مصر تعتقل مسؤولة أطلقت أسماء زوجها وأقاربها على خمسة شوارع

الواقعة تثير موجة من الجدل والسخرية وتعكس حجم الفساد المستشري في المحليات المصرية.
الخميس 2021/03/04
تسمية الشوارع تحظى بأهمية سياسية

القاهرة - وسط نقاش محتدم بين مجموعة من المواطنين كانوا يستقلون إحدى عربات مترو الأنفاق، حول فساد صغار المسؤولين في المحليات بمصر، وكيف صارت كل وظيفة أشبه بالملكية الخاصة لصاحبها، أعاد بعضهم التذكير بواقعة قيام مسؤولة بإطلاق أسماء زوجها وأقاربها على شوارع مدينتها الواقعة على بعد 60 كيلومترا شمال القاهرة.

كان حديث ركاب المترو يدور حول طريقة إتاحة الخدمات للناس في المحليات عند تسجيل العقارات، وتلميح بعض الموظفين إلى طلب أموال بشكل غير قانوني نظير إنجاز المهمة، بالتزامن مع الجدل المثار حول قانون الضريبة العقارية التي تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسي الأحد لتأجيلها عامين، وتهافت الناس على التسجيل قبل تفعيل القانون.

وقال مواطن غاضب يدعى سعيد بصوت مرتفع وملامح وجهه يكسوها الغضب إن “الشخص الذي لديه أقارب في المحليات بإمكانه فعل كل شيء، وقد يُطلق اسمه على أحد الشوارع في المنطقة التي يعيش فيها، ويكون من العلامات التاريخية بالمكان، ويدوّن اسمه في السجلات الرسمية، حتى بطاقات الهوية الشخصية لسكان المنطقة”.

ولم يكن كلام الرجل الخمسيني معبرا عن وقائع خيالية؛ فما ساق الحديث عنه مبني على حادثة شهيرة وقعت قبل أيام، بعدما لجأت مسؤولة التنظيم بمدينة كفر شكر الواقعة في محافظة القليوبية القريبة من القاهرة إلى استغلال موقعها الوظيفي وإطلاق أسماء زوجها ووالده وأشقائه الثلاثة على شوارع تدرس المحافظة مسألة تسميتها.

وعكست الواقعة حجم الفساد المستشري في المحليات المصرية، رغم الضربات المتكررة من أجهزة رقابية وأمنية بالقبض على مسؤولين بتهم تتعلق برشاوى واستغلال النفوذ الوظيفي لتحقيق مكاسب شخصية، فمهما أنجزت الحكومة من أشياء إيجابية لن تنال رضاء الشارع إذا استمر فساد المحليات.

وألقت الأجهزة الأمنية الاثنين القبض على المسؤولة التي أطلقت أسماء أقاربها على الشوارع الخمسة، بعد ثبوت صحة الواقعة، وأحالتها إلى النيابة الإدارية عقب موجة من الجدل والاستنكار والسخرية على شبكات التواصل الاجتماعي بشأن الواقعة، باعتبارها الأكثر غرابة وأظهرت مدى نفوذ وسطوة موظفين صغار بالمحليات.

وترى دوائر سياسية أن معضلة تعاطي الحكومة مع فساد المحليات تكمن في أنها تكتفي بتتبع تحركات وقرارات القيادات الكبيرة، دون النظر إلى كوارث الصفين الثاني والثالث من المسؤولين، باعتبار أن الكثير منهم يمارسون إرهابا نفسيا على المواطنين، ويشحن غضبهم تجاه صانع القرار الذي مهما فعل من إيجابيات لن يستطيع بسهولة امتصاص غضب وتذمر الفئات التي ضاقت ذرعا بتصرفات ونفوذ صغار الموظفين.

Thumbnail

وما أثار امتعاض الناس أن بعض المؤسسات الرسمية تعيش في غيبوبة ولا تتحرك على مستوى التحقيق والمحاسبة إلا بعد تحول الأمر إلى قضية رأي عام، وإن صار ذلك يشكل عبئا على الحكومة، لكنه يعكس حجم الوعي الذي أصبح عليه الشارع، واقتناع الناس بفكرة أنهم شركاء ومسؤولون عن مواجهة التقصير والفساد.

وتكشفت خيوط واقعة كفر شكر بعد أن طالب مواطن جهاز المدينة بإطلاق اسمه على أحد شوارع المنطقة التي يعيش فيها، أسوة بزوج وأقارب مسؤولة التنظيم بالحي، إلى درجة أنه عبر عن استعداده لتحمل نفقات أو دفع رسوم نظير ذلك، وعندما سُئل عن سبب هذه الخطوة أجاب بأن “هذا حقه، طالما أن تسمية الشوارع تكون بالوساطة”.

وأمام إصرار الرجل على موقفه تحرى مسؤولو محافظة القليوبية من وزارة التخطيط عن الواقعة، واكتشفوا صحتها.

وما أعطى الواقعة زخما إعلاميا وسياسيا أن مدينة كفر شكر تنحدر منها شخصيات تاريخية أثّرت في الحياة المصرية، من بينها زكريا محي الدين عضو مجلس قيادة ثورة 1952 التي أسقطت الملكية وأعلنت قيام الجمهورية، وهو أيضا وزير الداخلية في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ومؤسس جهاز الاستخبارات.

وفي المنطقة ذاتها ولد ونشأ فؤاد محي الدين الذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، وفي عرف تسمية الشوارع بمصر يتم اختيار الأسماء التي أثرت في المكان، وحققت إنجازات، أو لها دور بارز على المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية، ويتم انتقاء أسماء الشوارع بعناية لارتباطها بالهوية ولما لها من أبعاد رمزية.

ومنذ وصول الرئيس السيسي إلى سدة الحكم أصبح يُنظر إلى مسألة تسمية الشوارع على أنها من الملفات التي تحظى بأهمية سياسية، وقد تدخل أكثر من مرة لتوجيه الحكومة بإطلاق أسماء شهداء الجيش والشرطة والقضاء والأطباء على الأماكن الحيوية، مثل الشوارع والميادين والمدارس والمستشفيات.

ورأى أمجد عامر الباحث والخبير المتخصص في شؤون المحليات أن واقعة تسمية شوارع بأسماء زوج وأقارب موظفة أحد أوجه الفساد الذي يمارسه بعض المسؤولين البعيدين عن دائرة الضوء والشهرة، والمعضلة أن هؤلاء يكونون أكثر الفئات احتكاكا بالشارع، وقد تتسبب شريحة منهم في تأليب الناس على الحكومة. ولفت إلى أن الأمر يتطلب عقابا قاسيا لهذه المسؤولة حتى تكون عبرة لأي موظف محلي يحاول أن يتعامل مع المكان باعتباره ملكية خاصة.

وأضاف عامر لـ”العرب” أن الميزة الأهم في الواقعة أنها كشفت للحكومة مدى وعي المواطنين ورفضهم لأيّ فساد سواء كان كبيرا أو صغيرا، وأنه صارت هناك جرأة حقيقية لم تكن موجودة عند شريحة واسعة من الناس.

Thumbnail
1