مصر تستثمر كورونا لفك ارتباط المساجد بالمتشددين

إغلاق الزوايا يسقط خطط السلفيين لاستغلالها في حملاتهم الانتخابية.
الخميس 2020/07/16
ملاذ الإخوان الأخير

تتجه وزارة الأوقاف المصرية نحو إحكام قبضتها على المساجد الأهلية الصغيرة التي وجدها الإخوان والسلفيون ملاذا لبث دعايتهم وتوسيع نفوذهم تمهيدا لأي انتخابات قادمة. ووجدت الوزارة في جائحة كورونا الفرصة المواتية لتحييد المساجد والزوايا وتحجيم دور الإسلاميين فيها.

القاهرة – نجحت وزارة الأوقاف المصرية في استثمار جائحة كورونا والتباعد الاجتماعي لفك ارتباط المساجد الأهلية والزوايا الصغيرة بالمتشددين من التيارات الإسلامية، وقررت إغلاقها بشكل نهائي، بعد أن وجدت فرصة لن تُعوض لدفن هذا الملف الذي طالما أظهر عجزها عن مواجهة سيطرة المتطرفين على الكثير من المساجد.

وقال جابر طايع رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، إن ’’زوايا المساجد كانت تفرخ الإخوان والأفكار الإرهابية، وحان الوقت لأن تنتهي وتزول إلى الأبد’’.

وأكدت الوزارة أكثر من مرة، أنها قررت عدم فتحها خلال فترة التعايش مع كورونا، ’’وأمرها غير مطروح بالمرة’’ وهي إشارة حملت معاني حاسمة بشأن أحد الملفات المثيرة للجدل السياسي والديني.

معاقل للإخوان 

ظلت الزوايا والمساجد الأهلية الصغيرة في مصر، تمثل صداعا مؤرقا للمؤسسة الدينية لإخفاقها في حل ما تمثله من أزمات، وانتزاعها من هيمنة الإخوان والسلفيين، ولاسيما في المناطق الشعبية والريفية وذات الوزن القبلي في جنوب مصر، وكانت وزارة الأوقاف تتعرض لانتقادات متكررة بسببها، من قبل بعض الأصوات داخل الأزهر.

وبعد أن أصبح قرار فتح أو إغلاق مساجد بعينها خلال فترة التعايش مع كورونا، من حق وزارة الأوقاف، رأت حتمية اتخاذ قرار صارم لا رجعة فيه، بأن يتم استثناؤها من قرار إقامة العبادات فيها، ثم تبعت ذلك بالتأكيد على أن الإغلاق سوف يستمرّ بذريعة غياب عوامل الأمان فيها.

إسلاميو مصر ينظرون إلى دور العبادة على أنها المكان الأمثل لتمرير الدعاية الانتخابية، واستقطاب المتعاطفين معهم ضد ما يصفونه باستهداف الحكومة لمرشحيهم

وكانت الزوايا والمساجد الصغيرة هي دور العبادة الرسمية للإخوان والسلفيين، وزرعوا في أذهان الكثيرين أن المساجد الكبرى التي تهيمن عليها وزارة الأوقاف تخدم أهداف الحكومة وتروّج لخطابها السياسي، والابتعاد عنها فرض عين، ومن يريد الدين الصحيح يذهب إلى المساجد المستقلة.

وحسب بعض المتخصصين في شؤون الجماعات المتطرفة، كانت الزوايا بداية إنشاء تنظيم الجهاد في مصر، على يد محمد عبدالسلام فرج صاحب كتاب ’’الجهاد فريضة غائبة’’، وكان يلتقي أتباعه داخل إحداها لإقناعهم بأفكاره المتشددة، ومنها أيضا انطلق الإخوان بتنظيمهم السري حتى أصبح دوليا.

وتعدّ المساجد الصغيرة المكان الوحيد في مصر الذي يتم من خلاله إلقاء الدروس الدينية بعد كل صلاة، على يد شيوخ الجماعة السلفية والمتحالفين معهم من الإخوان الذين فرضوا أنفسهم أئمة وخطباء بالأمر الواقع، ووضعوا أيديهم على هذه المساجد، باعتبارهم الأجدر للقيام بهذه المهمة، واستغلوا التقدير العفوي لرجل الدين.ش

وبحكم أن شريحة كبيرة من المترددين على هذه الزوايا من البسطاء تحولوا إلى هدف سهل للمتطرفين يحركونهم وفق أجندة مشبوهة، ويحثونهم على تأدية العبادات في المساجد الصغيرة بعيدا عن التعليمات والتوجيهات الرسمية في نظيراتها الكبيرة التي كانت تُمنع فيها التجمعات والدروس قبل وبعد أداء الصلوات، إلا للضرورة.

ضرورة القضاء على الخطاب المتشدد
ضرورة القضاء على الخطاب المتشدد

وأكد مسؤول بوزارة الأوقاف لـ”العرب”، أنه يصعب فصل إغلاق المساجد الصغيرة في الوقت الراهن عن تنامي الشعور لدى وزارة الأوقاف بقدرتها على توظيفها من جانب الإخوان والسلفيين للدعاية لمرشحين تابعين لهم في انتخابات مجلسي الشيوخ والبرلمان التي تنطلق في شهري أغسطس ونوفمبر المقبلين.

