مصر تصوم ديمقراطيا وتفطر على برلمان بلا خبرة ولا أغلبية

عادت عجلة الحياة البرلمانية في مصر إلى الدوران بعد توقف ثلاث سنوات، بانعقاد أولى جلسات مجلس النواب، يوم الأحد الماضي، وانتخاب أستاذ القانون علي عبدالعال رئيسا له، في جلسة لم تخل من صخب ومشادات حادة بين النواب أفضت إلى قرار بمنع بث الجلسات المباشرة للمجلس، الأمر الذي رفضه رئيس حزب الوفد، السيد البدوي، ووصفه، في حوار مع “العرب”، بأنه مخالف للدستور، وسيعود بالسلب على شعبية البرلمان الذي يواجه مهمة صعبة تتمثل في أن يكون صوت الشعب ويستعيد ثقته في البرلمانيين.
الجمعة 2016/01/15
مشاكل من أولها؟

القاهرة – توقع السيد البدوي، رئيس حزب الوفد المصري، أن يتمزّق قريبا ائتلاف دعم مصر، الذي يهيمن على كثير من مفاتيح مجلس النواب حاليا، عقب الانتهاء من تشكيل اللجان النوعية في البرلمان. وأكد، في حوار مع “العرب”، أن التحدي الاقتصادي وإقرار قوانين جاذبة للاستثمار قادرة على إحداث انتعاشة اقتصادية تزيل الظلم الاجتماعي، أهم ما يواجه مجلس النواب الجديد.

ويواجه البرلمان المصري مأزقا بسبب نص المادة 156 من الدستور التي تلزمه بمناقشة القوانين التي صدرت في عهد الرئيسين عدلي منصور وعبدالفتاح السيسي خلال 15 يوما من بدء دور الانعقاد الأول، حتى لا ينقضي أثرها. وفي هذه القضية أوضح البدوي، رئيس أعرق الأحزاب الليبرالية، أنه ليس أمام البرلمان إلا الموافقة على جميع القوانين التي صدرت (نحو 500 قانون) لاستحالة مناقشة هذا الكم الهائل من القوانين في 15 يوما، محذرا أن عدم الموافقة عليها سيؤدي إلى حالة من الارتباك في كافة مؤسسات الدولة، وإذا كانت هناك ملاحظات على أي قوانين يمكن تعديلها أو وقف العمل بها.

وكشف عن اهتمام حزب الوفد، الذي حصل على 33 مقعدا في البرلمان، بتعديل قانوني الخدمة المدنية والتظاهر خلال دور الانعقاد الأول، وأن الأخير (التظاهر) يحتاج إلى تعديل وليس إلغاء، لأن الحق في التظاهر نص دستوري، وبعض مواد القانون الحالي يجب تعديلها، مع الاستمرار في تطبيقه واحترامه إلى أن يتم التعديل.

ونوه إلى دعم علي عبدالعال في رئاسة مجلس النواب لقدرته على تحمل المناكفة، وحنكته السابقة في التعامل مع أعضاء لجنة الخمسين، التي أعدت الدستور، حيث كان عضوا بها، كما كان عضوا في لجنة الخبراء العشرة التي أعدت المسودة الأولى للدستور، علاوة على خلفيته القانونية والدستورية، التي روج البعض لها باعتبارها شرطا من شروط رئاسة المجلس، والتي لا يتفق الوفد معها، فمن الممكن أن يكون رئيس البرلمان سياسيا وليس قانونيا.

واعترف بأن البرلمان المصري الجديد يفتقد إلى الخبرة السياسية، لكن لم ينكر وجود بعض القامات القادرة على إحداث التوازن، في ظل الكم الكبير من المستقلين، مؤكدا أن السيطرة على برلمان 60 في المئة من أعضائه من المستقلين نجحوا بالنظام الفردي، كل نائب منهم لديه قناعة أنه يستطيع منافسة الرئيس السيسي في دائرته، مسألة غاية في الصعوبة.

