاسي السابقة لم تتمكن من القيام بأدوارها ولم تكن لديها صلاحيات تُمكنها من تحقيق أهدافها.

وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن التحديات الراهنة وتسليط الأضواء دولياً على حالة حقوق الإنسان بمصر تتطلب رؤى رسمية أكثر وضوحاً، على أن تكون معلنة بشكل صريح عبر بيانات وإفادات تؤكد أن الدولة ماضية في فتح المجال العام ومراجعة مواقفها السابقة وفقاً لمستجدات الأوضاع حتى تصل الرسالة إلى جميع الأطراف.

وشدد على أن البرلمان لن يكون قادراً على إخراج قوانين جديدة تقضي على مشكلات الحبس الاحتياطي إذا لم تتوافر إرادة جادة من الحكومة، فالأمر لن تجري عرقلته تحت قبة البرلمان، ومثل هذه القرارات القانونية والتنفيذية هي التي تُثبت أن الدولة تسير وفقاً لإستراتيجية وليس إجراءات تُقدم عليها لامتصاص غضبة ما.

2