مصر تعرت ونحن معها

الاثنين 2016/05/30

هاجت مصر وماجت على خلفية مختلقة من أحداث مكذوبة لفتنة طائفية تعد من أشهر أسلحة مثيري الفتن بالمحروسة، فهي التوليفة الأكثر استهلاكا لمن أراد بها سوءا ولكنها سرعان ما تنكشف تفاصيلها من الجانبين ليخيب ظن مروجيها.

كالنار في الهشيم سرت شائعات كثيرة عن شاب مسيحي على علاقة غير شرعية بسيدة مسلمة خرج على إثرها بعض من شباب قرية الكرم بمركز أبي قرقاص بمحافظة المنيا من أهل زوج السيدة للاعتداء على الشاب، وحين لم يجدوه قاموا بتعرية والدته المسنة من ملابسها كاملة أمام أهل القرية دون أن يتركوا لها ما يستر عورتها، ومع كل قطعة ملابس يخلعونها يتنازلون بها عن كرامة وشهامة وطهر صعيدي تتباهى به مصر أمام الجميع.

الحقيقة ليست كما روجها البعض ولكنها حيلة سخيفة من رجل أراد التخلص من زوجته مع التنصل الكامل من كافة حقوقها المادية، فألبسها تهمة الخيانة الزوجية مع صديقه المسيحي ليكسب تعاطف من حوله دون النظر إلى أبعد من موطئ قدميه. حين يفاجئني زملاء وأصدقاء بنكات تنال من كرامة وهيبة “الصعايدة”. أقول: الكرامة والنخوة تولدان في الصعيد، فالجنوب مصنع الرجال ومن لم تطأ قدماه صعيد مصر وأكل على “طبلية” بلدي بها لا يعرف القيمة الحقيقية لمعدن أهلها.

القضية من وجهة نظري ليست قضية علاقة غير شرعية بين مسيحي ومسلمة ـ على كذبها ـ ولا تعرية امرأة مسنة على رؤوس الأشهاد ـ على مرارتها ـ ولكن القضية في نظري قضية مجتمع خلع عن نفسه ورقة التوت الأخيرة ووقف يزهو بعوراته أمام الجميع، قضية شباب محبط يعاني عدم تحقق وخيبات أمل متلاحقة، أحدهم حول قضيته الفردية في الخلاص من زوجته إلى قضية فتنة رخيصة تنال من وطن لم يتعاف بعد من أوجاعه، رجل راهن ببلاده للخلاص من زوجته على حساب شرفها وسمعتها، وشرف شعب بأكمله، أي رخص وأي عهر وأي سخافة وحمق.

أتساءل، وكلي وجع، منذ متى ونحن نعيش أجواء الفرقة والفتنة بعد أن كانت مصر مثلا حيا لتعايش مسيحيها ومسلميها بكل محبة.

الخوص الذي كنا نشغله سويا في عيد السعف مع أصدقائنا “مينا وجرجس ومريم” دون أن أقول لأمي سأذهب مع المسيحية، ولم أكن أعرف ما تعنيه كلمة مسلم ومسيحي، كل ما كنت أعرفه أنني ألعب مع مريم. وصديقتي حنان كانت تمتنع عن الطعام لأنني صائمة، وطبق الكعك الذي كانت ترسله أمي معي لجارتنا أم نبيل، كل آليات تعايشنا معا تؤكد أننا مصريون فحسب.

كان ابني الأكبر في مرحلة الحضانة بمدرسة راهبات، ذهبت للقاء الراهبة مديرة المدرسة وحين رأت حجابي، انزعجت “مدرسة الدين المسيحي” بشدة لأنه حضر بعض حصص الدين وأحضرت الراهبة طفلي لتسأله بانزعاج: ماذا درست لكم المعلمة، فقال: الله محبة، ضحكت إنهاء للموقف قائلة: الله محبة والدين محبة وضحكت هي وصرنا صديقتين.

عودة إلى قضية “أبو قرقاص”، ما أراها سوى استهلاك ركيك المعنى لقضية جعلوها شائكة ونسجوا حولها الكثير من الروايات الحقيقية بنسبة 1 بالمئة والمكذوبة بنسبة تسعة وتسعين بالمئة، شباب تائه وراغبو شهرة وجدوها فرصة سانحة لترديد أسمائهم في الفضائيات ووسائل الإعلام. كل يؤكد أنه يملك الحقيقة، وهاشتاغ انتشر بمرارة “مصر اتعرت”، والحقيقة ذاتها أن مصر حين تعرت قد تعرينا جميعا قبلها.

كاتبة من مصر

21