مصر تطهّر المدارس من المدرسين المتطرفين لتحصين طلابها فكريا

ترك حكم الإخوان المسلمين لمصر العديد من الآثار السلبية التي مازالت الحكومة المصرية تعاني منها حتى الآن، ومن مساوئ هذه الآثار أن تكون مرتبطة بالنشء، لجهة ما تحمله من أفكار وبرامج متطرفة سعت الجماعة إلى بثها عبر أذرعها الناشطة في جل القطاعات تقريبا ومن بينها قطاع التعليم الذي ينشط فيه العديد من المدرسين الذين يؤمنون بفكر الجماعة ونشاطاتها الإرهابية، وهو ما تعمل وزارة التربية والتعليم المصرية على اجتثاثه منعا لسياسة استقطاب الطلاب ونشر الأفكار المتشددة لديهم، أملا في تخليص المنظومة التعليمية من كل الشوائب التي لحقت بها.
الثلاثاء 2018/01/16
استقطابهم سهل ومحاصرتهم صعبة

القاهرة - استهلت الحكومة المصرية العام الجديد 2018 بالبدء في تطهير المدارس من المدرسين المتطرّفين فكريا ومن يحملون توجّهات دينية متشددة، وذلك في إجراء لافت لحماية النشء والطلاب من التأثير عليهم سلبيا ومحاولة استقطابهم تجاه التيارات الدينية المتشددة التي يتعاطف معها أو ينتمي إليها هؤلاء المدرسون.

وعمّمت وزارة التربية والتعليم منشورا على المديريات التعليمية بالمحافظات المصرية المختلفة، طالبت فيه مدراء المدارس بمراقبة سلوكيات المدرسين والإبلاغ عن أي متطرف أو متطرفة بينهم.

وبحسب ما جاء به نص المنشور، فإن كل مدير مدرسة مسؤول عن متابعة أي سلوك متطرف لأي مدرس أو مدرسة بالمدرسة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون التأثير السلبي على الطلاب أو تزويدهم بمعلومات مغلوطة أو قيم هدّامة أو فكر متطرف والتنسيق مع جهات الأمن، وأن يكون ذلك على نحو عاجل.

وفي مصر توجد 52 ألف مدرسة حكومية تتوزع على 27 محافظة، يعمل فيها ما يناهز مليونا و300 ألف مدرس ومدرسة يقومون بالتدريس لنحو 22 مليون طالب وطالبة في مختلف المراحل الدراسية.

ويأتي التحرك نحو تطهير المدارس من المدرسين أصحاب الفكر المتطرف استجابة لضغوط مجتمعية قادها مثقفون وخبراء تربويون لمواجهة الإرهاب الفكري الذي بدأ يظهر في بعض المؤسسات التعليمية.

وسبق هذه الخطوة شن حملة واسعة على المدارس الواقعة في نطاق جغرافي يمثل بؤرة لاستقرار الفكر الإخواني والسلفي، لتطهير مكتباتها من الكتب التي تحضّ على التطرف أو تحرّض على الإرهاب، وفي مقدمة من تم منع كتبهم سيد قطب ويوسف القرضاوي، وتم العثور على العشرات من الملجدات التي تروّج لفكر الجماعة.

52 ألف مدرسة حكومية يعمل فيها ما يناهز مليونا و300 ألف مدرس ومدرسة

ويقول مؤيدون لهذه الخطوة إنه يجب أن تكون التحقيقات الإدارية هي المرجعية الأولى لإقصاء المتطرفين فكريا، وبناء على أفعال بعينها تكون مثبّتة، لتجنب اتهامات حقوقية داخلية وخارجية بشأن استهداف أبرياء بذريعة الأخونة ومحاربة الإرهاب.

وقبضت جماعة الإخوان على مقاليد الأمور في مفاصل عديدة بوزارة التربية والتعليم خلال العام 2012، زمن حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي للبلاد، وتمت الاستعانة بكوادر إخوانية لإدارة شؤون الوزارة والذين نجحوا في تعيين الآلاف من المدرسين الأعضاء بالجماعة خلال فترة حكمهم.

وصنفت الحكومة المصرية الإخوان “جماعة إرهابية” في نهاية 2013 عقب اتهام بعض عناصرها بتفجير مديرية أمن الدقهلية، وما تبع ذلك من أعمال عنف مسلح، إبان عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي بعد ثورة 30 يونيو 2013.

