مصر تردع المتحرشين جنسيا بأحكام قضائية مشددة

الحكم بـ8 سنوات سجنا على متحرش رسالة جدّية تحض الناجيات.
الأربعاء 2021/04/14
تحديات كبيرة في مواجهة ظاهرة التحرش

على الإبلاغ عن الاعتداءات الجنسية صنفت المنظمات الدولية القاهرة بؤرة خطيرة عالميا بالنسبة إلى النساء، حيث تتعرض 99 في المئة منهن للتحرش الجنسي. وتواجه مصر تحديات كبيرة لتطويق ظاهرة التحرش سواء بتفعيل القوانين الحامية للمرأة أو بتطبيق أحكام سجنية ضد مرتكبيه. ورحبت جهات مدافعة عن حقوق المرأة بالحكم الصادر ضد طالب الجامعة الأميركية المتهم في قضية التحرش التي فجرت سخطا عاما ضد الظاهرة في مصر، العام الماضي.

القاهرة – تسعى الجهات المختصة في مصر لردع المتحرشين بالنساء بتشديد العقوبات ضدهم. وقضت المحكمة مؤخرا بسجن أحمد بسام زكي، طالب الجامعة الأميركية البالغ من العمر 20 عامًا، والمتهم بالتحرش بـ50 فتاة.

وزكي من عائلة ثرية، اعتقل في يوليو الماضي بعد إطلاق حملة ضده على إنستغرام وتمت إحالته إلى المحاكمة بتهمة هتك عرض ثلاث فتيات على الأقل وابتزازهن، وجميعهن دون سن الـ18، بين عامي 2016 و2020.

ورحبت ناشطة مصرية على موقع إنستغرام بقرار محكمة مؤخرا بسجن الطالب الجامعي لمدة ثماني سنوات بتهمة ارتكاب جرائم جنسية بعد أن أثارت حملتها ضد الإساءة للنساء والتحرش بهن حركة “مي تو” في بلادها.

وقال محامي الفتاة أحمد راغب على فيسبوك إن محكمة جنايات القاهرة حكمت عليه يوم الأحد بالسجن ثماني سنوات. وحكمت عليه محكمة أخرى في ديسمبر بالسجن ثلاث سنوات بتهمة التحرش بفتاتين عبر الإنترنت.

رضا الدمبوكي: لا مكان للصمت اليوم أو الخوف من نظرة المجتمع
رضا الدمبوكي: لا مكان للصمت اليوم أو الخوف من نظرة المجتمع

وجذبت قضية زكي اهتمامًا واسعًا من وسائل الإعلام ورجال الدين والجماعات النسائية في دولة يقول فيها المدافعون عن حقوق الإنسان إن التحرش الجنسي أو الاعتداء الجنسي غالبًا ما يمران دون عقاب بينما تتهم النساء في أغلب الأحيان بالتحريض على الجرائم الجنسية.

وقال المجلس القومي للمرأة الذي تديره الدولة إنه تلقى أكثر من 400 شكوى تتعلق بأشكال مختلفة من العنف ضد المرأة منذ ظهور غضب وسخط الرأي العام، كما كانت وسائل الإعلام المحلية تدعم بشكل كبير ضحايا زكي.

وعبر العلماء في جامعة الأزهر عن دعمهم للضحايا، حيث أصدروا بيانا يشجع النساء على الإدلاء بشهاداتهن حول الاعتداء الجنسي، ورفضوا أي اتهامات موجهة إليهن تفيد بأن لباسهن أو سلوكهن هما سبب تعرضهن للاعتداء

وأطلقت مجموعة من الفتيات حملة عبر مواقع التواصل ضد بسام زكي للكشف عن تصرفاته ضدهن و ضد فتيات أخريات، حيث وصل الأمر إلى درجة اغتصاب فتاة عمرها 14 عامًا.

وقالت الفتيات اللاتي يبلغ عددهن أكثر من 50 فتاة ممن درسن بالجامعة الأميركية في القاهرة، في تدويناتهن إنه تحرش بهن، بل وابتزهن بعد ذلك.

انتصار السعيد: مواجهة التحرش تبدأ بالتوعية بمخاطره خاصة النفسية
انتصار السعيد: مواجهة التحرش تبدأ بالتوعية بمخاطره خاصة النفسية

وينتشر التحرش الجنسي على نطاق واسع إلى درجة أن دراسة نشرتها الأمم المتحدة عام 2013 كشفت أن جميع النساء المصريات تقريبا -حوالي 99 في المئة من اللاتي شملهن الاستطلاع- كن ضحايا للتحرش.

وقالت الناشطة النسوية في مصر مزن حسن إن هذا التحرك بمثابة خطوة جديدة في حركة كانت تُبنى منذ أعوام، مشيرة إلى أنها فخورة بذلك، لكنها اعترفت بأن مصر متخلفة عن الكثير من الدول في ما يتعلّق بحماية حقوق المرأة. وعلى الرغم من تجريم التحرش الجنسي عام 2014، فإن الإدانة بالاغتصاب لا تزال صعبة للغاية.

