مصر تستقبل خادم الحرمين

الخميس 2016/04/07

نؤكد منذ سنوات على متانة العلاقات السعودية المصرية وأن مصر تعتبر العمق الاستراتيجي للسعودية وأنها إحدى أهم الدول العربية التي لا تسمح الظروف إلا بالاقتران معها بشكل لا يقبل أنصاف العلاقات أو تذبذبها، بل لا يقبل سوى الثبات والاستمرار على خط سير واحد وموحد. حاولت السعودية، حين حكم الإخوان مصر، أن تتعامل مع الحكم الإخواني بشكل أقرب ما يكون إلى الجار الثقيل الذي فرضته الظروف، ولكنها فوجئت بحكام مصر يسلمون رقابهم إلى ملالي قم وطهران، مهما بدا للمخالفين غير ذلك. وهو ما دعا السعودية إلى الصبر فلعل الله يكتب أمرا فالشعب المصري لا يمكنه أن يقبل بما كان يحدث، وبالفعل حدثت الثورة المصرية وجاءت حكومة تصحيح المسار الديمقراطي لتعود العلاقات كما كانت، وإلى مسارها الطبيعي الذي تفرضه مقولة الملك الراحل عبدالعزيز آل سعود رحمه الله. تلك المقولة التي غدت شعارا يردده العرب عن مصر حيث قال “لا غنى للعرب عن مصر ولا غنى لمصر عن العرب”، والسعودية لا شك إحدى القيادات العربية الفاعلة والمؤثرة على الساحة الدولية، ليس فقط اقتصاديا بل وسياسيا واجتماعيا ودينيا، إضافة إلى ثبات مواقفها وعدم تغيرها.

زيارة العاهل السعودي للقاهرة تأتي في وقت يعقد فيه المجلس التنسيقي السعودي المصري لقاءه السادس، والذي سيتم فيه توقيع عدد من الاتفاقات تم التفاهم حولها خلال الجلسات التنسيقية السابقة. وتهدف تلك الاتفاقات إلى تحسين وضع الاستثمار السعودي في القاهرة بما يحقق المصلحة الاقتصادية للطرفين. الزيارة السعودية تأتي في وقت غاية في الأهمية حيث أن الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط تعاني من نتائج وعقبات الخريف العربي. والزيارة في حد ذاتها تمثل صفعة سعودية في وجه المغرضين الذين حاولوا ضرب إسفين في العلاقات السعودية المصرية طيلة السنوات الماضية لصالح الإخوان المسلمين وبعض الدول التي كانت حكوماتها تقف في وجه الحكومة المصرية.

اللقاء الذي سيتم بين العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي سيبحث مجموعة من الملفات المهمة على الساحة العربية والإسلامية ومنها الملف السوري والوصول إلى حلول حول ما يبدو أنه خلاف حول بعض النقاط الهامة والتي أعتقد أن الطرفين سيصلان إلى نقاط مشتركة حيالها. وكذلك الحال مع الملف العراقي واليمني والليبي واللبناني ومحاربة الإرهاب الذي في تلك الدول والوقوف في وجه صانعه ومستورده، خاصة وأن بعض المصادر تتحدث عن إنشاء غرفة أمنية مشتركة بين الدولتين تضم الداخلية والدفاع. كما أن اللقاء سيتضمن بحث مسألة القوة العربية المشتركة وكذلك إنشاء لجنة مستقلة تكون مسؤولة عن اللاجئين. هاتان الأخيرتان مسألتان يتم بحثهما للمستقبل العربي المشترك الذي يحتاج إليهما في قادم الأيام. لا شك أيضا أن اللقاء سيتضمن بحث العلاقات المصرية القطرية بعد التغيير القطري والرغبة في إصلاح الحال مع الشقيقة مصر. وكذلك الحال العلاقات المصرية التركية بعد توجه الأخيرة نحو التهدئة مع مصر وما تم عرضه منها خلال الشهور القليلة الماضية. الحقيقة أن السعودية هي من يمكنه العمل على إصلاح تلك العلاقات بين الأطراف الثلاثة، مصر وقطر وتركيا. ونأمل ذلك فالأمة العربية والإسلامية في حاجة إلى تجاوز الخلافات.

ستشمل هذه الزيارة إتمام الاتفاقات التي هيأها مجلس التنسيق السعودي المصري، كما سيتم توقيع اتفاقية لتمويل احتياجات مصر من البترول لخمس سنوات بنحو 20 مليار دولار. هذه اتفاقية ضخمة ولا يمكن النظر إليها بأقل مما تستحق، وهي تعتبر دعما اقتصاديا ضخما لمصر لا يمكن التقليل من حجمه أو أهميته. كما سيتم أثناء هذه الزيارة وضع حجر الأساس لجامعة تحمل اسم الملك سلمان في محافظة سيناء. وفي إطار اهتمام خادم الحرمين الشريفين بتنمية سيناء وإبعاد مجتمعها عن التنظيمات الإرهابية سيتم تقديم قرض لتنميتها بنحو مليار ونصف المليار دولار.

من خلال ما سبق يمكننا القول بأن الوقفة التي وقفها خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز مع أخويه فهد وتركي أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ضمن صفوف القوات المصرية المقاتلة لم تكن سوى إشارة إلى ما سيحمله المستقبل من وقفات عديدة مع مصر، ليس أقلها حرب رمضان، ودعم ثورة 30 يونيو، وزيارات سعود الفيصل رحمه الله لتوضيح طبيعة هذه الثورة للدول الأوروبية. وأيا كان الحال فلا يمكننا إلا تأييد مقولة الرئيس عبدالفتاح السيسي بأن السعودية ومصر هما جناحا الأمن العربي. تاريخ البلدين يثبت صحة هذه المقولة ويؤكد أن المواقف المتبادلة بين الدولتين، منذ الثورة المصرية عام 1952، مرورا بالوقفة المصرية في حرب تحرير الكويت وكذلك المواقف السعودية حتى تاريخه، عبارة عن وثائق لصالح الدولتين ولصالح أهدافهما الاستراتيجية ولصالح رسم سياسة مستقبلية للشرق الأوسط بعد أحداث الخريف الغربي.

هذه المواقف شهادة على أن الدولتين بينهما أخوّة لا يفهمها الإخوان، كما أنهما ستعملان على إيقاف التدخلات الخارجية، من إيران أو سواها، في المنطقة وستساهمان في تأكيد وقوفهما سويا ضد من يحاولون أن يوهموننا بوجود خلافات بينهما أو من يزعمون بأن العلاقة السعودية مع مصر هي علاقة أشخاص لا كيانات، وهم موجودون بالفعل وينظرون إلى مصر ويحاكمونها من خلال رئيسها. هؤلاء هم أصحاب القراءة الخاطئة للأشخاص وللأحداث، وهم كذلك أصحاب الفكر التآمري أو المتأثرين به. أبعدنا الله وإياكم عن هكذا أقوام وحمى الله السعودية ومصر من كل شر.

كاتب سعودي

9