مصر تصحح موقع "حلايب وشلاتين" على الخارطة

السبت 2014/06/07
أهالي حلايب شاركوا بقوة في الانتخابات الرئاسية مؤكدين انتمائهم وهويتهم المصرية

القاهرة – في كل عام تقريبا، تتجدد أزمة مثلث حلايب وشلاتين، الواقع على الحدود المصرية السودانية، وفي كل مرة، تلوح الخرطوم بالاتجاه إلى التحكيم لإثبات أحقيتها في المنطقة المصرية، وتكتفي القاهرة برد رسمي يؤكد ملكية المثلث وعدم التفاوض عليه.

مازال النزاع المصري-السوداني حول ضمّ مثلّث حلايب وشلاتين يمثّل أحد أسباب التوتّر الدائم في ملف العلاقات الدبلوماسيّة بين البلدَين، إذ تتجدّد لغة التصعيد بين المسؤولين الرسميّين فيهما وسط عدم توفّر حلول دبلوماسيّة حقيقيّة لهذا الملف المؤجّل منذ عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر واستقلال السودان في العام 1956. وها هو السجال في مطلع 2014 يتجدد مرة أخرى.

ومؤخّرا اتخذت وزارة التربية والتعليم في مصر طريقا مختلفا للرد على تحركات الخرطوم، بخصوص هذا النزاع، وكشفت مصادر بالوزارة لـ “العرب” أن جميع الكتب الدراسية التي سيتم تدريسها بالمدارس المصرية خلال العام الدراسي المقبل 2014- 2015، سيتم طبع أغلفتها مرسومة عليها خريطة مصر، وبها منطقتا حلايب وشلاتين.

الإجراء الذي اتخذته وزارة التعليم، يعد الأول من نوعه في تاريخ التعليم المصري، حيث كان متبعا من قبل، أن تتم كتابة تعليمات إرشادية وحياتيه يستفيد منها الطالب، تتعلق بالدين والأخلاق والقيم والمبادئ، لكن النهج الجديد الذي اتخذته الوزارة، أنها قررت طبع خريطة مصر على أغلفة جميع الكتب الدراسية التي يجري تطويرها حاليا، وعددها يقترب من 100 كتاب مدرسي، في مواد متعددة.

الرئيس المصري (المؤقت) المستشار عدلي منصور، الذي تنتهي فترة حكمه بعد أيام قليلة، أصدر قرارا جمهوريا السبت الماضي (31 مايو الماضي)، بالترخيص لوزير البترول والثروة المعدنية، في التعاقد مع الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية، وشركة شلاتين للثروة المعدنية (ش.م.م)، للبحث عن الذهب والمعادن المُصاحبة له واستغلالها في مناطق، (جبل إيقات – جبل الجرف – وادي ميسح – جبل علبة – منطقة أسوان)، بالصحراء الشرقية.

عندما أجريت الانتخابات الرئاسية في مصر، أصرت الحكومة المصرية على وجود لجان انتخابية في حلايب وشلاتين، الأمر الذي تسبب في أزمة داخل البرلمان السوداني، واتهم عدد من أعضاء البرلمان الحكومة السودانية، بالتهاون والتراخي مع السلطات المصرية، في ما يتعلق بالمثلث.

أحمد عيسى النائب بالبرلمان السوداني عن دائرة حلايب، أبدى أسفه البالغ لما وصفه بـ “صمت الحكومة السودانية عن ضم السلطات المصرية المنطقة المتنازع عليها بين البلدين، إلى الانتخابات الرئاسية”. وقال إن “تصرّف الخرطوم بعيد كليا عن تحركات المصريين الذين مضوا في مد مواطني المنطقة بالخدمات الأساسية”، ولفت إلى أن السياسة الناعمة التي تمارسها حكومته تجاه ملف حلايب غير مجدية.

هاني رسلان: السودان يلجأ إلى افتعال المشاكل مع مصر كلما مر بأزمة داخلية

وطالب عيسي بوضع استراتيجية بعيدة المدي للتعامل مع الملف، وحث حكومة بلاده على مواجهة السياسة المصرية بتحركات سودانية شبيهة.


موقع استراتيجي


مثلث حلايب وشلاتين يقع على الحدود الرسمية بين مصر والسودان على الطرف الأفريقي للبحر الأحمر مساحته 20.580 كم2. توجد به ثلاث بلدات كبرى هي حلايب وأبو رماد وشلاتين.

أغلبية سكان المنطقة البالغ عددهم نحو 27 ألف نسمة من البجا، وينتمون إلى قبائل البشاريين المنتشرة من شلاتين شمالا وحتى ميناء بورتسودان وإلى حدود نهر عطبرة جنوبا، كذلك قبائل الحماداب، والشنيتراب والعبابدة، ويعد الرعي النشاط الأكثر شيوعا بينهم.

