مصر تدخل مرحلة التصفية المباشرة في حربها ضد الإرهاب

أجهزة الأمن المصري تسعى إلى تطبيق سياسة الردع في مواجهة انضمام عناصر جديدة إلى تلك الخلايا، لأن إقدامها على التصفية سيقابل برد فعل قوي من العناصر الإرهابية.
الاثنين 2018/08/06
تأهب أمني متواصل

أعلن الجيش المصري، الأحد، عن مقتل 52 مسلحا ضمن عملية المجابهة الشاملة المعروفة بـ”سيناء 2018”. وتستهدف العملية العسكرية مواجهة عناصر مسلحة شمالي ووسط سيناء (شرق) ومناطق أخرى في دلتا مصر (شمال) والظهير الصحراوي غرب وادي النيل. وتكشف التحركات الأمنية الأخيرة عن استراتيجية جديدة تنتهجها أجهزة الأمن المصرية، تتمثل في تصفية مباشرة للإرهابيين وتطبيق سياسة الردع في حال ثأر التنظيمات المتطرفة.

القاهرة- تمكنت الحملات الأمنية على البؤر الإرهابية في سيناء وغيرها، من القضاء على عدد كبير منها، قبل أن تنخرط عناصرها في تنفيذ علميات عنف مسلح، وأكد هذا التوجه تغير استراتيجية مواجهة التنظيمات الإرهابية في مصر، من خلال تفعيل سياسة التحركات الاستباقية للوصول إلى أوكار الاختباء والتصفية المباشرة لأعضائها.

وبحسب وثيقة صادرة عن وزارة الداخلية المصرية، نفذت قوات الأمن مداهمات متتالية لأوكار العناصر الإرهابية خارج سيناء، أسفرت عن مقتل العشرات منهم وإلقاء القبض على آخرين، بعد أن تم رصد 23 مقرا في محافظات مصرية مختلفة، استخدمتها العناصر الإرهابية في تخزين الأسلحة والذخائر والمفرقعات.

وأعلنت الشرطة المصرية، الأسبوع الماضي، مقتل خمسة من عناصر حسم التابعة لجماعة الإخوان، خلال اشتباكات بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)، وقالت أيضا إن أربعة مسلحين لقوا حتفهم في اشتباك مع الشرطة بمدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة (جنوب غرب القاهرة).

وأسفرت اشتباكات سابقة، وقعت بين قوات الأمن وعناصر حسم، عن مقتل 16 مسلحا في عمليتين منفصلتين بمحافظتي الإسماعيلية (شمال شرق القاهرة) والجيزة، وبعدها بأيام أعلنت الشرطة مقتل ثمانية من أعضاء الحركة ذاتها، في صحراء الفيوم (جنوب غرب القاهرة).

خالد عكاشة: سيطرة قوات الأمن على الدروب الصحراوية أصابت العناصر الإرهابية بشلل كبير
خالد عكاشة: سيطرة قوات الأمن على الدروب الصحراوية أصابت العناصر الإرهابية بشلل كبير

وواجه الأمن المصري خلال السنوات الماضية، مشكلات عدة في التعامل مع تلك الخلايا، وضمنها “حسم ولواء الثورة والمقاومة الشعبية والعقاب الثوري”، وهي خلايا كانت مجهولة، ما كان يعوق التعامل الأمني معها، وتسبب ذلك في وقوع حوادث إرهابية عديدة، منها اغتيال النائب العام المصري هشام بركات في العام 2015.

التضييق على الخلايا الإرهابية

كشفت مصادر أمنية لـ”العرب” أن الشرطة المصرية أمسكت بخيوط تشكيل الكثير من الخلايا العنقودية، بعد أن توافرت لها معلومات جمعتها من العناصر التي جرى القبض عليها، واستطاعت الحصول على خرائط وبيانات جديدة عن أماكن تواجدها، وقطع الإمدادات بينها وعناصر داعش في سيناء، فضلا عن سد الكثير من المنافذ على القادمين من ليبيا عبر الصحراء الغربية، ما جعلها معزولة عن أهم مصدر تمويل لها، وأضعف إمكانياتها.

وأكدت المصادر أن أجهزة الأمن قسمت المحافظات المصرية إلى قطاعات أمنية وفصلت بينها وبين ما يجري في سيناء، واستطاعت أن ترصد تحركاتها وأماكن تجمعها بدقة، واختارت توقيتات مناسبة للانقضاض على العناصر المختلفة، بعد أن هدأت الأوضاع نسبيا في سيناء.

