مصر تضع نظاما تعليميا جديدا ينهي طرق التدريس القديمة

عكس المؤتمر الدولي الذي اختتم في مصر الأحد الماضي، حول “ضمان جودة التعليم” وجود توجه حكومي قوي لإحداث نقلة شاملة في التعليم الذي أصبح ينحدر إلى مستويات خطرة يوما بعد يوم. وكشف مسؤولون في قطاع التربية والتعليم عن جملة من القرارات لتطوير المنظومة، طالما انتظرها الملايين من المواطنين على مدار عقود طويلة، لإثبات جدوى التطوير.
الثلاثاء 2017/04/25
طوابير في انتظار عهد تعليمي جديد

القاهرة - خلص المؤتمر الذي شاركت فيه نخبة من خبراء التعليم في مصر إلى الإعلان عن الشروع في تطوير جميع المناهج التعليمية وتغيير منظومة الامتحانات بشكل جذري، والاتفاق على نظام جديد للالتحاق بالجامعات يقوم على عدم الاعتداد بالمجاميع كأساس لدخول الكليات، وتدريب جميع المعلمين المصريين على النظام الجديد الذي من المقرر أن يتم الشروع في رسم شكله النهائي ابتداء من شهر مايو المقبل.

وقال طارق شوقي وزير التربية والتعليم إن “منظومة التعليم الحالية لم تعد تصلح لقيادة مصر ولا لرسم سياسة تنموية وعلمية واقتصادية تستطيع أن تنقل البلاد إلى مستوى اجتماعي أفضل. ولا بديل عن تغيير شامل في المناهج الدراسية وطريقة التدريس ذاتها، ووضع نظام جديد للامتحانات لتقييم الطالب بشكل أفضل، بحيث لا يكون المجموع النهائي هو أساس النجاح”.

وسوف تنتهي سياسة الحفظ والتلقين في المناهج والتي يقوم عليها النظام التعليمي الحالي وفقا للقرارات المعلنة، كما أن طريقة الامتحانات ذاتها، التي تختبر الطالب في ما حفظه لن يكون لها وجود على أرض الواقع مستقبلًا، وبالتالي فإن طريقة التحاق الطلاب بالتعليم الجامعي سوف تتغير لتتواءم مع النظام الجديد الذي يقضي على فلسفة النجاح بالمجاميع فقط.

وسوف يكون هناك مجلس قومي مصري للتقويم والقياس مسؤول عن إلحاق الطلاب بالكليات من خلال اختبارات وبنوك أسئلة لتقييم القدرات على أن يكون ذلك بشكل إلكتروني بعيدا عن التدخل البشري لتجنب شبهات المجاملة والمحاباة لأي طالب، لكن لم تحدد بعد شروط الالتحاق بالكليات مع تشكيل هذا المجلس.

وبحسب المخطط الذي أُعلن عنه صراحة خلال المؤتمر، فإن 30 بالمئة من الدرجات سوف تُمنح على الأنشطة، و50 بالمئة على المعرفة والـ20 بالمئة الباقية سوف توجه لتقييم الفهم والإبداع، ما يقضي نهائيًا على الحفظ، وبالتالي فإن مشكلة الدروس الخصوصية التي تلتهم نحو 30 مليار جنيه (نحو 2 مليار دولار) سنويًا من أولياء الأمور، سوف تنتهي دون الحاجة إلى تشريع قانوني يجرمها.

الحكومة تسعى إلى تطبيق نظم تعليمية مختلفة يجري تطبيقها في دول أوروبية مع اختيار الأنسب للبيئة التعليمية في مصر

ولا تريد وزارة التربية والتعليم، بحسب كلام طارق شوقي، أن تكون المدرسة “سجنا للطلاب”، بل مكانا للإبداع، بحيث يتم التوسع في الأنشطة، ويمارس كل طالب هوايته، سواء الموسيقى أو الرياضة بأنواعها أو الرسم، على أن يكون ثلثا اليوم الدراسي للتعليم، والثلث الأخير لممارسة الأنشطة، حتى لا تصل علاقة الطالب بالمدرسة إلى حد الكراهية والنفور، مثل الحاصل حاليًا.

