مصر تربح في سياستها الخارجية

الاثنين 2014/04/28

كل من تابع الوضع الذي كانت عليه علاقات مصر الخارجية بعد ثورة 30 يونيو، شعر أنها تواجه مجموعة خطيرة من التحديات، وتحتاج إلى وقت طويل لإصلاح كثير من الجدران التي تحطمت، بسبب الخلافات التي نشبت بين السلطة المصرية الجديدة وقوى خارجية متعددة، وبدت الأخيرة عازمة على استنفار هممها لتضييق الخناق على القاهرة، وإجبارها على التراجع عن خطوة عزل الرئيس محمد مرسي، وتسليم السلطة للإخوان ثانية.

يومها بدت مصر محاصرة بجملة من المشكلات الداخلية وحزمة من الأزمات الخارجية، وتفكيك أي منهما كان صعب المنال، خاصة أنهما (المشكلات والأزمات) متلازمتان، فك عقدة في إحداهما يؤدي إلى فك أخرى في الجانب الموازي، ولم يكن أحد يتخيل أن يتم تفكيك سلسلة العقد الخارجية بهذه السرعة، فقد كانت الصورة غائمة تماما، وتوقع كثيرون أن تضطر مصر إلى تقديم تنازلات لبعض القوى حتى تفلت من الطوق الذي يحاصرها، أو تغير وجهتها السياسية، وتلجأ إلى تعزيز علاقاتها مع قوى منافسة.

النتيجة التي وصلت إليها مصر على هذا المستوى مرضية إلى حد كبير، وتسير في اتجاه إيجابي، ومعاكس للتقديرات والانطباعات السابقة، فقد تمكنت القاهرة من ترطيب الأجواء التي خيمت على سماء علاقاتها مع الولايات المتحدة، واضطرت الأخيرة إلى تقبل وجهة نظر الأولى، بعد أن كادت الأمور تصل إلى حد القطيعة، ولعل الزيارة التي يقوم بها نبيل فهمي وزير خارجية مصر الآن لأميركا، تكشف إلى أي مدى حدث تغيير في الرؤية التي كانت تتبناها إدارة باراك أوباما، فقد أكدت رسائل التطمينات السياسية والخطوات التي اتخذتها واشنطن في عدد من القضايا الشائكة، أن الموقف العام في طريقه إلى مزيد التحسن، بل والعودة إلى سابق عهده.

المسألة لا تتوقف عند حدود واشنطن، حيث ظهرت إشارات إيجابية من قبل أثيوبيا، توحي بعدم استبعاد الحوار والتفاهم حول ملف سد النهضة، بعد فترة من التعنت، كان خلالها شبح الحرب غير مستبعد، كما أن الخطاب المشحون بالغضب المعلن والمكتوم، ضد مصر من قطر وتركيا والسودان وإيران، تغير إلى حد كبير، وبصرف النظر عن وسائل وأدوات التغير، فالحصيلة أن هذه الدول أضحت على اقتناع أن هناك واقعا جديدا يتشكل في مصر يصعب تغافله.

إذا تفحصنا الأسباب التي أدت إلى تمكين مصر من نجاح سياستها الخارجية، سنجد أنها كثيرة، ولعبت فيها مهارة بعض الدول العربية دورا لا يقل عن المهارة المصرية، فقد كان لموقف السعودية والإمارات والبحرين والكويت أثر مهم في تغيير التوازنات والقواعد التي حاولت بعض القوى الإقليمية والدولية فرضها على مصر، ونجحت الدول العربية السابقة في تفويت الفرصة على استكمال مؤامرة خنق مصر، وإدخالها في دوامة خطيرة من العنف، وظهر هذا الدور في دفع قطر إلى تخفيف دعمها للإخوان، وحدوث تعديل كبير في مواقف دول مثل، الولايات المتحدة وبريطانيا، وتحجيم تطلعات السودان وتركيا وتونس، ووقف تمادي أي منهم في دعم الإخوان، دون أن تلجأ مصر إلى إدخال تعديلات في توجهاتها السياسية، وظهرت القاهرة وكأنها هي التي فرضت كلمتها على هؤلاء.

الباحث في الأدبيات التي أفضت إلى هذا التغير، يستطيع أن يضع يده على حزمة من العوامل، يمكن القول إنها ساهمت في تحسين وتحصين الموقف المصري، في مقدمتها، الإعلاء من قيمة الدائرة العربية والأفريقية، وإصلاح أجزاء كبيرة في الهياكل التي تكسرت خلال السنوات الماضية، وبدا الأمن القومي العربي على صلة بالأمن المصري والعكس، وكانت تجليات الصورة ظاهرة في التحالف الذي ربط غالبية دول الخليج مع مصر، وما أدى إليه من تطورات في المواقف الإقليمية والدولية، كما أن ضخ الدماء في العروق الأفريقية، ساعد على وقف استمرار بعض الدول في الضغط على القاهرة، وجذب دول إلى صفها، جعلت من حاولوا الاستقواء بدول هذا القارة يخرجون صفر اليدين، ويعبر تغير الموقف الأثيوبي عن هذه السياسة، ويؤكد أن مصر نجحت في الالتفاف على مناورات أديس أبابا، من خلال الوصول إلى دول ممولة لسد النهضة اضطرت إلى إعلان وقف عملية التمويل.

من جهة ثانية، تخلصت السياسة الخارجية المصرية من حالة الضعف التي سكنتها سنوات طويلة، وقدمت مواقف بلدها بثقة شديدة، وأنها تملك من المقومات الاستراتيجية ما يجعل قوى كبرى تحتاج إليها، ولا تفرط فيها، واتبعت بالتوازي مع هذا الخط دبلوماسية هجومية متماسكة، وتخلت عن سياسة رد الفعل التي كبدتها خسائر فادحة من قبل، وكان ذلك واضحا مع الولايات المتحدة، حيث جرى التلويح بورقة روسيا والصين، ومع أثيوبيا بتوثيق العلاقات مع جيرانها وأعدائها ومنافسيها وأصدقائها، ومع قطر بالكشف عن مؤامرات وعمليات تجسس وهكذا، حتى تراكمت رزمة من الأوراق مكنت القاهرة من تصحيح الكثير من مناطق الخلل في السياسة الخارجية، لعب فيها الوزير نبيل فهمي دورا بالتنسيق مع المؤسسات الأمنية والاقتصادية، فكسبت مصر جولة من أصعب الجولات، لم تكن تقبل القسمة على إثنين.


كاتب مصري

9