مصر تدفع ثمن أخطائها مع الإسلاميين

أثار قرار هيئة كبار العلماء بالأزهر رفض دعوة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لمنع الطلاق الشفهي، جدلا واسعا حول تجاوز الحديث عن مصير العلاقة بين النظام ومؤسسة الأزهر، إلى النبش في أصل هذه العلاقة وطبيعتها وتطوراتها بما يجعل الأزهر يردّ بشكل قاس على مطالبة الرئيس السيسي بتوثيق الطلاق كي يصبح واقعا، في موقف لم يعهده المصريون من قبل.
الخميس 2017/02/09
بلد يخشى أن يصبح برأسين

ليس ثمة من هو أكثر فشلا في الحكم من الإخوان المسلمين. هذه حقيقة نابعة عن تجربة مركّبة وخاطفة في مصر. كل واحد من بين الملايين الذين نزلوا إلى الشوارع للمطالبة برحيلهم، كان يؤمن بأن الإسلام السياسي خطر وجودي لا يمكن السماح له بالتغلغل في مؤسسات الحكم أكثر من ذلك.

الدولة أيضا بدت مقتنعة بهذه الاستراتيجية الجديدة التي ستقوم عليها شرعية حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي لاحقا.

لم يسبق أن صارت معاداة الإسلاميين مصدرا لشرعية سياسية في العالم العربي من قبل. حتى أيام جمال عبدالناصر لم ترتق مواجهات النظام والإخوان إلى أكثر من كونها صراعا على السلطة.

حتى الآن كانت نظرة النظام إلى الإسلاميين في مصر مقنعة بالنسبة إلى الناس العاديين. هذه القناعة هي مصدر الشرعية، ولا شيء آخر. لا أحد ينسى القوة التي كان السيسي يتمتع بها بعد 30 يونيو.

اليوم، يبدو النظام في أضعف حالاته. لا أحد بإمكانه تجاهل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي يواجهها البلد؛ نسب تضخم في الأسعار وبطالة غير مسبوقة، وحجم الدين العام في تصاعد، ومعدل ضخ الاستثمارات الأجنبية في السوق المحلية لا يذكر.

لكن، هل كانت الإصلاحات الاقتصادية مظلة للشرعية السياسية في يوم من الأيام في مصر؟ بناء المشروعات العملاقة التي ابتلعت أغلب المساعدات الخليجية ليس جديدا، رغم أن السياسيين في مصر يسمونها “شرعية الإنجاز". لا أعرف منذ متى تحوّل تشييد المباني إلى إنجاز.

لا أحد بنى مدنا جديدة ومشاريع عملاقة في الصحراء، ومدّ طرقا وجسورا مثل حسني مبارك. معدلات النمو الاقتصادي لم يكن لها مثيل أيامه منذ عصر النهضة الثانية في زمن عبدالناصر، وتدفق الاستثمارات الأجنبية غطى على الفساد الذي كان قد وصل إلى مؤشرات تاريخية. حتى دور الجيش في الحياة المدنية كان قد تراجع كثيرا لصالح المدنيين.

هل نفع هذا كله مبارك؟ لنطرح السؤال بطريقة أخرى: هل نزل الناس في 25 يناير 2011 بسبب الأوضاع الاقتصادية؟

احتضان السلفيين الذين شكلوا القوة البشرية الضاربة لاعتصام الإخوان في رابعة كان خطأ، والعودة لتدجين السلفيين خطأ، وترك الأمور تخرج عن السيطرة داخل الأزهر خطأ

مصر بلد قديم، عمره يقدر بآلاف السنين. خلال معظم فترات هذا الزمن الطويل التي جعلت منه أقدم دولة حقيقية في العالم، كان المصريون فقراء.

الناس في مصر لا تنتفض أو تحدث صخبا بسبب نقص في إمدادات السكر أو زيت الطعام. حركة المجتمع المصري ليست بهذه الخفة أو المرونة. هذه ناقلة نفط عملاقة، وليست قارب صيد.

يجد الحاكم في مصر نفسه أمام مشكلة حقيقية فقط عندما يوجّه للناس إهانة بالغة، أو يخلّ بتعاقده معهم. هذا ما يطلق عليه الشرعية الشعبية، التي لا علاقة لها في مصر بالشرعية السياسية، أو المشروعية القانونية.

ليس ثمة رئيس في التاريخ الحديث لم يسحب المصريون منه الشرعية، لكن بطرق مختلفة.

عبدالناصر نفسه كان مقبلا على كارثة فهمها هو مبكرا بعد حرب يونيو 1967 وسارع بالتنحي، لولا أن جدّد الناس الشرعية له وأبقوه في السلطة. شرعية السادات، التي اكتسبها من حرب 1973، لم تعد موجودة بمجرد أن وقّع اتفاقية السلام مع إسرائيل. هذه الاتفاقية أنهت واقعيا حكم السادات، قبل أن تنهي حياته.

