مصر تخوض حروبا صحافية على طريقة "خسئت يا فريدمان"

الصحافي الأميركي توماس فريدمان كان قد انتقد حكم مبارك، فتلقى وابلا من الهجوم في افتتاحيات الصحف الحكومية ومقالات رؤساء التحرير.
الأربعاء 2018/09/05
من انتقدوا فريدمان أجبن من أن يوردوا اقتباسات من مقاله

قل لي أي حرب تخوض، وأي عدو تواجه أقل لك من أنت، وما قدرك الذي لا قد تراه عيناك، ولا يجرؤ أتباعك على مصارحتك به. في فترات الزهو الوطني تصير التحديات على قدر الطموح، والحروب كذلك ولو كانت غير متكافئة ونتائجها تراجيدية.

وفي مراحل التبعية تُعلن حروب الإلهاء الهزلية، “وتعظم في عين الصغير صغارها” إذا سمح لي المتنبي، فيصطف كتبة السلطة ويرشقون كاتبا أجنبيا، ينتقد الحاكم، بمقالات لن يقرأها، ويشيطنون كاتبا وطنيا أعلن مبادرة سلمية آملا أن تنهي احتقانا عموميا.

في الحالة الأولى، رفض جمال عبدالناصر توصية جهاز الأمن باعتقال أحمد بهاء الدين. وكان الرجل نقيبا للصحافيين بعد هزيمة 1967، وجرت محاكمات قادة سلاح الطيران، وصدرت بشأنهم عام 1968 أحكام قضائية رآها طلاب الجامعة مخففة، وتظاهروا أمام نقابة الصحافيين مطالبين بإعادة المحاكمة، فاجتمع النقيب في اليوم نفسه بمجلس النقابة الذي أيد مطالب المتظاهرين، وفوض النقيب بكتابة بيان، فعاد إلى بيته، وكتب بيانا شديد اللهجة، وفي الصباح أعلن البيان ووزع على الصحف، فأصيب البعض بالهلع، وخروجا من المأزق استسهل الأمن اعتقال الرجل، ولكن عبدالناصر رفض قائلا إنه يعرف بهاء الدين، وإنه يشتغل من رأسه، وينصت إلى ضميره، “بهاء مخه كده”.

كان بهاء الدين نموذجا للصحافي الضمير، هو قاض في محكمة ولا يدين بالولاء لسلطة ولو شغل منصبا تؤهله له موهبته وحدها. وحين تمكن السادات من السلطة، بعد 15 مايو 1971 نقل بهاء الدين من مؤسسة دار الهلال، وكان رئيس مجلس إدارتها ورئيس تحرير مجلة “المصور”، إلى روزاليوسف.

قرأ قرار النقل منشورا في الصحف، فغضب وكتب رسالة إلى السادات “لقد اخترعت الثورة صحافيين وكتابا ودكاترة في كل مجال، ولكنني لست أحد اختراعات الثورة، فمن حقي أن يؤخذ رأيي في أي أمر يتصل بي شخصيا، فلا أقرأه في الصحف دون سابق علم ولا أتحرك كقطعة شطرنج من مكان إلى مكان بلا رغبة”.

لم يكن السادات ولا غير السادات كاسرا لعين بهاء الدين الذي خلف من بعده خلف يدركون طبيعة مؤهلاتهم، وكان حسني مبارك يباهي برئيس تحرير صحيفة “المساء” سمير رجب الذي عينه رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير وعضوا بمجلس الشورى، ويقول إنه يكتب مقالا كل يوم، ولا يقارن بمحمد حسنين هيكل الذي كان يكتب مقالا في الأسبوع.

إعجاب مبارك بسمير رجب يلخصه مقال ساذج يليق بهما معا، وربما حسبه مبارك نوعا من الإلهام. وكان الصحافي الأميركي توماس فريدمان قد انتقد حكم مبارك، فتلقى وابلا من الهجوم، في افتتاحيات الصحف الحكومية ومقالات رؤساء التحرير. وكان من انتقدوا فريدمان أجبن من أن يوردوا اقتباسات من مقاله؛ خشية أن تقنع تلك السطور قراء مصريين لا يتوصلون إلى الأصل المنقود. وعثر سمير رجب على بلاغة جاهلية فارغة، فصرخ: “خسئت يا فريدمان”.