وتوجد بالمنطقة محمية جبل علبة جنوب شرقي مثلث حلايب، وتعد من أكبر المحميات الطبيعية، كما توجد بالمنطقة آثار فرعونية، وعيون وآبار وثروات معدنية تشمل اليورانيوم والذهب والغرانيت والفوسفات والنحاس والفضة والبترول والمنغنيز والماغنسيوم والكروم والحديد.

ويتميز مركز شلاتين بالثروة السمكية، وتتميز حلايب بخصوبة أراضيها التي تعتمد في ريها على كل من المياه الجوفية ومياه الأمطار. وتعد مدينة حلايب البوابة الجنوبية لمصر على ساحل البحر الأحمر وتظل الوظيفة الرائدة لها تقديم الخدمات الجمركية للعابرين إلى الحدود السودانية، بالإضافة إلى الأنشطة التجارية.

تتمتع منطقة حلايب بأهمية استراتيجية لدى الجانبين المصري والسوداني، حيث تعتبرها الأولى عمقا استراتيجيا هاما لها كونها تجعل حدودها الجنوبية على ساحل البحر الأحمر مكشوفة ومعرضة للخطر، الأمر الذي يهدد أمنها القومي. كما تنظر السودان إلى المنطقة باعتبارها مهمة للحفاظ على وحدة البلاد واستقراره السياسي، لما تشكله من امتداد على ساحل البحر الأحمر، فضلا عن أهميتها التجارية والاقتصادية.

أهمية حلايب لمصر والسودان
حلايب منطقة ذات أهمية استراتيجية لكلا البلدين

◄ مصر:

* تمثل عسكريا نقطة ارتكاز لمراقبة أي هجوم أو تسلل للأراضي المصرية على طول البحر الأحمر.

* أمن الجنوب الشرقي من البلاد وأمن السد العالي مرتبطان بأمن حلايب.

*حلايب بمرتفعاتها العالية وتضاريسها وبحكم وقوعها على خط حدودي تمثل تهديدا أمنيا، لذا يفضل أن تبقى بحوزة مصر.

◄ السودان:


*حلايب امتداد هام لساحل البحر الأحمر بالسودان.

التجمعات القبلية الواحدة على طرفي الحدود تجعل قيمة حلايب كبيرة بالنسبة إلى نظام الحكم السوداني لطبيعة البلاد شبة القبلية.

*حلايب نقطة ارتكاز هامة على الساحل، بالإضافة إلى كون السودان في حاجة إلى الحفاظ على كل أرض ممكنة في ظل انفصال الجنوب.


تاريخ الخلاف


يعود تاريخ الخلاف بين مصر والسودان حول حلايب وشلاتين إلى عهد الانتداب البريطاني، حيث ضمّت الحدود المرسمة بين مصر والسودان التي حددتها اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا عام 1899 المناطق من دائرة عرض 22 شمالا لمصر وعليها يقع مثلث حلايب داخل الحدود السياسية المصرية.

بعد ثلاثة أعوام في 1902 عاد الاحتلال البريطاني الذي كان يحكم البلدين آنذاك بجعل مثلث حلايب تابع للإدارة السودانية لأن المثلث أقرب للخرطوم منه للقاهرة.

وخلال حكم الملك فاروق لدولتي مصر والسودان، كانت وزارة الداخلية المصرية تكلف وزارة الداخلية السودانية بإدارة المنطقة إداريا فقط وعند اندلاع ثورة 52 فصلت الحدود بين البلدين وعادت الحدود المصرية حتى خط العرض 22.

ومع استقلال كلتا الدولتين واختيار السودان الانفصال عن مصر، أثير هذا النزاع لأول مرة عام 1958، عندما أرسلت الحكومة المصرية مذكرة إلى نظيرتها السودانية تعترض فيها على قانون الانتخابات البرلمانية السودانية الذي أدخل حلايب وشلاتين، ومنطقة لسان حلفا، ضمن الدوائر الانتخابية نظرًا إلى أن كلتا المنطقتين تدخلان ضمن مناطق السيادة المصرية وفق اتفاقية 1899.

في عام 1958 قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بإرسال قوات إلى المنطقة، وكاد الخلاف الناشب بشأن حلايب أن يتحول إلى نزاع حدودي مسلح لو لم يغلّب عبدالناصر منطق التعايش وحسن الجوار على ما سواه، وبقيت منطقة حلايب خاضعة للسيادة المزدوجة.

لم تثر القضية أو الخلاف بشأنها في فترة حكم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، لكن النزاع ظهر إلى السطح مرة أخرى في عام 1992 حين اعترضت مصر على إعطاء حكومة السودان حقوق التنقيب عن البترول في المياه المقابلة لمثلث حلايب لشركة كندية، فقامت الشركة بالانسحاب حتى يتم الفصل في مسألة السيادة على المنطقة.

