مصر تعدل بوصلتها السياسية الداخلية نحو المسار الصحيح

الأربعاء 2015/03/18
مؤتمر شرم الشيخ يوقف الخلافات بين القوى السياسية ويعيد غالبيتها للالتفاف حول مشروع "رؤية المستقبل"

القاهرة - يعتبر الخبراء أن النجاح الذي حققه مؤتمر شرم الشيخ لدعم مصر، ترجمته أن جماعة الإخوان وأنصار تيار الإسلام السياسي صفحة أغلقت رغم كل المؤامرات الخارجية ومحاولات فرضهم على رأس الدولة المصرية. ولم يعد الآن أمام القوى السياسية المصرية، على غرار تحالف 30 يونيو سوى أن تركّز على العمل وتتدارك أخطاء الفترات الماضية، التي كشفت أنها جماعات معارضة تفتقد إلى خارطة طريق مستقبلية بعيدة المدى.

من أهم النتائج السياسية التي خلص إليها مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي أنه أعاد اللحمة بين القوى الرئيسية التي لعبت دورا مهما في ثورة 30 يونيو، فالترحيب الذي قوبل به الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من غالبية الأحزاب والتيارات السياسية، طغى على الخلافات التي نشبت خلال الفترة الماضية، وأنذرت أن التحالف الذي نشأ ضد الإخوان على وشك الانهيار.

النتيجة التي خلص إليها كثير من المراقبين في مصر أن السيسي عاد مرة أخرى ليكون نقطة ارتكاز تلتف حولها غالبية القوى الوطنية من جديد، وتتناسى الجراح التي خلفتها الفترة الماضية، وأن شباب الثورة الذين بدوا مهمّشين في نظر البعض لا يزال مكانهم شاغرا ولن يحتله أحد غيرهم، كما أن رجال الأعمال المحسوبين على الحزب الوطني المنحل تتجه النية لتقليص دورهم عمليا، عبر فتح المحال أمام الاستثمارات العربية ورجال الأعمال العرب.

من هنا، أكدت مصادر حزبية لـ”العرب” أن الرئيس السيسي ضرب مجموعة كبيرة من العصافير السياسية في الداخل والخارج بحجر المؤتمر الاقتصادي الذي انتهت أعماله الأحد الماضي. فقد أجهز، تقريبا، على أحلام الإخوان وحلفائهم، وقضى على البقية الباقية من طموحاتهم، وأثبت أنه الرقم الوطني الوحيد الذي يجب الالتفاف حوله، وأن الخلافات التي نشبت بين القوى السياسية يجب أن تتوارى.

الأزمة بين حلفاء 30 يونيو بدأت مبكرا، وفجّرها بشكل خاص قانون تنظيم التظاهر، الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور واعترضت عليه قوى من المكونات المدنية والسياسية في الحلف الذي أسقط نظام الإخوان، خاصة الشباب فيه، حيث تظاهر العديد منهم ضده ووصل الاعتراض حد تهديد مستقبل لجنة الخمسين التي وضعت الدستور الجديد، حينما تم القبض على عدد من الشباب أمام مقر مجلس الشورى، احتجاجا على قانون تنظيم التظاهر وصلاحيات القضاء العسكري.

الدولة لن تفلح في مواجهة الإرهاب بالأمن فقط ما لم يتم بناء مؤسسات سياسية قوية وتقوية الأحزاب

على خلفية ذلك، هدّد أعضاء في لجنة الخمسين بالاستقالة، في حال عدم الإفراج عن الشباب الذين تم القبض عليهم، لكن عمرو موسى، رئيس اللجنة وقتها، تدخّل وتدارك الأمر، وأثنى أعضاء اللجنة عن الاستقالة، ووعد بحل أزمة الشباب المقبوض عليهم.

الخلافات أيضا ظهرت إبان الانتخابات الرئاسية التي تنافس فيها الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي مع حمدين صباحي، أحد أهم أقطاب تحالف 30 يونيو.

زاد الشرخ وبات يهدد بعرقلة المسيرة وانهيار التحالف تماما، في ظل التراشقات التي أدت إليها الإجراءات الخاصة بانتخابات البرلمان والتحالفات المتذبذبة، وجاء تأجيلها بحكم قضائي بسبب بطلان قوانينها ليسكب المزيد من الزيت بين كثير من القوى السياسية، وتتعالى الاتهامات المتبادلة.