أدى ذلك إلى قيام مئات النساء بالتحدث على وسائل التواصل الاجتماعي حول الاعتداء الجنسي وفضح العديد من الرجال بما في ذلك قضية اغتصاب بارزة وقعت في فندق بالقاهرة في عام 2014.

وقالت نادين أشرف، مؤسسة حساب “أسولت بوليس” الذي كشف عن القضية، لمؤسسة

تومسون رويترز “نحن سعداء جدًا بالحكم (…) لأننا عملنا كثيرًا على هذا الأمر ونجني الثمار الآن. إن إجمالي 11 عامًا في السجن ليس بالأمر السيء على الإطلاق”.

وكانت أشرف طالبة في الجامعة الأميركية بالقاهرة عندما قررت العام الماضي تشكيل حساب “أسولت بوليس” بعد أن سمعت مزاعم من أصدقاء في الجامعة بشأن زكي.

وقالت أشرف إن هدفها هو تغيير المواقف في مصر تجاه النساء اللواتي يتعرضن لاعتداء جنسي.

وذكرت في مقابلة العام الماضي “المجتمع يلوم الضحية دائمًا، وليس الشخص الذي يقوم بالتحرش. وحتى إذا لم يلوموها، فإنهم يضغطون عليها للتكتم بشأن ذلك”.

وأشعلت قضية زكي حركة ضخمة على الإنترنت بعد ظهورها في يوليو الماضي في مصر.

صورة

واستجابة للجدل العام المتزايد حول سلامة المرأة أصدر البرلمان قانونًا في أغسطس يمنح المرأة الحق التلقائي في إخفاء الهوية عند الإبلاغ عن الجرائم الجنسية في الدولة المحافظة، في محاولة لتشجيع المزيد على الإبلاغ عن الاعتداءات الجنسية.

وقال رضا الدنبوكي، المدير التنفيذي لمركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية، إن الحكم الصادر يوم الأحد يبعث برسالة قوية للناجيات تحثهن على الإبلاغ عن حالات التحرش الجنسي.

وقال لمؤسسة طومسون رويترز “إنه بيان يؤكد أنه لا مكان للصمت اليوم أو الخوف من نظرة المجتمع”.

وقالت انتصار السعيد رئيسة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون إن التحرش ظاهرة مزعجة تتواصل في المجتمع المصري منذ سنوات، لكن الجديد فيها هو قرار الفتيات والسيدات المواجهة والتحدث عنها وفضح المتحرشين.

وذكرت لـ”العرب” أن القانون يتضمن نصوصا رادعة للمواجهة، لكن المشكلة في التطبيق، وتحايل بعض المتحرشين بإلصاق التهم بالضحية، كالادعاء بمحاولتها السرقة أو تعرضه للضرب من قبلها، إلى جانب صعوبة إثبات التحرش في بيئة العمل.

سعيد عبدالحافظ: مكافحة التحرش لن تتم إلا بتوعية الضحايا بحقوقهن
سعيد عبدالحافظ: مكافحة التحرش لن تتم إلا بتوعية الضحايا بحقوقهن

وأشارت إلى أن الحل الأساسي لمواجهة التحرش الجنسي يتمثل في التوعية بمخاطره خاصة النفسية، لمنع الضغوط التي تتعرض لها الضحية ضمن مساحة الجاني بزعم الحفاظ على مستقبله أو تحاشي فضح أسرته، ففي حالة السرقة يتعاطف بعض المواطنين ويتطوعون لمطاردة الجاني أما في التحرش فلا يبالون أو يتدخلون لمساعدته.

وشددت على ضرورة إسقاط المبررات الواهية للمتحرشين بشأن ملابس المرأة بعدما ثبت تعرض المنتقبات والمحجبات له أيضًا، وإلغاء الفكر الخاطئ الذي يفرق بين المعاكسة والتحرش فكلاهما واحد وأي فعل أو إيماءة أو حركة لها هدف جنسي في عرف القانون تعد نمطا من التحرش.

وأكد سعيد عبدالحافظ رئيس مؤسسة ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان بمصر لـ”العرب” أن عودة ظاهرة التحرش الجنسي بقوة الفترة الماضي سببها إفلات المتحرشين من العقاب بسبب تسامح قطاع كبير من المجتمع مع مرتكبي تلك الوقائع ما يمنح الآخرين شعورًا بالجرأة.

ولفت عبدالحافظ لـ”العرب” إلى أن مواجهة التحرش لن تتم إلا بتوعية الضحايا باللجوء إلى الجهات الأمنية والتمسك بحقوقهن في القصاص، وشن حملات توعوية تستهدف المواطنين تحذر من تنامي الظاهرة وآثارها النفسية، ما يقضي على السلبية في التعامل معها وغض الطرف عنها تحت مزاعم تعرض الضحية للفضيحة.

21