الحديث عن المصالحة مع الإخوان لا مجال له لأن هذه المصالحة ليست مع الرئيس ولا مع النظام، بل مع الشعب المصري

الناس على دين إعلامهم

طالب رئيس حزب الوفد الإعلام أن يرفق بالبرلمان والنواب ويصبر عليهم لأنهم في “سنة أولى ممارسة”، وليس أمام مصر سوى هذا البرلمان، إذا جرى هدمه سوف تتعقد الأمور للغاية، لافتا إلى أن ما تمت مشاهدته من ممارسات شاذة في الجلسة الأولى للبرلمان، قد تستمر على الأقل لحوالي ثلاثة أشهر، ثم تزول مع الممارسة العملية.

وانتقد بشدة قرار وقف بث جلسات البرلمان، واعتبره مخالفة دستورية، وأن نص علانية الجلسات في الدستور واضح لا لبس فيه، وتساءل كيف تتحق العلنية بمنع البث. وقال إن البديل لتحقيقها السماح لجميع من يرغب من المواطنين حضور ومشاهدة أداء البرلمان من داخل المجلس، وهذا أمر من المستحيلات.

وأكد البدوي أن منع البث أضر بالبرلمان، لأن لسان حال المواطنين يقول كيف يبدأ المجلس المسؤول عن حماية الدستور عمله بمخالفة دستورية، مشيرا إلى أن نواب الوفد سيتحركون بشكل عاجل لإلغاء قرار منع البث.وتوقع أن يخوض الإعلام حربا شرسة لإلغاء منع بث الجلسات وسيربحها، لأن الإعلام قوة، كما أن الناس “أصبحوا على دين إعلامهم”.

ولفت إلى أن أي دولة في العالم تحولت من نظام شمولي إلى ديمقراطي، بدأت انتخاباتها بالقوائم النسبية حتى تحسن تمثيل كافة فئات المجتمع، وهو ما حدث في جنوب أفريقيا ودول أوروبا للشرقية، أما في مصر فقد اخترعوا النظام الفردي، حتى لا يكون هناك رأي آخر قوي وتجهض الأحزاب.

الاستعانة بالقوات المسلحة أمر اضطراريّ لأن الرئيس السيسي تسلم الدولة وغالبية مفاصل المؤسسات متآكلة

وتساءل كيف تتحقق المادة الخامسة التي تنص على أن “الحياة السياسية تقوم على تعدد الأحزاب والتداول السلمي على السلطة والفصل بين السلطات”، وهل سيتم تداول السلطة بين مستقلين ومستقلين في البرلمان أم بين أحزاب وأحزاب. وأردف ملاحظا أن لا أغلبية في البرلمان، وائتلاف دعم مصر ليس أغلبية، لأن الأغلبية تكون حزبية، لكن هذا الائتلاف هو ائتلاف أكثرية من المستقلين.

وردا على سؤال حول إمكانية تعديل قانون الانتخابات، قال البدوي إن “التعديل يحتاج إلى إرادة سياسية وأغلبية برلمانية، والأغلبية حاليا من المستقلين، بالتأكيد سيرفضون المساس بالقانون، والحالة الوحيدة التي يمكن تعديله فيها عقب انتهاء مدة المجلس الحالي (5 سنوات) والحكم عليه، وحينها قد يصدر قرار بقانون بتعديل نظام الانتخابات”.

نبّه السيد البدوي إلى مخاطر التفريط في التعددية، ووأد الأحزاب وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه طوال الـ60 سنة الماضية، لأن حينها سيكون البديل الجاهز صعود جديد للتيار الإسلامي المتطرف والقفز على السلطة في لحظة معينة، مستشهدا بالتعددية الحزبية والسياسية قبل ثورة يوليو 1952 التي كانت تواجه الإخوان رغم قوتهم ودعم القصر الملكي والمحتل البريطاني لهم، لكن الجماعة كانت تفشل في الانتخابات أمام الأحزاب.

وتعليقا على ما يتردد عن ضعف الأحزاب المصرية عموما، بدليل تفوق المستقلين عليها في انتخابات البرلمان، قال البدوي لـ”العرب” إن “الأحزاب تدفع ثمن أخطاء الأنظمة السابقة التي منعت الممارسات الحزبية، ومع ذلك أثبتت الأحزاب في الانتخابات الماضية وجودها وحققت 45 بالمئة من المقاعد”.

وجزم أن ائتلاف دعم مصر قد يظل متماسكا بشكل مؤقت، وبعد الانتهاء تماما من تشكيل اللجان النوعية سوف يختلف الحال، وربما يحتفظ بالأكثرية، لكن ليس بأغلبية 400 عضو.