أعداء الدولة وأصدقاؤها

محاولة توريث مبارك الحكم لنجله أشعر المصريين بالإهانة. هذا رجل ورث بلدا غاطسا في فساد هائل منذ وقت الانفتاح الاقتصادي أيام السادات، لكن كل هذا الفساد لم يكن محركا للأحداث لا أيام السادات ولا أيام مبارك. ظهور جمال المفاجئ هو ما قصم ظهر النظام.

النظام الحالي يواجه مشكلة مماثلة تلوح من بعيد.

الناس الذين قرروا النزول ضد جماعة الإخوان كانوا في نفس الوقت يمنحون شرعية الحكم في البلد بشرط محاربة الإسلاميين. لم يكن يعلم جلّ هؤلاء أن النظام سيصنّف لاحقا هؤلاء الإسلاميين سياسيا وعقائديا بين أصدقاء الدولة وأعدائها.

الإخوان والجهاديون وداعش هم أعداء الدولة، والسلفيون والإسلاميون داخل الأزهر وخارجه هم أصدقاؤها. هذا تقسيم سياسي بامتياز، ولا علاقة له بأي حرب لا على الإرهاب ولا غيره.

المعسكر الأول طالبُ سلطة والعودة إليها هي كل ما يسعى إليه. المعسكر الثاني لا علاقة له بالحكم، ولا يشكل أي تهديد يذكر على النظام.

إسناد مهمة تجديد الخطاب الديني لمجموعة من الإسلاميين المتشددين الذين يتبؤون مناصب في مؤسسة الأزهر ليس سوى إعطاء القط مفتاح الكرار؛ فالمهم بالنسبة لرجال الدين في الأزهر الاستئثار بأكبر قدر ممكن من التأثير على المجتمع

أين الحرب على الإرهاب هنا.. لم تعد واقعيا موجودة.

*لكن ألم يدع الرئيس السيسي إلى تجديد الخطاب الديني؟

*نعم

*إذن لماذا كل هذا التحامل عليه وعلى الحكومة؟

*المشكلة ليست في الدعوة إلى فعل شيء، المشكلة هي جوهر النظرة إلى كيفية القيام به. نظرة الحكومة المصرية إلى تجديد الخطاب الديني تشبه نظرة الموظف الكسول الذي يريد إثبات حضوره في العمل، من دون أن يقوم بأي عمل حقيقي.

إسناد مهمة تجديد الخطاب إلى مجموعة من الإسلاميين المتشددين الذين يتبوّؤون مناصب في مؤسسة الأزهر ليس سوى إعطاء القط مفتاح الكرار.

الحكومة تعرف خلفيات الكثير من أعضاء هيئة كبار العلماء (أعلى سلطة في الأزهر). من بين هؤلاء من نشر كلاما وشرائط مصورة تدعم الإخوان ومحمد مرسي بـعد عزلـه قبـل أكـثر من ثلاثـة أعـوام.

لم يفكر أحد طوال كل هذا الوقت في مشروع فكري حقيقي لمواجهة مشروع التشدد المقابل، الذي مازال يكسب أرضا كل يوم. التركيز على فصيل إسلامي فقط لأن لديه طموحا سياسيا، ليس حربا على الإرهاب. هذا استسهال وتهاون مع التطرف، وليس شيئا آخر.

اليوم يدفع النظام المصري ثمن أخطائه التي وقع فيها منذ اليوم الأول. احتضان السلفيين الذين شكلوا القوة البشرية الضـاربة لاعتصام الإخوان في رابعة العدوية كـان خطأ. العودة لتدجيـن جـانب من الإسلاميين، واستخدامـه كآداة أمنيـة خطأ. ترك الأمـور تخرج عن السيـطرة داخـل الأزهر خطأ.

هنا يأتي السؤال: لماذا يمنح الأزهر استقلالية مطلقة؟ هذه مؤسسة عريقة لطالما شكلت هوية مصر الإسلامية وشخصيتها.

نضال الأزهر ساهم تاريخيا في وقوف مصر على قدميها عدة مرات، منذ ما قبل الثورة التي قادها طلاب الأزهر في وجه الفرنسيين عام 1801، وصولا إلى ثورة 1919 ضد الإنكليز، التي شكل هؤلاء الطلاب وقودها.

صحيح أن الأزهر عمره أكثر من ألف عام، وأنه أقدم من أغلب الدول التي نعرفها اليوم في المنطقة، لكنه في النهاية يبقى مؤسسة دينية، ولا ينبغي أن يكون أكثر من ذلك.

أيام الحملة الفرنسية كان طبيعيا أن يشكل الأزهريون نخبة المجتمع وقادته. لكن لماذا يشكل رجال الدين الآن نخبا دينية أشبه بسلطة عليا لا تخضع لأي مساءلة؟

طلاق الأزهر والدولة

معضلة الطلاق الشفهي ليست سوى انعكاسا لحرب باردة تدور رحاها بهدوء بين السلطة السياسية والسلطة الدينية. جواب الأزهر على مطالبات الرئيس عبدالفتاح السيسي بتوثيق الطلاق كي يصبح واقعا كان قاسيا.

