مصر تصدر حكما نهائيا يدين مبارك فهل ستعيد أوروبا أموالها المصادرة

استعاد المصريون، بعد حوالي خمس سنوات، الآمال في فتح الباب لمفاوضات جدية لاستعادة الأموال المصرية التي تم تهريبها إلى الخارج بمعرفة عدد من رموز حكم مبارك وكبار رجال الأعمال إثر صدور حكم نهائي على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ونجليه، علاء جمال، في قضية القصور الرئاسية.
الأحد 2016/01/17
أموالكم التي في بنوكنا خط أحمر

القاهرة – فتح صدور حكم نهائي ضد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ونجليه قبل نحو أسبوع، بالسجن المشدد ثلاث سنوات وتغريمهم نحو 15 مليون دولار، في القضية المعروفة بـ “القصور الرئاسية” الباب أمام الحديث عن إمكانية عودة الأموال المصرية المهربة إلى الخارج.

وتبلغ الأموال المهربة إلى دول أوروبية، والتي تم حصرها، مليارا و300 مليون دولار، بحسب تقديرات المتابعين، وتشكلت 8 لجان رسمية وشعبية منذ تنحي مبارك عن الحكم في 11 فبراير 2011 لمتابعة استردادها، لكن العقبة الدائمة التي واجهت هذه الجهود اشتراط المؤسسات القانونية في الدول الأوروبية وجود أحكام قضائية نهائية تثبت الفساد المالي على مبارك ورموز نظامه.

في أول نتيجة مباشرة بعد صدور الحكم، في قضية القصور الرئاسية، وصل إلى القاهرة مساء الجمعة الماضي، النائب العام السويسري مايكل لوبير لعقد سلسلة من الاجتماعات ومناقشة ملف الأموال المصرية المهربة والمتواجدة في بنوك سويسرية مع عدد من المسؤولين المصريين، من بينهم النائب العام نبيل صادق.

وكان ميشيل لوبير قد أكد في تصريحات سابقة أن “المبلغ المجمد من الأموال المصرية المهربة في بلاده، يبلغ نحو 700 مليون فرنك سويسري، ولن يتم استرداده إلا في حالة صدور حكم قضائي، يثبت اتهام رموز نظام مبارك بالفساد المالي”.

لجان رسمية وشعبية

شكلت السلطات المصرية المتعاقبة منذ ثورة 25 يناير 2011، ثماني لجان رسمية وشعبية، بشأن ملف استرداد الأموال المهربة من قبل أقطاب نظام مبارك إلى الخارج، كما سلَّمت ملفات أكثر من 20 شخصية وعائلة مصرية، لطلب الحجز على أموالها المنقولة وغير المنقولة، من ضمنها عائلة مبارك وعدد من مسؤولي الحكومة المصرية والحزب الوطني الديمقراطي المنحل وقيادات حكومية أخرى وعدد من رجال الأعمال المرتبطين بنظام مبارك.

آخر هذه اللجان شُكل في نوفمبر الماضي برئاسة النائب العام المصري و12 عضوا من مساعدي وزير العدل، وممثلين عن الجهات الأمنية، ووزارة الخارجية المصرية، إلا أن أيا من تلك اللجان لم يأت بجديد لعدم وجود أحكام نهائية تدين رموز نظام مبارك، وعدم معرفة السلطات الرسمية بالحجم الدقيق لتلك الأموال.

وكشف النائب عبدالفتاح محمد عبدالفتاح، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، عن أن اللجنة وافقت على القانون رقم 28 لسنة 2015 بإنشاء وتنظيم اللجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول والموجودات في الخارج، لافتا إلى أن البرلمان سيكون له دور كبير في الضغط على القيادة السياسية من أجل الإسراع في استرداد الأموال المصادرة.

حكم محكمة النقض المصرية بإدانة مبارك ونجليه في قضايا فساد وزيارة النائب العام السويسري للقاهرة يفتحان الباب أمام عودة مليار و300 مليون دولار إلى مصر

وقال عبدالفتاح، في تصريحات لـ”العرب”، إن الدولة المصرية تواجه العديد من المعوقات تجعلها غير قادرة على استرداد الأموال المنهوبة، أولها عدم وجود إحصاء دقيق بالأموال المهربة إلى الخارج، كما أنها أنفقت مصروفات مباشرة وغير مباشرة على عمل اللجان التي قامت بتشكيلها منذ ثورة يناير وحتى الآن، لتصل إلى حوالي 60 مليون دولار.

وحول دور مجلس النواب في استرداد تلك الأموال قال عبدالفتاح إن “المعوقات التي تواجه الموضوع ليست تشريعية حتى يعدّلها البرلمان، إنما يجب صياغة القضايا بشكل واضح لإصدار أحكام في صالح الدولة، ولا يمكن تسييس الجزء القضائي في تلك الأزمة”.

وكان أحمد الزند، وزير العدل المصري، قد كشف عن قرب بدء صفقة تصالح كبرى بين الحكومة المصرية و20 من رجال الأعمال الهاربين في الخارج، أبرزهم حسين سالم، الذي اتهم في قضايا نهب المال العام، وبرّأته منها محاكم مصرية.

وقال الزند إن التصالح مع حسين سالم أوشك على الانتهاء، وأن الرئيس عبدالفتاح السيسي يريد 10 مليارات جنيه (1.2 مليار دولار) للتصالح معه، ولكنه أشار إلى صعوبة الحصول على هذا المبلغ من سالم.