وأضاف أن الزوايا كان لها دور بارز في حشد شريحة من الناس للتصويت لمرشحين تابعين أو متناغمين مع التيار الإسلامي سرا، ويتعاظم دورها في المناطق التي يهيمن عليها التيار السلفي، في ظل سعي حزب النور (الذراع السياسية للسلفيين) أن ينافس على جملة من مقاعد البرلمان المقبل، كحصانة سياسية تحول دون إقصاء السلفيين من المشهد نهائيا، كما جرى مع الإخوان الذين يتمنون تسريب عدد من القريبين منهم داخل البرلمان.

عقبات لتحييد المساجد

ينظر إسلاميو مصر إلى دور العبادة على أنها المكان الأمثل لتمرير الدعاية الانتخابية، واستقطاب المتعاطفين معهم ضد ما يصفونه باستهداف الحكومة للتصويت لمرشحيهم، لكن بعد إقصائهم من المساجد الرسمية وإغلاق نظيراتها الأهلية والزوايا الصغيرة، أصبحت فرصهم لتوظيف دور العبادة في تحقيق أهداف سياسية شبه منعدمة.

وأزمة وزارة الأوقاف تتمثل في أن إمكانياتها المادية لا تساعدها في السيطرة على كل دور العبادة، حيث إن قرار ضم المساجد الصغيرة يعني أنها مضطرة لتعيين الآلاف من الأئمة والخطباء والمؤذّنين، في حين أن الحكومة قررت منذ سنوات وقف التوظيف في الجهاز الإداري للدولة كأحد حلول مواجهة الأزمة الاقتصادية.

الزوايا لها دور بارز في حشد شريحة من الناس للتصويت لمرشحين تابعين أو متناغمين مع التيار الإسلامي سرا

ولأن عدد الزوايا يصل إلى حوالي 25 ألفا أصبحت السيطرة التامة عليها عملية بالغة الصعوبة، وتستوجب جهودا مضنية، يتداخل فيها الأمني مع السياسي والديني.

وتقول الأوقاف ’’إن لديها مساجد كافية لأعداد المصلين، وليست هناك حاجة إلى ضمّ أخرى، في إشارة إلى الصغيرة منها، وبالتالي فإن قرار إغلاقها بشكل نهائي لا يرتبط فقط بإقصاء المتشددين بقدر ما يحمل في طياته أسبابا مادية’’.

وتبدو وزارة الأوقاف حتى الآن غير مقتنعة بأن الخطاب الدعوي الذي تلزم به الأئمة والخطباء في المساجد كان أحد الأسباب الأساسية لهجرة الكثير من الناس إلى نظيراتها الأهلية والصغيرة، لأن السلفيين اعتادوا على توظيف خطابهم في استقطاب الناس، وبث السموم بطريقة غير مباشرة.

ورأى منير أديب، الباحث والمتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، في تصريح لـ”العرب”، أن مكمن الخطورة في اقتناع المؤسسة الدينية بأن إغلاق الزوايا الصغيرة، هو الحل الوحيد لفك ارتباط المتشددين بالمساجد.

وثمن أديب الخطوة، لكن اعتبرها غير كافية، لأن الذين اعتادوا أداء العبادات في هذه الزوايا لديهم مبررات مقنعة بأن الخطاب الديني في المساجد الرسمية مرتبط بالحكومة، التي تريد نشر الأفكار التي تتواءم مع مصالحها السياسية.

كورونا كشفت الستار عن وجود أئمة وخطباء تابعين للأوقاف أشدّ خطرا من السلفيين
كورونا كشفت عن وجود أئمة وخطباء تابعين للأوقاف أشدّ خطرا من السلفيين

وأضاف أنه لا بديل عن مراجعة وزارة الأوقاف لخطابها الدعوي في مساجدها، بالتوازي مع إغلاق الزوايا، لأن استمرار النبرة الرسمية والثقافة المحدودة في الحديث مع الناس من جانب الدعاة سوف يظل ثغرة تنفذ منها التيارات المتشددة التي اعتادت مخاطبة العامة بطريقة تغري على الالتفاف حولها والاقتناع برأيها.

وتفرض الأوقاف على أئمتها خطبا مكتوبة لا تناسب الواقع ولا تلبي احتياجات الناس وبعيدة عن القضايا الحياتية، في حين كان يصرّ خطباء الزوايا والمساجد الصغيرة على السير عكس هذا الاتجاه، بالتركيز على موضوعات جدلية ومثيرة تستهوي الباحثين عن هذا النوع من الخطاب.

ويظل النجاح الكبير لوزارة الأوقاف في التصدي لبناء زوايا جديدة، والكف عن التعامل مع الفكر المتشدد في المساجد بسياسة رد الفعل، لأن خيال التيارات المتطرفة يسبق المؤسسات الدينية بخطوات، ويكفي أن جائحة كورونا كشفت الستار عن وجود أئمة وخطباء تابعين للأوقاف أشدّ خطرا من السلفيين بتمردهم على الوزارة وإقناع الناس بأن إغلاق المساجد استهداف للدين وقرروا فتحها بالقوة.

طالب منير أديب، بضرورة أن تراجع وزارة الأوقاف أفكار وتوجهات المسؤولين عن المساجد الرسمية، وعدم التعامل معهم على أنهم ملائكة، ولا تنظر إلى إغلاق الزوايا على أنها قضت على الخطاب المتشدد، لافتا إلى أهمية معالجة ما تسببت فيه المساجد الصغيرة من استقطاب لمتطرفين أصبحوا قنابل موقوتة في وجه المجتمع.

الزوايا والمساجد الأهلية الصغيرة صداع مؤرق للمؤسسة الدينية
الزوايا والمساجد الأهلية الصغيرة صداع مؤرق للمؤسسة الدينية 

 

13