مصر تسدّ ثغرات ملف حقوق الإنسان بتشكيل لجنة وزارية

الحكومة المصرية تسرّع في تحسين مناخ الحريات تجنبا لانتقادات الكونغرس الأميركي.
الأحد 2018/11/18
مساع حكومية لتوسيع نطاق الحريات

الحكومة المصرية تتجه إلى تأسيس لجنة عليا دائمة لحقوق الإنسان، برئاسة وزير الخارجية، وتأتي الخطوة كمراجعة لطريقة تعاطي الحكومة مع الحالة الحقوقية، وتأمل من خلالها في تجنب سيل الانتقادات الخارجية التي طالتها في هذا المجال، وقد سبق للإدارة الأميركية أن حجبت مساعدات لمصر احتجاجا على قانون الجمعيات الأهلية.

القاهرة - أصدر مصطفى مدبولي رئيس الوزراء المصري، الجمعة، قرارا بتشكيل لجنة حكومية دائمة لحقوق الإنسان، برئاسة سامح شكري وزير الخارجية، وعضوية ممثل عن كل من وزارات: الدفاع، والتضامن الاجتماعي، والعدل، وشؤون مجلس النواب، والداخلية، بالإضافة إلى المخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية، ما يشير إلى أن هناك رغبة لتشكيل ما يشبه الحكومة المصغرة لإدارة الملف، هدفها التعامل المباشر مع الانتقادات الخارجية الموجهة إلى القاهرة في هذا المجال.

وعلمت “العرب” أن هذه اللجنة كان مقررا أن يرأسها وزير شؤون مجلس النواب، باعتباره نقطة الربط الرئيسية بين الحكومة والبرلمان في هذا الملف، غير أن الرغبة السياسية في التعجيل بتحسين صورة القاهرة والتفاعل مع الجهات الخارجية والهيئات الدولية التي تراقب أوضاع حقوق الإنسان، حسما اختيار الوزير شكري لرئاسة اللجنة، بعد تصويت داخلي أجراه رئيس الحكومة قبل إصدار القرار.

وتتولى اللجنة إدارة آلية التعامل مع ملف حقوق الإنسان، والردّ على الادعاءات المثارة ضد الحكومة المصرية، وصياغة رؤية موحدة يتم التعبير عنها في المحافل الدولية، وإعداد ملف مصر الذي يعرض على آلية المراجعة الدورية الشاملة أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ومتابعة تنفيذ التوصيات التي تقبلها القاهرة في إطار عملية المراجعة الدورية واقتراح الحلول اللازمة لتنفيذها.

ويرى مراقبون أن الحكومة تدرك جيدا أنها تواجه ضغوطا متصاعدة في ملف حقوق الإنسان بفعل تطورات خارجية متسارعة، منها التغير الذي حدث في الكونغرس الأميركي، وأفرز سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، ما يؤدي مستقبلا إلى تصعيد ضد حالة حقوق الإنسان بمصر، في ظل عدم الرضا عن سياسة الإدارة الأميركية الحالية تجاه مصر، وانتقادها بسبب عدم ممارسة ضغوط عليها لتحسين مناخ الحريات بشكل عام. وما يدعم هذا الاتجاه أن قانون الجمعيات الأهلية كان سببا مباشرا في وقف صرف 195 مليون دولار من المساعدات العسكرية السنوية، قبل أن تعلن الولايات المتحدة الإفراج عنها في يوليو الماضي، بعد وعد القاهرة بتعديل القانون وتحسين حال الحريات.

محمد الغول: البرلمان سيذهب باتجاه إعادة تشكيل مجلس حقوق الإنسان قبل تقديم المراجعة الدورية الشاملة
محمد الغول: البرلمان سيذهب باتجاه إعادة تشكيل مجلس حقوق الإنسان قبل تقديم المراجعة الدورية الشاملة

ويبدو أن الحكومة المصرية أدركت أن التعامل بشأن الحالة الحقوقية وفقا لمفاهيم الخصوصية ومواجهة الإرهاب، أضحى غير ملائم مع تصاعد الانتقادات التي تواجهها من منظمات مختلفة، وأن المحاولات السابقة التي خاضتها جهات رسمية ومستقلة لتحسين صورتها لم تحرز نتائج جيدة.

وشهدت الأيام الماضية حراكا مصريا مكثفا للتعامل مع أزمات حقوق الإنسان، وأصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارا بتعديل قانون الجمعيات الأهلية، الذي قيد عملها بشكل كبير.

وشكل البرلمان المصري مجموعات عمل مع عدد من المنظمات الحقوقية للاستماع إلى وجهة نظرها بشأن تعديل القانون، وأعلنت لجنة حقوق الإنسان داخله عن استراتيجيها المستقبلية بشأن تحسين أوضاع حقوق الإنسان.

وقال محمد الغول، وكيل لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان المصري لـ”العرب”، “تشكيل اللجنة  جاء ضمن عدة توصيات صادرة من مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة للقاهرة في سبتمبر الماضي طالبت بمنح استقلالية أكبر لمجلس حقوق الإنسان (استشاري حكومي) لإعداد التقارير الداخلية عن حالة حقوق الإنسان، وتقديمها في شكل استشارات للجهات التنفيذية”. وأضاف أن الحكومة تسعى لعدم تلقيها انتقادات لاذعة بشأن المراجعة الدورية الشاملة لحالة حقوق الإنسان داخلها المقرر مناقشتها في مارس المقبل.

وأشار الغول إلى أن البرلمان سيذهب باتجاه إعادة تشكيل مجلس حقوق الإنسان قبل تقديم المراجعة الدورية الشاملة. ولعل ما واجه العديد من المنظمات الحقوقية التي توقف عملها في مصر بعد إصدار قانون الجمعيات الأهلية والتضييق على البعض الآخر، تكرر مع مجلس حقوق الإنسان، الذي يعاني من تجميد أدواره، بعد أن أقر البرلمان في يونيو من العام الماضي تعديلات على قانون عمله، نصت على وجوب تشكيل مجلس جديد بعد شهر من بدء العمل بالقانون، غير أن ذلك لم يحدث، ما اضطر الحكومة إلى تكليف أعضاء المجلس بتسيير أعماله إلى حين تشكيل آخر.

وشدد حقوقيون على أن تشكيل الحكومة للّجنة كان أمرا ملحا، لأن القاهرة لم تقدم ردودا على الكثير من التقارير الدورية الصادرة بشأن حالة حقوق الإنسان، ما أضر بصورتها، خاصة مع غياب ممثلها (مجلس حقوق الإنسان) عن حضور دورة الأمم المتحدة الأخيرة في جنيف.

وترى دوائر حكومية أن التوجهات التي تتبعها القاهرة كافية لتحسين الصورة الخارجية، لكنها لا تزال تتطلب جهدا على مستوى إتاحة المزيد من الحريات العامة في الداخل، وتطوير بيئة عمل منظمات المجتمع المدني.ويتخوف البعض من أن يكون تشكيل اللجنة الحكومية عنصر تقويض جديدا لعمل مجلس حقوق الإنسان الذي يتمتع باستقلالية أكبر من اللجنة الوزارية الرسمية.

وأوضح حافظ أبوسعدة، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان لـ”العرب”، أن اللجنة  لن تكون بديلا عن المجلس، ومهمتها تنفيذ التوصيات التي يرفعها إليها بشأن حالة حقوق الإنسان، وطريقة الرد على التقارير الدولية.

2