مصر تدفع ثمن سياسات "طرد" الإستثمارات الأجنبية

بينما تترقب مصر دخول الاستثمارات الأجنبية الجديدة حيز التنفيذ، إلا أنها تبدو مكبلة بحسب الخبراء إزاء البعض من العراقيل التي قد تطيح بآمال القاهرة في انعاش اقتصادها المنكمش بعد تعليق عدة مشاريع بسبب أزمة شح الدولار.
الجمعة 2016/02/12
ذوبان الآمال على نيران البيروقراطية الهادئة

القاهرة - تواجه الحكومة المصرية موقفا محرجا بسبب توقف أو تعليق العديد من الاستثمارات في البلاد نظرا لنقص السيولة النقدية والإجراءات الجمركية المعقدة وغيرها من العوامل المباشرة، ما سينعكس سلبا على نمو اقتصاد البلاد.

وأعلنت شركات أجنبية عن توقف إنتاجها بمصر أو عزمها الرحيل من السوق المحلية بسبب عجز البنوك المصرية عن تلبية احتياجاتها من الدولار للوفاء بمستلزمات إنتاجها المستوردة من الخارج.

وكانت آخر هذه الشركات، جنرال موتورز، التي أعلنت توقف نشاطها الإنتاجي مؤقتا، نظرا لعدم قدرتها على الإفراج عن مستلزمات الإنتاج المحتجزة في الجمارك منذ فترة بسبب نقص الدولار.

وليست هذه الشركة الوحيدة الأجنبية التي اتخذت هذه الخطوة، بل اضطر رجل الأعمال محمد العبار رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية الإماراتية إلى إلغاء مشاركته في بناء العاصمة الإدارية الجديدة قبل أن يبدأ المشروع من الأساس نظرا للإجراءات البيروقراطية.

كما تعاني البلاد نقصا كبيرا في الأدوية يهدد حياة العديد من المواطنين، وأسهم ارتفاع سعر الدولار في تعميق الأزمة التي أصبحت تهدد مصانع الأدوية بإقفال أبوابها بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج.

ولا تزال أكثر من 70 بالمئة من المستشفيات الحكومية، التي يتردد عليها ما يقرب من ثلاثين مليون مصري تعاني نقص الأدوية، ما أدى إلى حالات وفاة بينهم أطفال.

وتعتبر نقابة الصيادلة أن إنهاء أزمة نقص الأدوية في مصر يعتمد على إنشاء “هيئة مستقلة للدواء” منفصلة تماما عن وزارة الصحة لأن الوزارة برأيها تشكل أكبر عائق لصناعة الأدوية في البلاد.

204 مليون دولار مبلغ اقترضته جنرال موتورز من مصر، أي 8 مرات أكثر من رأس مالها

وتسعى النقابة في الفترة المقبلة إلى رفع أسعار بعض الأدوية، معتبرة أن هذه الخطوة ستوفر الأدوية بشكل مناسب للمريض، وبما يلائم تكلفة الإنتاج.

وتمر مصر بأزمة تمويلية بشكل عام وعجز واضح في مواردها من العملات الصعبة بعدما تأثرت مواردها الدولارية سلبيا نتيجة تراجع عوائد السياحة بنهاية العام الماضي إلى 6.5 مليار دولار، بينما كانت تصل قبل أربع سنوات إلى حوالي 9.7 مليار دولار.

وسجلت عوائد قناة السويس تراجعا في إيراداتها بنهاية 2015، بنحو 290 مليون دولار، مقارنة بما تحقق في نهاية 2014.

ولم تعد الصادرات البترولية مصدرا لجلب الدولار في مصر بعد أن تحول الميزان النفطي إلى عجز منذ فترة. فمع نهاية عامي 2014 و2015 بلغ العجز في الميزان البترولي 3.6 مليار دولار.