وما ينشر بالتزامن في الصحف الحكومية حاليا يخضع لنظرية هجومية غوغائية عنوانها “خسئت يا فريدمان”، ومن ضحاياها رجل رأيته مرة أو اثنتين، منذ ثلاثين عاما في نادي القصة بالقاهرة. ليست للنادي سمعة طيبة لدى الجماعة الأدبية، ولكنه مرحلة عبور أحيانا للأدباء الشبان، هكذا دخلته بضع مرات خلال أكثر من ثلاثين عاما، منها ندوة استمعت فيها وأنا طالب بجامعة القاهرة إلى قصة قصيرة لقاص يتسم اسمه بإيقاع موسيقي، وظننت أن اسمه المكون من كلمتين صفة لموصوف مقدّر.

ثم غاب عني سنين، إلى أن قربت ثورة 25 يناير 2011 البعيد، وعرفت أن ذلك القاص معصوم مرزوق كان سفيرا ومقاتلا في سلاح الصاعقة شرف بمواجهة العدو الصهيوني في حرب الاستنزاف، في حرب أكتوبر 1973، ونال نوط الشجاعة من الطبقة الأولى.

لا أحد يذكر الوجه الإبداعي لمعصوم الناصري الذي اقترح مبادرة، نداء “إلى شعب مصر حكاما ومحكومين في كل مكان كي يتوافقوا سلميا من أجل إنقاذ مصر من خلال: إجراء استفتاء شعبي عام وفقا للمادة 157 من الدستور للإجابة على سؤال واحد: هل تقبل استمرار نظام الحكم الحالي في الحكم؟”.

لجأ الرجل إلى الدستور للخروج بالبلاد من حالة احتقان وانقسام، ورأى ضرورة استقالة الحكومة وحل البرلمان إذا صوت غالبية المصريين بحجب الثقة، فاعتقل في إجازة عيد الأضحى، الخميس 23 أغسطس 2018، مع ستة معارضين. وفي اليوم التالي نسبت إليهم النيابة تهم “المشاركة مع جماعة إرهابية في الدعوة إلى أهدافها، وتلقي تمويلات بغرض الإرهاب، والمشاركة في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جريمة إرهابية”.

فريقان مصريان ينالان من وطنية معصوم مرزوق. الأول يشمل صحافيين وكتبة من ساقطي القيد أرامل حسني مبارك، وكانوا نجوما في الإعلام الحكومي، ويحظون بالرضا السامي من مبارك الكبير حسني، والصغير جمال.

وكانت أمانة السياسات في الحزب الوطني برئاسة جمال تحكم مصر علنا بأشكال سرية، وهبت عاصفة 25 يناير 2011 فاقتلعت أوهامهم. ومن باب التعاطف مع الضعف الإنساني يمكن التماس الأعذار لهذا الصنف البشري، وفهم عدم التسامح مع ثورة شعبية يرونها مؤامرة، وعملية تخريبية تستهدف هدم الدولة. وأما الثاني فيضم العائدين من الظل إلى حضن القوى المضادة للثورة. ومن المفارقات غير السارة أن مكرم محمد أحمد (84 عاما) خلف أحمد بهاء الدين في رئاسة تحرير مجلة “المصور” ورئاسة مجلس إدارة دار الهلال منذ عام 1980 لمدة ربع قرن.

أقصت 25 يناير 2011 مكرم محمد أحمد من منصب نقيب الصحافيين، ثم أعادته 30 يونيو 2013 رئيسا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهو تقريبا بديل وزارة الإعلام. واستباقا لاعتقال معصوم مرزوق كتب في 13 أغسطس 2018 في صحيفة الأهرام مقالا عنوانه “ماذا يريد معصوم مرزوق؟!”، وحرص على وضع علامتي الاستفهام والتعجب؛ فمن دونهما قد يظن سيء النية أن المقال سيشرح عدالة المبادرة وموضوعيتها، وليس لصحافي مخضرم ومحترف أن يقع في هذه الهفوة، بل ذهب مكرم بعيدا، وتناول الإصلاح الاقتصادي الذي “قارب على الانتهاء بنجاح عظيم”.

 وعلى نهج “خسئت يا فريدمان” وصف رجلا لا يحتكم في منصة إعلامية، باستثناء صفحة فيسبوكية، بأنه “كاره ومحبط”، ومبادرته هي “الحماقة التي أعيت من يداويها خاصة أننا إزاء ادعاءات لا تتساند إلى واقع وقانون، هدفها إثارة الفتنة والفوضى وهز استقرار الوطن”.

مبادرة فردية بهذا الضعف والتهافت، ولن يبالي بها الشعب، فكيف “تهز″ استقرار الوطن إلا إذا كان قلقا، ومتوترا ومضطربا مثلهم؟ هل يجد عاقل تفسيرا لاستنفار قوى التحريض على رجل لا يملك إلا صفحة زرقاء، أتاحها شاب أميركي اسمه الخواجة مارك؟

18