مصر تستعين بتجربة الكنيسة في تقليص الخلافات الأسرية

جلسات المشورة القبطية دروس إجبارية للمقبلين على الزواج.
السبت 2020/10/31
جلسات المشورة ستكمن من فهم أوضح للحياة الأسرية

أبرمت وزارة التضامن الاجتماعي المصرية اتفاقية مع الكنيسة القبطية تتم بموجبها الاستفادة من خبراتها في جلسات المشورة الزوجية، وكيف نجحت في خفض معدل الطلاق بين الأقباط، وعدم حصر الأمر في النطاق الديني. ومن المنتظر أن تضيف الحكومة بند جلسات المشورة ضمن حزمة تشريعات جديدة سوف تصدرها لتقليص الخلافات الأسرية وخفض معدلات المواليد والقضاء على ظاهرة أطفال الشوارع الذين تزداد أعدادهم نتيجة ارتفاع حالات الطلاق.

القاهرة – استلهمت الحكومة المصرية تجربة الكنيسة في عقد جلسات مشورة إلزامية للشباب والفتيات قبل عقد القران، لتدريبهم على مواجهة المشكلات المعاصرة وكيفية تكوين أسرة مستقرة ومساعدتهم على الانتقال من مرحلة العزوبية إلى العائلية.

ومن المقرر إضافة بند جلسات المشورة ضمن حزمة تشريعات جديدة سوف تصدرها الحكومة لتحجيم النزاعات الأسرية ومحاصرة النمو السكاني وخفض معدلات المواليد والقضاء على ظاهرة أطفال الشوارع الذين تزداد أعدادهم نتيجة الطلاق.

وأبرمت اتفاقيات بين وزارة التضامن الاجتماعي ودار الإفتاء والكنيسة، للاستفادة من خبرات الأخيرة في جلسات المشورة الزوجية، وكيف نجحت في خفض معدل الطلاق بين الأقباط، وطبيعة الدروس التي تقدمها وعدم اختصار الأمر في النطاق الديني.

بدأت الكنائس المصرية عام 2004 تنظيم جلسات المشورة قبل الخطوبة، وتطورت الفكرة لتستهدف توعية المقبلين على الزواج بكيفية اختيار شريك الحياة، من حيث التناغم الاجتماعي والفكري والثقافي والتعليمي، وأصبحت إجبارية منذ ثلاث سنوات.

ويصعب فصل قرار الحكومة المصرية بجعل جلسات المشورة إجبارية، عن محاولة السيطرة على المحتوى المقدم للشباب داخل الدورات التدريبية التي تنظمها مؤسسات وتيارات دينية للشباب المقبلين على الزواج، ويتم اختصارها في “الحلال والحرام” دون توعية حقيقية بمفهوم الكيان الأسري وتحصينه من الانهيار.

المحتوى المقدم  داخل الدورات التدريبية لمؤسسات دينية يتم اختصاره في "الحلال والحرام" دون توعية حقيقية

وطالب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بضرورة تأهيل كل المقبلين على الزواج بشكل علمي للتأقلم مع الحياة الأسرية، وعدم استسهال فكرة تكوين عائلة لمجرد أن الشاب والفتاة بينهما علاقة عاطفية، ثم يصطدم الطرفان بأزمات تصعب مواجهتها، ثم يقرران الانفصال لأسباب واهية.

ومن الصعب التصدي لتفشي ظاهرة الطلاق دون النظر إلى أساس المشكلة، بأن غالبية المتزوجين الجدد يفتقرون لمعرفة أبجديات الحياة الأسرية، فلا العائلة تقوم بدورها في التوعية، ولا المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية، ما جعل القضية تأخذ منحى سياسيا لخطورتها المجتمعية، وارتفاع أعداد الأطفال المشردين لانفصال الأزواج.

وتطبق جلسات المشورة قبل الزواج في دول مثل السعودية والجزائر والأردن، ولم تحد من نسب الطلاق المتصاعدة، لكن ذلك يرتبط بطريقة تطبيقها ومدى التزام الشباب والفتيات بالمشاركة بها، فهي اختيارية، لكنها سوف تصبح إلزامية في مصر، ويخضع المنخرطون فيها لاختبارات، على أساسها تتحدد الموافقة على الزواج أو تأجيله وإعادة المحاولة مرة أخرى.

وحسب اتفاق مسبق بين وزارة التضامن الاجتماعي والكنيسة في مصر، سوف تتم الاستعانة بالمنهج التعليمي الأسري الذي يقدم في جلسات المشورة القبطية، لتطبيقه على الشباب المسلم، وإضافة بعض القضايا المرتبطة بأصحاب العقيدة الإسلامية.

وميزة تدريس المنهج الكنسي قبل الزواج، أنه يتيح مساحة معقولة من التحرر الفكري والثقافي بعيدا عن المحظورات والمحرمات النمطية، وبالتالي تزيل جلسات المشورة الخطوط الحمراء في قضايا أسرية حساسة، مثل الثقافة الجنسية وكيفية إدارة العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة، وتدخل فيها مفاهيم التكاثر والإثارة والإنجاب وتنظيم الأسرة وتحديد النسل.

وتصطدم توجهات الحكومة المصرية للحد من الطلاق بالتوعية قبل الزواج، بإمكانية عزوف الكثير من الشباب والفتيات عن المشاركة في جلسات المشورة، نتيجة ضغوط أسرية أو معتقدات ثقافية بأن هذه الدورات متحررة وتتجاوز العادات والتقاليد، وقد يتم الالتفاف على فكرة الإجبار بدفع رشاوى مالية نظير الحصول على شهادة موثقة باجتياز الجلسات والجاهزية للزواج.