وأضافت المصادر ذاتها أن جهاز الأمن الوطني (المسؤول عن جمع المعلومات) وغيره من الأجهزة الاستخباراتية استرجعت الكثير من قدراتها المعلوماتية، وكشفت المئات من القضايا المنظورة أمام المحاكم الكثير من ألغاز الخلايا والتعرف على مصادر تمويلها.

وأشارت المصادر الأمنية إلى أن القضية التي تحمل رقم 240 للعام 2017، والمتهم فيها 271 عنصرا، وهي من أكبر قضايا حركتي “حسم” و”لواء الثورة”، رفعت الغطاء عن خطط وتحركات عدد من خلايا جماعة الإخوان داخل محافظات مصر والمقرات التنظيمية وأماكن تخزين الأسلحة وإيواء العناصر الهاربة بعد تورطها في ارتكاب عمليات إرهابية.

وقال خالد عكاشة، عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف (حكومي)، إن النصف الثاني من العام الجاري هو الأكثر فعالية على مستوى المواجهات وإجهاض عمليات العنف، منذ بداية ظهور الخلايا الإرهابية قبل خمس سنوات، وكان نجاح قوات الأمن في اختراق تلك الخلايا العنقودية حاسما في المواجهات الأخيرة.

وأضاف لـ”العرب” أن سيطرة قوات الأمن على طرق تنقل العناصر بين الدروب الصحراوية ساهمت في تخفيف تنقلاتها، ومع توافر المعلومات الأمنية بشأنها كان من السهل الوصول إليها.

وأشار إلى أن وحدات مكافحة الإرهاب والمتشكلة من عناصر حرس الحدود – قوات الشرطة المدنية، ساعدت في إحكام السيطرة على الظهير الصحراوي للدلتا وغرب وادي النيل، وهما مكانان كانت تتحرك من خلالهما العناصر وصولا إلى العمق المصري، ما أصاب العناصر الإرهابية بشلل كبير.

تكتيك أمني

أوضح خبراء في التنظيمات الإسلامية أن شعور العناصر الإرهابية بالتضييق الشديد عليها، دفعها إلى اللجوء إلى ما يمكن تسميته بـ”الاشتباك الانتحاري”، ما قابله تغيير في التكتيك الأمني واللجوء إلى التصفية المباشرة بدلا من محاولة التحفظ على تلك العناصر ومحاكمتها.

الأمن المصري واجه خلال السنوات الماضية، مشكلات عدة في التعامل مع تلك الخلايا، وضمنها “حسم ولواء الثورة والمقاومة الشعبية والعقاب الثوري”

ولفت خالد الزعفراني، القيادي المنشق عن تنظيم الإخوان، إلى أن قوات الأمن استغلت قلة خبرات العناصر الشبابية المنتمية إلى الخلايا الإرهابية لتسهيل مهمتها نحو اختراق تلك الخلايا وتجنيد عدد كبير من عناصرها، وهو ما لم يكن متوافرا في قيادات التنظيمات المسلحة التابعة للإخوان الذين تشبعوا بأفكار العنف لدى الجماعة، وكان يصعب إحداث اختراق أفكارهم.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن استمرار تواجد بعض الخلايا في المحافظات يرجع إلى الوضع الاجتماعي الصعب وإلى ثغرات أمنية تستغلهما جماعة الإخوان لاستقطاب عناصر جديدة، أو من خلال قيادات شبابية لم تتوصل إليها قوات الأمن حتى الآن، وقد تركت المواجهة في الفترة المقبلة للعشوائية، ما يصب في صالح قوات الأمن التي لن تجد صعوبة في التعامل معها.

وساهم تراجع معدل العمليات الإرهابية في زيادة لجوء الأمن المصري إلى التصفية المباشرة، ولعب توافر المعلومات عن تلك العناصر دورا مهما في تسهيل الوصول إليها.وذكر اللواء رفعت عبدالحميد الخبير الأمني لـ”العرب” أن “أولوية الأمن المصري تنصب، بعد سنوات من الكر والفر مع العناصر الإرهابية، على اقتلاع جذور التنظيمات المسلحة، مستغلا حالة الضعف التي أضحت عليها، وبإلقاء القبض على عدد كبير من قياداتها”. 

وبالتوازي تسعى أجهزة الأمن المصري إلى تطبيق سياسة الردع في مواجهة انضمام عناصر جديدة إلى تلك الخلايا، لأن إقدامها على التصفية سيقابل برد فعل قوي من العناصر الإرهابية. وقد يدفع ذلك بعض الأعضاء إلى تشكيل خلايا جديدة تقوم على نزعة الثأر لمقتل زملائهم.

6