وتضغط أزمة الدولار بقوة على مقدرات الاقتصاد المصري، فحسب بيانات البنك المركزي، بلغ عجز ميزان المدفوعات بنهاية الربع الأول من السنة المالية الحالية التي تنتهي في يوليو القادم نحو 3.7 مليار دولار.

ويتوقع أن يستمر هذا العجز بسبب الاختلال الهيكلي في العلاقات الاقتصادية الخارجية بمصر ليصل بنهاية يونيو 2016 حوالي 15 مليار دولار.

وتقاوم مصر بشدة ضغوطا لخفض قيمة الجنيه وتعمل على ترشيد مبيعات الدولار عن طريق عطاءات أسبوعية لبيع العملة إلى البنوك مما يبقي الجنيه عند مستوى قوي بشكل مصطنع.

حصص الاستثمارات الحالية
قطاع البترول يستحوذ على 60.4 بالمئة

القطاع العقارييستحوذ على 6.9 بالمئة

قطاع الإعماريستحوذ على 6 بالمئة

قطاع الصناعة يستحوذ على 1.2 بالمئة

وتسعى القاهرة جاهدة، منذ أن طرأ تغير على مشهد سوق النفط، إلى اعتماد الكثير من الإجراءات لجلب المستثمرين لمساعدتها في زيادة النمو الاقتصادي عبر وضع حزمة من الحوافز أمام المستثمرين لدخول السوق المصري.

وفرضت أيضا قيودا في الشهرين الأخيرين للحد من فوضى الاستيراد العشوائي في ظل شح مواردها من العملة الصعبة بهدف القضاء على الثغرات التى يستغلها بعض المستوردين للتهرب من الرسوم وسعيا لحفظ موارد الخزانة العامة من الجمارك.

ويبعث سلوك الشركات الأجنبية في مصر بمؤشرات سلبية إذ أنها تعني أن مناخ الاستثمار بمصر غير موات وأنها غير قادرة على تلبية احتياجات هذه الشركات، فضلا عما تواجهها من صعوبة في تحويل أرباحها للخارج بالعملة الصعبة، مما يضيع على مصر فرصة جذب المزيد من هذه الاستثمارات الفترة القادمة.

وبين طارق عامر، محافظ البنك المركزي مؤخرا، أن ما حققته شركة جنرال موتورز من أرباح في مصر خلال الثلاثين عاما الماضية كان كبيرا، وأنها حصلت على تمويل من البنوك المصرية بنحو 204 مليون دولار، في حين أن رأس مالها المدفوع 25.5 مليون دولار.

وحققت جنرال موتورز أرباحا في 2014 فقط تبلغ قيمتها حوالي 53.6 مليون دولار، أي أنها ربحت في عام واحد أكثر من ضعف رأسمالها المدفوع.

وهوت احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي من 36 مليار دولار قبل خمسة أعوام إلى حوالي 16.477 مليار دولار في نهاية يناير الماضي، مما يجعل من الصعب على البنك المركزي حماية قيمة الجنيه المصري.

وحسب بيانات وزارة المالية، فإن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تمثل نسبة شديدة الضآلة، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي وذلك على مدار السنوات الخمس الماضية. ففي السنة المالية 2011-2010 مثلت هذه الاستثمارات نسبة 0.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ووصلت إلى 1.9 بالمئة في السنة المالية الماضية.

وأثر ذلك الوضع أيضا على المجالات التي تستثمر فيها هذه الأموال الأجنبية ومدى دفعها لمشروع التنمية بمصر، فوفق بيانات المركزي المصري فإن قطاع البترول يستحوذ على 60.4 بالمئة من هذه الاستثمارات، بينما قطاع الصناعة يحصل على النسبة الأدنى 2.1 بالمئة وقطاع التشييد والبناء 6 بالمئة والقطاع العقاري 6.9 بالمئة.

وتتجه مصر إلى خفض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار في الموازنة الجديدة لمواجهة شح الدولار من السوق.

11