وتسعى الحكومة إلى تطبيق نظم تعليمية مختلفة يجري تطبيقها في دول أوروبية منها فنلندا وسنغافورة، مع الحرص على اختيار الأنسب من كل نظام لتطبيقه بما يتواءم مع البيئة التعليمية في مصر، ومثال ذلك إمكانية أن تكون مدة الدراسة في مرحلة التعليم قبل الجامعي 7 سنوات فقط بدلًا عن 12 سنة، كما هو مطبق حاليًا، حتى لا يقضي الطالب فترة طويلة من عمره في مرحلة تعليمية تمهيدية قبل الالتحاق بالجامعة.

وتهدف وزارة التعليم إلى تدريس مناهج عن القيم والأخلاق والمواطنة للمرة الأولى، في المراحل التعليمية المختلفة، في إطار السعي إلى التنمية الشاملة للنشء وغرس روح المواطنة والتسامح، ونبذ العنف، وتفهم أسس الحرية والعدالة من حقوق وواجبات، وشعور بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطنين.

وفي هذا الصدد أعلن أشرف حاتم، رئيس المجلس الأعلى للجامعات، عن الاتفاق مع وزارة التعليم على أن يكون مشروع تخرج كل طالب في كليات التربية والآداب ودار العلوم، مرتكزا على محو أمية عدد من المواطنين ممن لا يجيدون القراءة والكتابة بعدما وصلت نسبة الأمية إلى 25 بالمئة من المجتمع.

وبحسب المسؤولين عن منظومة التعليم الجامعي وقبل الجامعي، فإن تطوير التعليم لا بد أن يأخذ مسارات متعددة جميعها يسير بطريقة متوازية، بحيث تكون المناهج الجديدة مواكبة لنظام الامتحانات الجديد، ومتماشية أيضا مع آلية تقييم الطلاب ومتوافقة مع طريقة الالتحاق بالجامعات، حتى يكون محو الأمية سائرا في الاتجاه نفسه، وهنا تكتمل منظومة تطوير التعليم بشكل كبير.

ويحتاج تحقيق مثل هذه الأهداف إلى موارد مالية ضخمة، لذلك أعلنت هالة السعيد، وزيرة التخطيط والإصلاح الإداري، خلال المؤتمر عن نية الحكومة رفع الاستثمار في قطاع التعليم إلى 12.7 مليار جنيه، بدلا من 4 مليارات، لا تشتمل الرواتب، بل سوف تخصص أساسا لعملية التطوير وبناء مدارس جديدة للقضاء أو التقليل من كثافة الفصول، بما لا يزيد عدد طلاب الفصل الواحد عن 40 طالبًا.

وفي السياق نفسه، تقرر الشروع في تدريب مليون ومئتي ألف معلم، هم عدد المدرسين في مصر، على مرحلتين متتابعتين، الأولى منها بـ500 ألف معلم مطلع شهر مايو المقبل، ولمدة عام كامل، ويتم خلاله التدريب على أحدث نظم التعليم في العالم بما فيها مناهج الفهم وأساليب الامتحانات الجديدة وتحسين العلاقة مع الطلاب وكيفية تطبيق الأنشطة وإكساب المربين مهارات الشرح وسهولة تقديم المعلومة للطلاب.

وقال طارق شوقي وزير التربية والتعليم لـ“العرب”، إن هناك توجها لدى الدولة لاعتبار التعليم المشروع القومي لمصر، ولم يعد هناك وقت لتأخير التطوير والقيام بثورة شاملة لتغيير المنظومة الحالية، ليشمل التطوير مختلف محاور العملية التعليمية بالتوازي مع بعضها البعض دون تفضيل محور على آخر.

الهدف من المنظومة التعليمية الجديدة أن يعي الطالب أسس التعليم الحديث، وما يترتب عليه من تخريج طلاب مبدعين

وأضاف طارق شوقي أن ذلك يشمل الارتقاء بأداء المدرسة ومنشآتها، وتحديث المناهج بما يتواكب مع لغة العصر وتغيير شكل الكتاب المدرسي ومحتواه وحجمه، ووضع نظام جديد للامتحانات وتقويم الطلاب، وتنمية المعلمين مهنيا، ودعم مدارس ذوي الإعاقة، وتكثيف رعاية الموهوبين وأفكارهم، وربط التعليم الفني باحتياجات سوق العمل.