وقال مسؤول بوزارة التربية والتعليم لـ”العرب” إن إقصاء المتطرفين والمتشددين فكريا من المدارس خطوة أولى نحو اقتلاع جذور التطرف والإرهاب من المجتمع، لأن بعضهم آثر زرع أفكار هدّامة في عقول الطلاب وتحريف الحقائق وتمجيد الإخوان والسلفيين في مقابل تحقير عناصر الأمن من الجيش والشرطة.

وأضاف المسؤول، وهو مطلع على خطة إقصاء المتطرفين من الحقل التعليمي، أن تطهير المدارس من المتشددين يغلق الباب أمام عناصر التيارات الدينية والفكرية المنحرفة لإعادة إحيائها في المجتمع من خلال الطلاب، خاصة وأن جماعة الإخوان اعتمدت عند نشأتها على استقطاب طلاب المدارس والجامعات من خلال أساتذتها.

وتزامن هذا التحرك مع زيادة الحصار المفروض على المدارس التي كان يمتلكها الإخوان في عدد من المحافظات لتسترجعها وزارة التربية والتعليم، وأبعدت أصحابها وقامت بتعيين مجالس إدارات للإشراف عليها ووضعتهم تحت الرقابة المستمرة للحيلولة دون السماح لأي كادر إخواني بالتدخل في إدارة المدرسة مجددا.

وتبدو هذه الخطة متّسقة مع نهج الحكومة الرامي إلى القضاء على توغل من يحملون أفكارا متطرفة في الجهاز الإداري للدولة، بما يحول دون الإضرار بمصالح المؤسسات والمواطنين باستغلال الوظيفة لبث الأفكار المتطرفة وإثارة الناس على الحكومة وتبرير العمليات الإرهابية.

ويرى مراقبون أن تطهير المؤسسات التعليمية من التطرف والتشدد الديني والفكري يعكس مدى التحول الملحوظ في خطة الحكومة المصرية لمواجهة الإرهاب ومنابعه، لكن اقتصارها (الخطة) على المدارس دون توسيعها لتشمل مؤسسة الأزهر بكلياتها ومعاهدها، لن يكتب لها النجاح بالكامل. ويقول هؤلاء، إن استمرار الأزهر في رسم سياساته التعليمية بنفسه دون السماح لجهات أخرى بالتدخل لتصحيح الوضع القائم داخله وإقصاء المدرسين المتشددين فكريا، يعني أن تطهير المؤسسات التعليمية المصرية من الإرهاب الفكري يظل حلما بعيد المنال.

سياسيون: الخطورة ليست في المدرس الذي يثبت انتماؤه إلى الإخوان أو يكشف عن أفكاره المتشددة، بقدر ما تتعاظم عندما يتم الكشف عن أنهم (خلايا نائمة)

ويخشى البعض من المتابعين من أن تكون للتقارير الأمنية الكلمة العليا في إبعاد المتطرفين فكريا داخل المدارس، بما يمكّن من استغلالها لتصفية الحسابات أو تكون هناك هفوات بالتغاضي عن تصنيف بعض المدرسين كإخوان خطرين، مقابل مزايا بعينها في ظل الإقرار بوجود خروقات داخل بعض المؤسسات لمصالح الإخوان. وقال رضا حجازي، رئيس قطاع التعليم العام بوزارة التربية والتعليم لـ”العرب”، إن متابعة سلوكيات المدرسين إجراء احترازي لكشف المتطرفين، لكن عملية استبعاد هؤلاء سوف تمر بأكثر من مرحلة، بمعنى أننا “لن نأخذهم من الدار إلى النار فجأة دون تحقق”، ولن يعمل في مهنة التدريس سوى الأمناء على عقول الطلاب.

ويرى سياسيون أن الخطورة ليست في المدرس الذي يثبت انتماؤه إلى الإخوان أو يكشف عن أفكاره المتشددة، بقدر ما تتعاظم عندما يتم الكشف عن أنهم “خلايا نائمة” أو أنهم من المتعاطفين مع الجماعة لأن هؤلاء يصعب اكتشافهم وحصرهم، فهم لا يفصحون عن ذلك، لكنهم يعملون لصالح التنظيم بشكل غير معلن، ما يصعّب على الحكومة مواجهتهم بل إنها في بعض مراحل كشفها لهم تكون جدّ خاسرة.

17