مصر تخوض معركتها ضد الإرهاب بإعلام مترهل

يشكو الكثيرون في مصر من تدهور قدرة الإعلام المصري على مواجهة الدعاية المضادة للدولة المصرية، في الداخل والخارج، وفشله في مواكبة الجهود الأمنية والعسكرية المضنية التي تبذل لمواجهة الإرهاب والإرهابيين، ولهذا دعا البعض من الخبراء والمهتمين بالشأن الإعلامي، إلى إيجاد "عقل إعلامي" جديد يدير المعركة.
الثلاثاء 2017/02/21
المواجهة العسكرية تحتاج دعما إعلاميا

القاهرة – لم تقتصر الحرب على الإرهاب، التي تخوضها الدولة المصرية ضد الجماعات المتطرفة في سيناء وعدد من المحافظات، على الجانب العسكري فقط بل إن الجانب الإعلامي واللعب على الوتر النفسي، كانا حاضرين في العديد من المواقف.

ومع تواري الاهتمام الدولي بالحرب التي تخوضها مصر وارتفاع موجة التشكيك في القدرات المصرية وعدم قدرة المؤسسات الإعلامية المصرية على نقل صورة واقعية عن طبيعة المعركة، بالإضافة إلى نجاح الطرف الآخر في الترويج لشائعات خلقت نوعا من عدم الثقة بين الحكومة والمواطنين، وجدت الدولة المصرية نفسها مضطرة إلى البحث عن إستراتيجية إعلامية جديدة لمواجهة هذه التحديات.

جاء أول تلميح إلى هذا الطرح خلال الندوة التثقيفية التي عقدتها القوات المسلحة المصرية مطلع الشهر الجاري. وتهدف الدعوة، التي طرحها المفكر المصري عبدالمنعم سعيد، إلى تأسيس إدارة أو "وحدة" جديدة لتسويق الأدوار التي تلعبها الدولة في مختلف المجالات.

وفي الوقت الحالي، غالبا ما تأتي خطط المؤسسات الإعلامية الحكومية كرد فعل على ما يتم نشره وتسويقه بشأن الدولة المصرية، سواء كان ذلك من خلال الجماعات الإرهابية التي تستخدم تكنولوجيا الإنترنت في الوصول إلى الفئات التي تستهدفها، أو من خلال الأخبار والشائعات التي تنشر بشأن الدولة المصرية في الخارج.

لكن تلك المؤسسات الحكومية -التي تتكون أذرعها من الهيئة العامة للاستعلامات، واتحاد الإذاعة والتلفزيون، والصحف القومية، بالإضافة إلى البعض من القنوات الخاصة القريبة من الأجهزة الأمنية بالدولة- لم تستطع الترويج بنجاح للسياسات والرؤى المصرية بالشكل المطلوب منذ اندلاع ثورة 30 يونيو.

وقال عبدالمنعم سعيد، لـ”العرب”، إن فكرته تتركز تحديدا على تأسيس مركز إعلامي، يكون بمثابة "هيئة أركان حرب إعلامية". ويمتلك المركز أدوات إعلامية مختلفة، تبدأ بالإعلام وتنتهي بالمعرفة، على أن يتم تطويع جميع الأذرع الإعلامية الحكومية والخاصة، لصالح نشر أخبار ومعلومات، تركز على سبل مكافحة الإرهاب إلى جانب مهمة الاتصال بالخارج.

نجاح الإستراتيجية الجديدة مرهون بضرورة تطبيقها بشكل احترافي بحيث تتكون من جيش إعلامي صغير وذكي

وأضاف أن الجهود الكبيرة للدولة المصرية في مواجهة الإرهاب، سواء كانت أدوارا عسكرية تتعلق بوزارتي الدفاع والداخلية، أو مواجهة فكرية تتعلق بوزارات الثقافة والآثار والتعليم، بحاجة إلى محرك رئيس ينسق عملها الإعلامي ويكون بمثابة وحدة مركزية تقود العمل الإعلامي الحكومي، وتعمل على وصول رسائله بشكل سليم، وفي الوقت المناسب.

ويكون المدخل الأساس للتسويق بشكل ديني أو مدني أو إنساني، كما يركز سعيد أيضا على خوض معركة نفسية ودعائية مع الطرف الآخر، فيما يبقى نجاح تلك الوحدة مرهونا باكتسابها المصداقية لدى فئات واسعة في الداخل، بالإضافة إلى كسب ثقة الخارج.

لغة متطورة

يكمن جوهر الإستراتيجية الجديدة في كيفية الوصول إلى أجيال ومجتمعات ومناطق جغرافية مختلفة، والتعامل مع كل منها على حدة باللغة التي تناسبها، وكذلك سرعة التعامل مع ما يتم ترويجه في الخارج من إشاعات وخلق وسائل اتصال سلسة مع قيادات الدولة المصرية، بشرط أن تسبق ما يتم ترويجه في قنوات الإخوان.