ولم يقف الخلاف فقط عند تبادل الاتهامات بين شخصيات سياسية ومسؤولين، بل وصل إلى حد أن أرسل الرئيس ردّا مكتوبا على اتهامات وجهها له محمد أبوالغار، رئيس الحزب المصري الديمقراطي، من خلال مقال كتبه في إحدى الصحف وجّه فيه اتهامات لاذعة للدولة وللرئيس السيسي، واتّهمه بأنه “لا يريد برلمانا، وإن حدث وتمّ انتخاب البرلمان فإن الرئيس يعمل على أن يكون برلمانا هشّا لا يقوم بدوره في رقابته ورقابة السلطة التنفيذية ولا يمارس دوره التشريعي”.

ورأى كثير من المتابعين أن أبا الغار غرضه الرغبة في تحقيق مصلحة خاصة، فقد كان عضوا في لجنة وضع الدستور التي أسّست السند الدستوري لمجريات الأمور السياسية حاليا، وهو نفسه تدور حوله اتهامات السيطرة على رئاسة حزبه.

ياقوت السنوسي، أمين عام حزب الدستور سابقا، وأحد قيادات جبهة 30 يونيو، قال لـ “العرب” إن الانتقادات التي وجهت للنظام منبعها التقدير للرئيس السيسي والخوف عليه من الفشل، والحفاظ على النظام من محاولات عودة الفاسدين مرة أخرى، فالإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة، ولن تفلح الدولة في مواجهة الإرهاب بالأمن فقط ما لم يتم بناء مؤسسات سياسية قوية كالبرلمان، وتقوية الأحزاب لتستوعب الشباب بدلا من تركهم فريسة للجماعات المتشددة.

يسري العزباوي: تحالف "30 يونيو" جماعات توحدت ضد الإخوان بلا رؤية لما بعد سقوطهم

وأكّد أن النظام الحالي ما زال يفتقد آلية صحيحة لاختيار المسؤولين، حيث يعتمد على أهل الثقة ولا توجد قاعدة بيانات بالكفاءات التي يجب أن تستعين بها الدولة في هذا الظرف الراهن، مشيرا إلى أن تحالف 30 يونيو مازال يرى أن السيسي طوق النجاة، لكن قوى ما قبل 25 يناير ومحاولاتها القفز على المشهد تسيء له وتعرقله، ولا شك أن سماحه لها بالعودة أو صمته عليها سيحول مؤيديه إلى معارضين.

يسري العزباوي، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، أكد أنه توجد مشاكل كبيرة بين قوى 30 يونيو منذ اللحظة الأولى، وقال في تصريحات لـ”العرب” إن ما يحدث الآن حذّر منه كثيرون، لأن القوى السياسية والجماهيرية اعتبرت السيسي كأنه المصباح السحري الذي سيحل كل المشاكل بين ليلة وضحاها، وهذا غير واقعي، فهو بشر يخطئ ويصيب.

وأضاف أنه في المقام الثاني لم يكن هناك تحالف واضح لقوى 30 يونيو، لكن هي جماعات متضاربة توحدت فقط ضد الإخوان بلا رؤية لما بعد سقوطهم، ومع مرور الوقت ظهر التناقض وبدأ كل فصيل يتصرف بشكل منفصل، وهو ما أدى إلى انهيار تحالف 30 يونيو، إذا سلمنا أن هناك تحالفا فعلا.

وأشار العزباوي إلى أن أبا الغار مخطئ في تقديره للموقف السياسي منذ 25 يناير، فهو تحالف مع الإخوان في ما يعرف بتحالف فندق “فيرمونت” بمصر الجديدة قبل إعلان فوز الرئيس المعزول محمد مرسي بالرئاسة في 2012، وقال عنهم “لديهم أفضل خبراء اقتصاديين، وأن خيرت الشاطر، نائب مرشد الإخوان، من أفضل الخبراء الاقتصاديين على مستوى العالم”.

وأوضح الباحث في مركز الأهرام أن السيسي تعلّم من أخطاء مرسي، ولم يفرط في الوعود وصارح الناس بالواقع الصعب، لذلك يتطلع الناس إليه ولا يعيرون اهتماما للقوى السياسية وحساباتها المرتبكة.

وشدد العزباوي على أن تحالف 30 يونيو ليس كاشفا لضعف القوى السياسية فقط، إنما لضعف النخبة التي لا تستطيع تقديم خطة أو رؤية وبدائل تحقق التحول بشكل سلمي، والرئيس عنده مشكلة بأنه يريد تقديم نفسه على أنه المظلة التي تجمع كل المصريين، وهذا غير مطلوب منه وغير موجود على مستوى العالم، لأنه في الواقع لن يستطيع ذلك.

وبالتالي، يؤكّد المراقبون والخبراء أن نجاح المؤتمر الاقتصادي ساهم في إطفاء الجزء العلوي من الحريق السياسي، الذي كاد يلحق السيسي شخصيا، وأصبح الجميع مطالبين باستثمار النتائج الإيجابية ومحاولة إعادة ترتيب الأوراق بصورة تتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة.

7