ائتلاف دعم مصر ليس أغلبية حزبية بل هو ائتلاف أكثرية من المستقلين

وأشار إلى أن حزب الوفد “رفض الانضمام لائتلاف دعم مصر، لأنه حزب يقود ولا يقاد، ولا يمكن أن يذوب في أي ائتلاف آخر، وله شخصيته المستقلة التي تشكلت عبر 100 عام”.

وأخطر ما يواجه هذه الحكومة، وحكومات ما بعد 25 يناير 2011، في رأي البدوي، سياسة الأيدي المرتعشة، ففي اعتقاده أنه لا يوجد وزير أو مسؤول يستطيع أن يمارس سلطته، خوفا من السجن، ومن الخطأ محاكمة وزير أصدر قرارا إداريا دون انحراف، أما إذا انحرف فهذا أمر آخر.

وطالب البرلمان بمنح قانون محاكمة الوزراء أولوية في المناقشة لتأمين الوزراء، لأن استمرار الوضع الراهن كارثي. وتابع قائلا إن “مشهد القبض على وزير الزراعة المصري، صلاح هلال، المتهم في قضية فساد، في ميدان التحرير الشهير أمام الناس، وبالشكل الذي تم به، إهانة لا تليق بدولة في حجم مصر، بعيدا عن ضلوعه في الفساد من عدمه، فقد زرعت هذه الطريقة الخوف في قلوب المسؤولين، لأن سمعة الشخص وأسرته هي وطنه الأول، بالتالي يجب أن يكونوا آمنين في مواقعهم، طالما لم يثبت عليهم انحراف”.

عودة الإسلام السياسي

قلل رئيس حزب الوفد من دعوات التظاهر في 25 يناير المقبل، لأن الشعب رفضها، وقال إن “المظاهرات كانت تنجح لأن الشعب كان يدعمها، أما الآن فالمصريون يمقتون هذه الدعوات، ويريدون الاستقرار للبلاد”. وأضاف أن الإخوان “يذكروننا بملوك المنفى دائما يرددون أنهم عائدون، والجماعة لم تأت حتى الآن، لأن الشعب لفظها”.

واستشهد بالنتيجة التي حققها حزب النور السلفي في الانتخابات البرلمانية، وقال”دفع ثمنا غاليا لغضب المصريين من استخدام الدين في السياسة، رغم أن له مواقف وطنية بارزة في جبهة الإنقاذ التي عارضت الإخوان وثورة 30 يونيو، وتحمل استفزازات عدة في لجنة الخمسين واستمر للنهاية حتى لا يؤثر انسحابه على خارطة الطريق، لكنه دفع فاتورة غضب المصريين من الإسلام السياسي”.

وحول الانتقادات التي توجه من حين لآخر لدور الجيش في الحياة المدنية، قال البدوي إن “الاستعانة بالقوات المسلحة أمر اضطراريّ لأن الرئيس السيسي تسلم الدولة وغالبية مفاصل المؤسسات متآكلة، وهناك دولة عميقة من الروتين تعوق القرارات، ومطالب عاجلة للشعب لن يصبر عليها، لافتا إلى أن اشتراك القوات المسلحة في أعمال الإنشاءات، والمشروعات القومية الكبرى والبنية التحتية، وتوزيع المواد الغذائية سوف تزول عند بناء مؤسسات الدولة بشكل حديث”.

وأكد أنه لا خلط بين الوحدات المقاتلة في المؤسسة العسكرية، وقطاعات الجيش التي تؤدي خدمات مدنية، ووفقا لآخر تصنيف دولي جاءت القوات المسلحة المصرية في المركز الـ11 عالميا، وبما تملك مصر من طائرات، فهي في الترتيب السابع في سلاح الطيران والخامس في البحرية عالميا. وختم البدوي حواره مع “العرب”، واصفا الأزمة الداخلية التي عصفت بحزب الوفد مؤخرا، بأنها “مصطنعة، وتم طي صفحتها نهائيا، وقضي الأمر في فصل بعض الأعضاء المتورطين فيها، مشددا على أن الوفديين “لفظوا من خرجوا عن الإجماع”.

12