مصر تصلي من أجل مسيحيي العراق

الخميس 2014/08/21
ممارسات داعش وسواها وحدت الأديان في الإيمان بضرورة التصدي للتشدد

القاهرة - الوضع الذي تعيشه الأقليات الدينية في العالم العربي الإسلامي، ارتباطا بمنسوب العنف والتشدد الذي يمارسه تنظيم “داعش” وما يقترب منه، استنفر قوى كل الجهات والهيئات الدينية والسياسية والحقوقية، التي وعت خطورة هذه الممارسات على التعايش القائم في المنطقة منذ قرون. وفي هذا الإطار تتنزل مبادرات دينية وسياسية عديدة، أجمعت على ضرورة إنقاذ الأقليات الدينية المهددة في وجودها وفي معتقداتها.

نظّم مجلس البطاركة الكاثوليك، الاثنين، صلاةً من أجل مسيحيي العراق، في كنيسة العذراء “سيدة فاتيما” بحي مصر الجديدة (شرقي القاهرة)، استجابة لدعوة بابا الفاتيكان فرنسيس. وترأس الصلاة الأنبا إبراهيم إسحاق، بطريرك الكاثوليك بمصر، ورئيس مجلس البطاركة الكاثوليك (رئاسة الطائفة)، بحضور قرابة 500 شخص يمثلون مختلف الطوائف المسيحية.

وقال المطران فيليب نجم، المدير البطريركي للكلدان الكاثوليك بمصر، محاولا تنزيل المبادرة في سياقها، إن الصلاة جاءت استجابة لدعوة بابا الفاتيكان للصلاة بالتزامن مع عيد انتقال العذراء بالنفس والجسد إلى السماء، وهو عيد يحتفل به سنويا في مثل هذا اليوم، حسب الاعتقاد المسيحي.

وكان بابا الفاتيكان فرنسيس دعا قبل أيام، مجلس البطاركة الكاثوليك إلى تنظيم صلاة الاثنين تضامنًا مع مسيحيي العراق ضد ممارسات تنظيم “الدولة الإسلامية”.


أوج التعدي على الحريات الدينية


وأوضح نجم أن “التحديات والاعتداءات على الحريات الدينية بلغت ذروتها، مما كان له أبعاد مقلقة في الكره والعنف في الشرق الأوسط، والذي أثّر على التعايش السلمي والمشترك بين الشعوب، فهناك مرجعيات بشرية بدلا من الله، وهي لن تقود الإنسان إلى الخير”.

وأضاف: “هناك جماعات دينية متطرفة تمارس العنف باسم الله، وتصدر أحكامًا شنيعة وفتاوى لا تمت إلى الإنسانية بصلة ولا إلى الرحمن الرحيم بصلة، بل إنها تتفاخر بجرائمها”، مؤكدًا أن تنظيم “الدولة الإسلامية” “داعش يرتكب جرائم وحشية من قتل وذبح وتهجير قسري لتشويه صورة الإنسانية”.

ولفت إلى أن ممثلي كل الكنائس حرصوا على المشاركة في الصلاة من أجل العراق والشرق الأوسط ومن أجل المتألمين والأطفال والمسنين، واستشهد في ذلك بقول بابا الفاتيكان: “قلبي يدمى دمًا من أجل أطفال العراق”.


الكنيسة المصرية لكل الأديان


ومن جانبه قال صفوت البياضي، رئيس الطائفة الإنجيلية، إن مسيحيي العراق عانوا أشد المعاناة، وهي علامة المجيء الثاني “القيامة”، والمسيحيون في مصر يشعرون بآلامهم، فالجميع “شركاء في جسد المسيح”.

وتابع: “نثق أن الله سيعطي المكافأة كما يعطي العقاب، والله لن يسكت عن الظلم، وسوف نستمر في الصلاة إلى أن يرفع الله هذه الغمة، ويعيد السلام والأمن لكل الشعوب في كل بقاع الدنيا”.

كنيسة مصر على استعداد لاستقبال شعب العراق مهما كانت ديانته فهي مفتوحة للجميع

وأضاف: “قلت للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إننا على استعداد لاستقبال شعب العراق مهما كانت خلفيته أو ديانته، فكنيسة مصر مفتوحة للجميع، ونحن على استعداد لنقاسمهم كسرة الخبز”.

في سياق التضامن مع مسيحيي الموصل، أعلنت المطرانية الكلدانية بالقاهرة، بالتعاون مع الكنائس المصرية، تنظيم قافلة إغاثة لصالح النازحين والمطرودين من مسيحيي الموصل في العراق، والذين ناهز عددهم الــ 100 ألف شخص اقتلعوا من منازلهم وأراضيهم بفعل عربدة عناصر داعش.

كما صرح مصدر بمجلس كنائس مصر بأن المجلس سيقيم حفلا خيريا خلال شهر سبتمبر القادم، وأن الحفل ستتخلله فقرات ترانيم وكلمات روحية، بحضور عدد من الشخصيات وقيادات الكنائس. وقال المصدر إن الحفل سيكون فرصة للجميع للمشاركة في مساعدة النازحين، حيث سيخصص دخله لمساعدة النازحين من العراق. وكانت مطرانية الكلدان في مصر فتحت حسابا بنكيا لتلقي المساعدات التي ستوجه إلى المهجرين من الموصل شمالي العراق.

ويذكرُ هنا أن تنظيم الدولة الإسلامية، أمهل في نهاية يوليو الماضي، مسيحيي مدينة الموصل (شمال)، أحد أبرز معاقل التنظيم في العراق، المتواجدين في المدينة مهلة، دعاهم فيها إلى الاختيار بين اعتناق الإسلام أو إعطائهم عهد الذمة (أي دفع الجزية مقابل الأمان) أو مغادرة المدينة دون ممتلكاتهم باعتبارها “غنائم”، مما اضطر معظم سكان المدينة إلى مغادرتها.

وهو ما عدَّ اعتداء على الحريات الدينية، واقتلاعا جائرا لمكون عراقي أصيل، أكثر عراقة وتأصلا من داعش وغيرها، بل إن الوجود المسيحي والأيزيدي أسبق، تاريخيا، من وجود الدين الإسلامي ذاته.


انتصار بابوي للمسيحية العراقية


وفي سياق استعراض تفاعل الجهات الدينية مع ممارسات داعش تجاه المسيحيين العراقيين وغيرهم، أبدى بابا الفاتيكان، فرانسيس، استعداده للتوجه إلى شمال العراق، الذي يشهد حصارا خانقا تنفذه عناصر داعش على المجموعات المسيحية والأيزيدية الهاربة من أتون الغلوّ والتشدد.

وقال البابا فرانسيس “أعتقد أنني أستطيع القول إنه ما أن تناهى إلى مسامعي تطور الأوضاع في شمال العراق، ولاسيما بشأن الأقليات الدينية، والمشكلة التي تتمثل في عدم قدرة الإقليم على استيعاب الكثير من الناس، قمت بالتعاون مع الموظفين التابعين لي بالكتابة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ثم قررت أن أرسل واحداً من مبعوثيّ الشخصيين، وهو الكاردينال فيلوني”.

وأردف: “في النهاية لم أستبعد من بين الاحتمالات، إمكانية التوجه إلى شمال العراق بعد عودتي من كوريا، إذا كان هذا ضرورياً”. ومضى قائلا: “يمكنني أن أذهب إلى هناك، وهذا ليس أفضل ما يمكن أن نفعله في هذا الوقت، ولكنني على استعداد لفعل ذلك”.

13