ولتفعيل ذلك، من المقرر إلغاء التخصصات النمطية في الجامعات والتعليم الفني وهي من التخصصات التي لا تتناسب مع التنافسية في سوق العمل، على أن يتم الإبقاء على التخصصات المطلوبة فعليا، والتي تستطيع أن تقدم خدمة تنموية واقتصادية وتعليمية تفيد الدولة والطالب مستقبلًا.

وختم وزير التربية بالقول “الهدف العام للمنظومة التعليمية الجديدة أن يعي الطالب أسس التعليم الحديث، وما يترتب عليه من تخريج طلاب عصريين مبدعين ومبتكرين يمتلكون مهارات التفكير عالية المستوى والتفكير الناقد، وحل المشكلات، وفق قواعد المنهج العلمي”.

وأشار وزير التربية والتعليم إلى أن هدف وزارة التربية والتعليم هو قبول الأطفال في الحضانة والمرحلة الابتدائية بنظام تعليمي جديد، يشبه ما يعتمد في النظم الحديثة التي تتبعها جل الدول المتقدمة في المجال مثل سنغافورة، بداية من عام 2018، مشددا على أن الوزارة تسعى حاليا إلى أن يخرج الطفل من المرحلة الابتدائية وهو يتقن لغة إضافية، علاوة على إكسابه قدرات على التعلم واتخاذ القرارات.

وقالت يوهانسن عيد، رئيسة هيئة ضمان جودة التعليم والاعتماد، على هامش فعاليات المؤتمر إن تطوير التعليم وتحقيق جودته ينهضان، بدورهما، في قيادة عمليات التطوير والبناء في إطار إستراتيجية الدولة الحالية.

وأضافت عيد أن تطبيق معايير جودة التعليم على نحو شامل، كفيل بإحداث ثورة حقيقية ونقلة نوعية في التعليم ونقله بصورة مباشرة إلى التعليم الحديث وهو ما سوف يتيح الاستغناء عن أنماط التعليم التقليدية التي تعتمد على الحفظ والتلقين، الأمر الذي يترتب عليه تخريج طلاب عصريين مبدعين ومبتكرين.

وأكدت يوهانسن عيد أن تطبيق جودة التعليم هو الضمانة الحقيقية لرفع الكفاءة النوعية للطلاب وتزويدهم بمهارات التفكير العليا والمهارات اللازمة، وتطوير مواهبهم وقدراتهم، ذلك لأن نوعية التعليم ليست رهنا بتوافر الموارد أو حتى الإنجاز الكمي في نشر التعليم، وإنما تعود إلى خصائص أخرى لصيقة بتنظيم العملية التعليمية وأساليب التعليم والتعلم والتقييم، وفق معايير الجودة.

كما أعلنت رئيسة الهيئة العامة لضمان جودة التعليم والاعتماد عن التوصيات المنبثقة عن أشغال المؤتمر الرابع خاصة منها المتعلقة بوضع نظم جديدة للالتحاق بالجامعات، ومن بينها تطوير نظم القبول بالجامعات بالاعتماد على مخرجات حوار مجتمعي شامل للوصول إلى نظام للقبول بالتعليم العالي لا يقتصر على مجموع الثانوية العامة.

وكذلك تطوير نظم التقييم والقياس بما يتناسب مع التطور في النظم الجديدة للقبول بالجامعات، والاعتماد على نظام إداري مبتكر يعمل خارج الأطر التقليدية والروتينية ويستفيد من الخبرات الدولية ويسمح بتشريك كافة المستفيدين من خدمات التعليم.

ومن جانب آخر أكد المؤتمر في توصياته، على أنه في ظل التزايد المطرد في عدد الجامعات في مصر صار لزاما أن تكون الجامعات الجديدة غير نمطية أي أن تعنى بالبرامج غير التقليدية، كما أكدت التوصيات على أهمية مشاركة الطلاب في تطوير البرامج الدراسية.

17