قال الأزهر في بيان مخاطبا رئيس الدولة إن “الناس ليسوا في حاجة الآن إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجة إلى البحث عن وسائل تيسر سبل العيش الكريم.. وظاهرة شيوع الطلاق لا يقضي عليها اشتراط الإشهاد أو التوثيق، والعلاج الصحيح يكون في رعاية الشباب وحمايتهم…”.

لم نر مثل هذا الكلام في مصر من قبل. هذا بيان يذكر بمواقف المرجعيات الشيعية التي تحظى باستقلال كامل في إيران والعراق. هناك، ليس ثمة من يسائل أو يحاسب رجال الدين، إذ لا سلطة للدولة على ما يرتفع فوق مقامها.

في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، بينما كان شيخ الأزهر محمود شلتوت والمرجع الشيعي التاريخي في إيران آية الله بروجوردي يبحثان التقريب بين المذاهب في العالم الإسلامي كانت المفارقة واضحة. كان بروجوردي يتخذ القرارات على الطاولة، في حين كان شلتوت يعود دائما إلى عبدالناصر لطلب الاستشارة.

المشكلة لم تعد في توغل قادة فكر الإسلام السياسي في صفوف الأزهر وسيطرتهم عليه. المشكلة باتت أعقد من ذلك بكثير، وصارت جاهزة للتحول إلى أزمة في شرعية الحكم

في إيران تحظى العتبات المقدسة والمدارس والمرجعيات باستقلالية تامة. النتيجة كانت أن كل الاضطرابات والثورات المتقطعة ضد حكم الشاه وأبيه كان يقودها رجال الدين. أنتجت هذه الطبيعة العقائدية المعقدة بالتدريج دولة الخميني.

اليوم، لا يبدو أن هناك فرقا في الشكل بين مؤسسة الأزهر والمرجعيات الشيعية. الفرق جوهري بالأساس، هو أن أزهر اليوم يبذل كل ما يملك بحثا عن نقاط اختلاف عقائدي مع الشيعة، وفي نفس الوقت يكافح كي يحظى بمكانة دينية ليس لها مثيل في العالم سوى عندهم.

الشيعة مثلا يعتقدون أن حضور الشهود أثناء عقد القران مستحب، وليس ضروريا، ويجوز أن يتم شفهيا، لكن لا شفاهية في الطلاق.

المنطلق العقائدي هنا هو أن لا حقوق يمكن الاختلاف عليها عند الزواج، الكلام في الحقوق يكون عند الطلاق، الذي يجب أن يكون موثقا.

لا يهم رجال الدين في الأزهر مثل هذه الأحجيات، المهم هو القدرة على الاستئثار بأكبر قدر ممكن من التأثير على المجتمع، الذي بات رهينة لمعتقدات رجال الدين.

انظر مثلا إلى فيلم “مولانا”، ومعارضة الكثير من رجال الأزهر له. بعض المشايخ كانوا يظهرون على الشاشات لمهاجمة الفيلم وصانعيه من دون أن يكونوا قد شاهدوا ولو جزءا منه.

البعض الآخر ممن شاهدوه على مضض كانوا يعارضونه لسبب جوهري: وهو أنه كشف بحنكة الوجه النفعي والمهادن، خصوصا للأمن، عند الكثير من الشخصيات النافذة في المؤسسة.

لم تعد المشكلة في توغل قادة فكر الإسلام السياسي في صفوف الأزهر وسيطرتهم عليه. هذا الكلام صار أشبه ببضاعة مستهلكة، ولم يعد له قيمة. المشكلة باتت أعقد منذ ذلك بكثير، وصارت جاهزة للتحول إلى أزمة في شرعية الحكم.

الناس العاديون المعادون للإخوان تفرجوا على الأزهر وهو يسجن الباحث إسلام بحيري لمجرد أنه طالب بتفريغ الحواضن الفكرية للجهاديين من مضمونها، والوقوف في وجه تحول الأزهر إلى كهنوت يدعي تمثيل الله على الأرض.

إبراهيم عيسى، الذي تم إجلاسه في منزله لأنه يهاجم مهادنة الدولة وتهاونها مع السلفيين المتشددين وكان يسبب صداعا للأزهر لمدة أربعة أيام أسبوعيا، ترك خلفه علامات استفهام على تحول البلد إلى ساحة صلاة كبيرة يؤمها شيخ الأزهر، ويؤمن باقي المصريين خلفه على كل ما يقول.

إذا استمرت هذه المهزلة فسيبدأ المصريون في إعادة التفكير في جوهر القضية برمتها.. قضية الحكم مقابل تخليص البلد من الإسلاميين. سيقود هذا بقصد أو من دون قصد إلى أن تتحول المواجهة ضد الإسلاميين تدريجيا إلى مواجهة ضد كل المصريين.

عندما كان أقوى نظام في العالم العربي بعد 30 يونيو 2013، لم يقم النظام المصري بما جاء من أجل القيام به.. ماذا سيفعل بعد أن صار اليوم أضعف كثيرا من ذي قبل؟

كاتب مصري مقيم في لندن

7