مساع لتحجيم النزاعات الأسرية
مساع لتحجيم النزاعات الأسرية

وتشترط الحكومة خضوع الشاب والفتاة لفحوصات طبية إلزامية قبل عقد القران لاكتشاف مدى إصابة أحدهما بمرض مزمن من عدمه ليعرف الطرف الآخر بالحقيقة، وغالبا ما يتم التحايل على هذا الشرط بالحصول على شهادات صحية معتمدة تفيد بسلامة البنيان الجسدي للطرفين مقابل دفع مبالغ مالية.

وهناك مشكلة أخرى تتعلق بصعوبة تقبل محتوى جلسات المشورة المتحررة في المناطق الريفية والشعبية التي تقدس العادات والتقاليد، إذ لا يمكن تعميم المنهج المقدم للمقبلين على الزواج في عموم المحافظات دون تحصيص دروس تتلاءم مع طبيعة السكان في كل منطقة، لأن ما يناسب ثقافة منطقة قد لا يناسب أخرى.

ومن شأن ارتفاع نسبة الأمية، أن تواجه الحكومة أزمة في إقناع أرباب الأسر بتعاطي أبنائهم مع جلسات التوعية الزوجية، بالتالي فإن خلخلة الفكر المجتمعي تحتاج إلى خطاب بسيط وسهل ومقنع للكبار، وآخر للشباب، بحيث تكون هناك استراتيجية شاملة لتغيير نظرة المجتمع بكل فئاته حول مفاهيم الزواج، لا أن تتشكل العلاقة الزوجية بمجرد توافر وحدة سكنية تجمع الشاب والفتاة تحت سقف واحد.

ودعمت إيمان محمد، الحاصلة على بكالوريوس الحقوق من جامعة القاهرة، خضوع المقبلين على الزواج لدورات تأهيل إجبارية، لأن أغلب الشباب يتجهون إلى المعارف والأصدقاء للحصول على نصائح إرشادية لمواجهة أزماتهم الأسرية في بدايات حياتهم الزوجية، وقد يتسبب ذلك في تعظيم المشكلات وتعقيدها.

وأوضحت لـ”العرب” أن تكرار تدخل الأسرة في حياة الأبناء الزوجية يرتبط بعدم إدراكهم لكيفية التغلب على الأزمات، ولو كان لديهم الوعي الكافي سوف يعالجون مشكلاتهم في هدوء وبشكل مستقل، بعيدا عن اقتحام خصوصياتهم، والأهم تغيير المعتقدات حول العلاقة الزوجية، فهي ليست مرفهة كما تكرست في المخيلة خلال فترة العزوبية، لأن رفاهيتها مرتبطة بمرونة الطرفين في تجاوز أزماتهما.

ويتطلب إقناع الأسر بأهمية جلسات المشورة حملة توعوية قومية للتعريف بمزاياها وأهدافها في تحصين الكيان العائلي من الانهيار، مع تثقيف الأهالي أنفسهم بحتمية خضوع أبنائهم للتدريبات، لأنها تحميهم مستقبلا من السقوط في دوامة الطلاق وتدفعهم للاعتماد على أنفسهم لحل أي أزمة دون الاستعانة بالأهل أو اللجوء إلى القضاء.

جلسات المشورة سوف تصبح إلزامية في مصر، وسيخضع المنخرطون فيها لاختبارات، وعلى أساسها تتحدد الموافقة على الزواج

ويخشى مؤيدون للفكرة أن تشترط الحكومة دفع مبالغ مالية نظير المشاركة في جلسات المشورة الزوجية، لأنه سيتم تسويقها على أنها مشروع تستهدف الدولة من ورائه جمع مبالغ مالية، والبعض قد يتعامل معها كضريبة إجبارية على الزواج يجب التمرد عليها، ما يضاعف الأمية الزوجية.

ويعد غياب الخبرة الكافية للأجيال الجديدة حول مفهوم الأسرة، أحد أهم مسببات اللجوء إلى الطلاق بشكل سريع، واعتباره حلا سحريا للتغلب على مشكلات طارئة تحتاج فقط إلى حنكة وعقلانية وتضحية متبادلة، كما أن استلهام البعض لتجارب الأزواج في المحيط العائلي بدافع التقليد يعمق الخلافات الأسرية لتباين الظروف والعادات.

وأكدت أسماء عبده، وهي باحثة متخصصة في الشؤون الأسرية، أن تأهيل المقبلين على الزواج يساعدهم على عبور أصعب اختبار في حياتهم، بالانتقال من مرحلة المراهقة والتحلل من المسؤولية إلى الشقاء والتشارك مع طرف آخر مختلف في الفكر والتوجه والشخصية، والتعايش مع حياة ملغمة بالمشكلات.

وأضافت لـ”العرب” أن أخطر الأمراض التي تنخر في جسد الكيان الأسري، تتعلق بالجهل بكيفية الإعداد لحياة زوجية هادئة بعيدا عن الاعتماد على العاطفة فقط، فترى بعض حديثي الزواج يقررون إنهاء العلاقة مع أول مشكلة، لأنهم لا يعرفون الطريقة لكيفية عبورها، ولا يدركون طبيعة تربية الأبناء أو تدبير الاحتياجات، وهنا تسيطر العشوائية على قراراتهم وتتحول حياتهم إلى جحيم.

21