وأرسل السودان سنة 1994 مذكرة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، يدّعي فيها أن القوات المصرية شنّت تسعا وثلاثين غارة على الحدود السودانية. رفض الرئيس المصري حسنى مبارك في 1995 مشاركة الحكومة المصرية في مفاوضات وزراء خارجية منظمة الاتحاد الأفريقي في إديس أبابا لحل النزاع الحدودي. وفي سنة 2000 قام السودان بسحب قواته من حلايب وقامت القوات المصرية بفرض سيطرتها على المنطقة منذ ذلك الحين. ثم أعلنت الخرطوم، بعد أربع سنوات، أنها لم تتخل عن إدارة المنطقة المتنازع عليها ولم تهجرها أو تسلمها للمصريين، وأكدت على تقديم مذكرة بسحب القوات المصرية إلى سكرتير الأمم المتحدة. وفي الانتخابات السودانية، سنة 2010، تم اعتماد حلايب كدائرة انتخابية سودانية تابعة لولاية البحر الأحمر.

وزارة التعليم المصرية أرفقت خريطة مصر في كتب التاريخ والجغرافيا بعبارة «هذه خريطة بلدك.. حافظ عليها واحمي حدودها»

ردّا على ذلك أقيمت الانتخابات البرلمانية المصرية لعام 2011 في نوفمبر وشملت مثلث حلايب ونقلت صناديق الانتخاب إلى الغردقة بطائرة مروحية عسكرية مصرية لفرز الأصوات هناك.

وفي مطلع هذا العام أعلنت الحكومة السودانية في خطوة مفاجئة، تجديد شكواها للأمم المتحدة ضد الحكومة المصرية بشأن النزاع حول مثلث “حلايب وشلاتين” على الحدود بين الدولتين. وأكد وزير الدفاع السوداني، الفريق أول عبدالرحيم محمد حسين، أن حكومة بلاده تجدد سنويا شكواها إلى الأمم المتحدة.

من جهته قال الخبير في الملف السوداني في مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجيّة، هاني رسلان، إن “السودان يلجأ إلى افتعال المشاكل دائما مع مصر كلما مرّ بأزمة داخليّة. وكان من الأفضل له أن يتمسّك بقسم أكبر وأغنى من أراضيه في جنوب السودان الذي انفصل عنه في العام 2010. كذلك فإن اتفاقيّة 1899 تفيد بأن نقطة حدود مصر والسودان هي خط العرض 22 شمال خط الاستواء، ومنطقة حلايب تقع شمال هذا الخط”.

على مدى أكثر من خمسة عقود ظلّ الصراع على المنطقة غير رسمي ولم يخرج عن حدود ردّات الفعل الثنائية بين مصر والسودان. واختلف هذا النزاع عن النزاعات الحدودية الأخرى للبلدين، على غرار نزاع مصر وإسرائيل على منطقة طابا وأزمة السودان مع كينيا حول قطاع إليمي.

واتّخذ هذا الملف بعدا جديدا في 2013، بعد أن تردّد أن الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وعد، خلال زيارة له للسودان في أبريل الماضي، نظيره الرئيس عمر البشير بإعادة مثلث حلايب إلى وضع ما قبل 1995.

ولئن نفى المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، وقتها، السفير إيهاب فهمي ذلك ووصف تلك الأنباء بأنها “إشاعة لا ترتكز على معلومات سليمة” فإن الردّ جاء على موقع حزب “الحرية والعدالة” حين نشر خريطة لمصر حذفت منها منطقة حلايب وشلاتين.

يقع مثلث حلايب وشلاتين على الطرف الأفريقي للبحر الأحمر. وقد فرضت مصر كامل سيطرتها الأمنية عليه في العام 2000

وكانت كتب التاريخ والجغرافيا قد شهدت خلال سنة حكم الإخوان، اختفاء منقطتي حلايب وشلاتين من خريطة مصر بشكل مفاجئ، مما أثار أزمة كبرى حينها، وهو ما تسبب في إقالة قيادات كبيرة داخل وزارة التربية والتعليم المصرية، عقب ثورة 30 يونيو، بعد اكتشاف الأمر. وتم تعديل الخريطة في آخر لحظة، قبل انطلاق الدراسة، التي تبدأ في مصر عادة خلال شهر سبتمبر من كل عام.

وراجت معلومات سودانية أثناء حكم الرئيس محمد مرسي بأنه تنازل عن المثلث لصالح السودان، يومها هاجمت قوى سياسية كثيرة موقف الرئيس المعزول، خاصة أن الإخوان يعتبرون أنه لا غضاضة في ضم أرض “إسلامية” لأخرى “إسلامية” على اعتبار أن الجميع يقع تحت المظلة الإسلامية الواحدة..

في المقابل، يأتي الرد الرسمي المصري دائما، على تصريحات أي مسؤول سوداني، بالتأكيد على “مصرية” حلايب وشلاتين، وبدا ذلك جليا في تصريحات السفير بدر عبد العاطي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، والتي أكد فيها عبر أكثر من وسيلة إعلامية، أن حلايب وشلاتين جزء من الأراضي المصرية ولا نقبل النقاش بشأنهما، وأن “خط الحدود 22 هو الذي يقسم بين مصر والسودان، ولا نقبل حلولا وسطية مع السودان في ملف حلايب”.

7