وأكد أساتذة الإعلام المصري أن هناك العديد من الكفاءات المدربة التي تستطيع إيجاد رؤى مبكرة للتعامل مع التطورات الإعلامية والتكنولوجية، فيما رأى مراقبون أن المشكلة الرئيسية التي تواجه الحكومة المصرية الحالية تتمثل في غياب التنسيق بين الأذرع والجهات الإعلامية التابعة للدولة، وهو الأمر الذي يدفع بالسير في اتجاه تأسيس تلك الوحدة، التي غالبا ما ستكون تابعة للرئاسة المصرية مباشرة.

وذهب البعض إلى التأكيد على أن وظيفة "المتحدث الإعلامي" بالوزارات والهيئات الحكومية المختلفة، أضحت بحاجة إلى تغيير مفاهيمها الإعلامية تجاه ما تقدمه من رسائل للرأي العام، وبالتالي فإن الأمر ذاته ينطبق على وجود رؤية واضحة تحددها تلك الوحدة وتسير على نهجها باقي المؤسسات.

وكثيرا ما ألح خبراء الإعلام في مصر على ضرورة وجود إدارة مركزية للجهود الاتصالية للحكومة، تكون معنية بتطوير جهات الاتصال، وداخل الأجهزة الإعلامية الموجودة في كل وزارة على حدة، على أن تقوم تلك الإدارة بالتنسيق بين إدارات الإعلام بالوزارات، وإنشاء الرسائل للخارج.

عبدالمنعم سعيد: جهود الدولة في مواجهة الإرهاب في حاجة إلى محرك ينسق عملها الإعلامي

لكن يبقى إصلاح المنظومة الإعلامية الرسمية للدولة أمرا مرتبطا بالإصلاح الفوري لمنظومة العدالة بكل عناصرها، بالإضافة إلى عمليات الدمج السياسي للملتزمين بالقانون والدستور، ومحاسبة المسؤولين عن إسالة الدماء، وهو أمر يسهل كثيرا من مهمات الإعلام في الداخل والخارج.

جيش إعلامي

يرى الخبير الإعلامي ياسر عبدالعزيز أن الطرف الذي من المفترض أن يقوم بتلك الأدوار في الوقت الحالي، وهو الهيئة العامة للاستعلامات، أضحى غير قادر على القيام بمهامه بصورة سليمة، بعد أن أصابه الترهل الوظيفي والتراجع الإداري.

وواجهت الحكومة المصرية انتقادات عديدة بسبب تقصير الإعلام الحكومي، وتحديدا الهيئة العامة للاستعلامات. وارتفعت حدة هذه الانتقادات مؤخرا، بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أشار فيها إلى أن الإعلام الأميركي لم يتناول 9 عمليات إرهابية شهدتها مصر، ما جعل الكثير من المتابعين يشيرون بأصابع الاتهام إلى تقصير الإعلام المصري في القيام بمهمة التواصل الناجح مع الخارج.

وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، تعرضت الهيئة، التي تعد صوت الدولة المصرية الأول في الخارج، إلى ما يشبه التجريف للقيادات الإعلامية بداخلها، كما أنه تم إغلاق 21 مكتبا من إجمالي 36 مكتبا لها في الخارج. كانت مهمة هذه المكاتب تقوم على توضيح حقيقة ما يجري في مصر من أحداث، وكذلك تم إلغاء ندب المستشارين في باريس والخرطوم وأبوجا وكمبالا والرباط.

ويؤكد ياسر عبدالعزيز أن الدولة المصرية أضحت بحاجة إلى عقل إعلامي مفكر يدير السياسات الاتصالية للدولة، ويركز على آليات صنع الصورة الذهنية الإيجابية لها، ويمتلك أدوات ناجعة للاتصال بالخارج والحديث بلغة احترافية يمكن أن تؤثر في الدول والمجتمعات الخارجية، بالإضافة أيضا إلى مخاطبة الداخل بلغة مختلفة عن التي تستخدم في الوقت الحالي.

واعتبر عبدالعزيز أن الأطروحات الحالية ليست كافية لبناء سياسة إعلامية جديدة لأن الأمر يستوجب أيضا تغيير مفهوم الدولة في التعامل مع ملف المعلومات. وقال إن هناك خلطا واضحا بين مفهوم الأمن القومي وإتاحة المعلومات.

وسبب هذا الخلط الأساسي التحدي الإرهابي، وبالتالي فإن المطلوب هو إتاحة قدر من التوازن بين مقتضيات الأمن القومي من جهة ومساحات الشفافية في المعلومات من ناحية أخرى. لكن نجاح الإستراتيجية الجديدة مرهون بضرورة تطبيقها بشكل احترافي بحيث تتكون من جيش إعلامي صغير وذكي.

كاتب مصري

7