وتوجد أغلب الأموال المهربة في سويسرا، التي اتخذت قرارا في 2011 بتجميد ممتلكات رموز النظام السابق، وكان من المقرر أن يُلغى التجميد في عام 2013، لكنها قررت تمديد أجله ثلاثة أعوام أخرى، لتنتهي في مارس المقبل.

وتضع سويسرا ثلاثة شروط أساسية للتعامل مع مصر: الثقة في استقلال النظام القضائي والالتزام بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة واحترام سرية المعلومات وعدم خروجها من السلطة القضائية إلى أيّ سلطة أو جهة أخرى.

وقال معتز صلاح الدين، رئيس المبادرة الشعبية لاسترداد أموال مصر المنهوبة، لـ”العرب” إن عدم استرداد أيّ من الأموال المهربة يرجع إلى عدم وجود إرادة سياسية، وهو ما ترتب عليه عدم وجود أحكام نهائية في أكثر من 900 قضية فساد متورط بها رموز النظام السابق، فجميعهم حصل على البراءة لعدم ثبوت الأدلة، أو عدم استكمال الأوراق.

وأضاف أن إجمالي الأموال المجمدة في كل من سويسرا وبريطانيا وهونغ كونغ وفرنسا وأسبانيا يبلغ مليارا و300 مليون دولار يمتلكها 30 شخصية مصرية، لافتا إلى أن سويسرا بها النصيب الأكبر من تلك الأموال.

وأشار إلى أن الأموال المجمدة في البنوك الأوربية تمثل نسبة 7 في المئة فقط من إجمالي الأموال المهربة إلى الخارج التي لم تصل إليها الحكومات الغربية، مشيرا إلى أن النسب العالمية للدول التي نجحت في استرداد بعض أموالها لم تتخط 10 بالمئة.

وأوضح أن المبادرة سلمت جهاز الكسب غير المشروع، والذي كان يتولى مهمة استرجاع الأموال المهربة، العديد من الوثائق المتعلقة بالأموال المهربة، لكن هذا التعاون توقف منذ فترة بسبب عدم جدية الحكومة في استرجاع الأموال.

وجود إرادة سياسية لاسترداد تلك الأموال أمر هام للغاية حيث يضمن سرعة تسليم الحكم القضائي ومتابعة عرضه على المحكمة الفيدرالية في سويسرا أو غيرها من الدول، ثم متابعة استعادة الأموال

وأكد صلاح الدين أن المبادرة الشعبية نجحت في تحريك دعوى قضائية بالمحاكم الأسبانية ضد رجل الأعمال حسين سالم بتهمة غسيل الأموال، وهو ما جعله يرحب بتصالحه مع الحكومة المصرية والعودة إلى الأراضي المصرية.

مطلوب إرادة سياسية

تلقت الحكومة المصرية أكثر من 20 طلبا تتعلق برد المال العام المهرب، فضلا عن مئات الطلبات في التصالح، طبقا للمادة 18 من قانون الإجراءات الجنائية والمتعلقة بالاستيلاء على المال العام.

وقال إبراهيم أحمد، أستاذ القانون الدولي بجامعة عين شمس، لـ”العرب”، إن القوانين الأوروبية، ومن بينها القانون السويسري، تقضي برد الأموال التي نهبها حكام دول العالم الثالث من شعوبهم، إلا أن ذلك يتم وقفا لشروط محددة أهمها إجراءات الحجز وإثبات أن الأموال المرغوب في الحجز عليها حصل عليها الحاكم عن طريق الفساد، ويكون ذلك عن طريق حكم لقاض طبيعي في الدولة التي نهب شعبها.

وأوضح إبراهيم أحمد أن صدور حكم من محكمة النقض المصرية يؤيد حكم محكمة الجنايات فيما يتعلق بقضية القصور الرئاسية المتهم بها الرئيس الأسبق حسني مبارك ونجلاه، علاء وجمال، هو حكم بات ونهائي، وبالتالي أصبح من المؤكد أنهم حصلوا على هذه الأموال من خلال الفساد واستغلال النفوذ، ومن الواجب على الدول التي جمّدت أموال مبارك ونجليه ردها إلى مصر.

وأشار إلى أن وجود إرادة سياسية لاسترداد تلك الأموال أمر هام للغاية، حيث يضمن سرعة تسليم الحكم القضائي، ومتابعة عرضه على المحكمة الفيدرالية في سويسرا أو غيرها من الدول، ثم متابعة استعادة الأموال.

لكن الخبير الاقتصادي هاني توفيق شكّك في جدية دول الاتحاد الأوروبي، وتحديدا سويسرا، لتسليم أموال مبارك المهربة إلا لو تم ذلك بضغط سياسي وشعبي، وهو ما لا يتوفر في الفترة الحالية.

وأضاف، في تصريحات لـ”العرب” قائلا إنه لا يجب على المصريين التعويل كثيرا على عودة الأموال المهربة من أجل إصلاح الاقتصاد، فنحن لم نصدر حكما سوى على مبارك ونجليه، بينما أغلب الأموال المهربة كانت من قبل دائرة الرئيس والتي كانت تتشكل من رجال أعمال كبار في ذلك الوقت.

4